روايات وقصص

عطلة العيله حكايات صافي هاني

الكلمتين دول كانوا كفاية يخلوني أسكت.

لأني ما كنتش متوقعة أسمعهم منه.

كمل بصوت مكسور:

«أنا كنت عارف إن منار وياسر بيستسهلوا يرجعوا لك في أي أزمة. وكنت عارف إن أمك بتعتمد عليك أكتر من اللازم. لكن كنت بقول لنفسي إنك قوية، وإنك مش بتزعلي من الحاجات دي.»

قلت له:

«أنا مش قوية طول الوقت يا بابا.»

هز راسه، وبص ناحية الشباك.

«عارف.»

وبعدين سألني:

«هو موضوع الفلوس ده إيه حكايته؟»

شرحت له اللي عرفته من البنك، من غير ما أتهم أمي بحاجة مش مثبتة، وقلت له إن فيه تحقيق شغال، وإن أنا مش هوافق على أي تحويل مش بإذني.

سمعني للآخر، وبعدها قال:

«أمك قالت لي إنك كنتِ موافقة تحولي لها الفلوس، وإنك غيرتي رأيك بعد مشكلة العشا.»

بصيت له بدهشة.

«أنا عمري ما وافقت أحول تلاتاشر ألف دولار لأي حد.»

رد بسرعة:

«أنا قلت لها كده، لكنها قالت إنك كنتِ عارفة.»

سألته: «وإنت صدقتها من غير ما تسألني؟»

نزل عينيه.

«أنا جاي أسألك دلوقتي.»

ما كانش ده الاعتذار اللي كنت محتاجاه، لكنه كان بداية حاجة مختلفة.

قمت من مكاني، وجبت له نسخة من رسالة منار اللي بتطالبني فيها بدفع باقي حساب المنتجع، ووريته التاريخ.

وبعدين وريته إشعار البنك اللي بيوضح إن التحويل لسه معلق، من غير أي بيانات حساسة.

قرأ الرسالة، وبعدها رفع عينيه وقال:

«هو المنتجع كان متكلف كام أصلًا؟»

قلت له: «أنا دفعت ألفين وأربعمية دولار مقدم، وباقي الحساب كان متفق عليه من قبل ما يقرروا يستبعدوني.»

قال باستغراب:

«يعني إنتِ دفعتي مقدم رحلة مش هتروحيها؟»

ابتسمت بمرارة.

«أيوه يا بابا. وده قبل ما أعرف إنهم كانوا متوقعين مني أدفع الباقي كمان.»

فضل ساكت شوية، وبعدها وقف.

وقبل ما يمشي، قرب مني وقال:

«أنا مش هضغط عليك ترجعي في قرارك. بس عايزك تعرفي إن البيت بيتك.»

كنت هرد، لكن موبايله رن.

بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.

اسم أمي ظهر قدامي.

رد عليها، وقال:

«أيوه يا ليلى.»

سمعنا صوتها عالي من الناحية التانية:

«إنت عند صفاء؟ طيب، اسمعني كويس. خليها تكلم البنك حالًا. الناس مستنيانا نخلص التحويل!»

أبويا بص لي، وأنا بصيت له من غير ما أتكلم.

قال لها: «يا ليلى، هو إيه موضوع التحويل ده أصلًا؟»

ردت بعصبية:

«إنت كمان هتبدأ تحقيق؟ دي بنتك وبتساعدنا!»

قال: «هي بتقول إنها ما وافقتش على التحويل.»

أمي سكتت لحظة، وبعدين قالت:

«أنا مش هفضل أشرح نفسي لكل واحد. الفلوس دي تخص العيلة، وصفاء عارفة كويس هي بتعمل إيه.»

أبويا قال بهدوء:

«لو الفلوس تخص العيلة، يبقى لازم صفاء توافق بنفسها.»

صرخت:

«إنت واقف في صفها ضدي؟»

رد للمرة الأولى من غير ما يتراجع:

«أنا واقف في صف الحق.»

وسابها تتكلم وقفَل المكالمة.

بص لي وقال:

«أنا لازم أمشي.»

وقبل ما يخرج، التفت لي وأضاف:

«خلي بالك من نفسك يا بنتي.»

بعد ما الباب اتقفل، فضلت واقفة مكاني.

لأول مرة، أبويا ما طلبش مني أتنازل عشان خاطر أمي.

لكن كنت عارفة إن الموضوع لسه ما خلصش.

بعد الظهر، وصلتني رسالة من البنك بتطلب مني أراجعهم بخصوص البلاغ، لأنهم محتاجين تأكيد بعض البيانات.

روحت الفرع، وقابلت مسؤولة مكافحة الاحتيال.

شرحت لها اللي حصل، وقدمت لها الرسائل اللي عندي، ووضحت إن أمي كانت جهة اتصال طارئة قديمة، لكن ده ما كانش معناه إني سمحت لها تدخل على حسابي أو تنفذ تحويلات باسمي.

المسؤولة أكدت لي إن أي صلاحية قديمة تم إلغاؤها، وإن حسابي مؤمَّن بإجراءات التحقق الجديدة.

وبعدين سألتني:

«هل عندك أي علم بمصدر المبلغ اللي كان مطلوب تحويله؟»

قلت: «المبلغ من حسابي الشخصي، لكن ما عنديش أي علم ليه اختاروا الرقم ده بالذات.»

طلبت مني أنتظر نتيجة المراجعة الرسمية.

رجعت البيت، وقررت أراجع كل التزاماتي المالية مع عيلتي.

ما كانش قصدي أنتقم من حد، ولا أمنع عنهم حاجة محتاجينها فعلًا.

لكن كان لازم أعرف أنا بساعدهم في إيه، وقد إيه، وهل المساعدة دي بقت واجب مفروض عليَّ من غير ما أحس.

فتحت ملف قديم على اللابتوب، كنت مسجلة فيه التحويلات اللي عملتها لأهلي على مدار السنين.

أنا أصلًا كنت بعمل ده عشان أنظم ميزانيتي، مش عشان أطالب حد بحاجة.

لكن لما جمعت الأرقام، حسيت إني ببص على حياة شخص تاني.

مبالغ صغيرة هنا، ومبالغ كبيرة هناك.

قرض ياسر.

إيجار منار.

مصاريف علاج بابا.

تجديد أثاث شقة أهلي.

مصروفات مدارس أولاد منار.

وحتى الفلوس اللي كانت أمي بتطلبها مني كل شهر تحت مسمى «مصروف البيت»، رغم إن أبويا كان بيشتغل وقتها ولسه له دخل ثابت.

ما حسبتش كل ده عشان أرجع أطلبه منهم.

أنا بس كنت محتاجة أفهم إزاي وصلت لمرحلة إنهم شايفين إن من حقهم يحددوا أنا أروح فين، وأقعد مع مين، وأسافر ولا لأ، وفي نفس الوقت يقرروا يستخدموا فلوسي من غير إذني.

وأنا وسط المراجعة، لقيت رسالة قديمة من منار.

كانت من حوالي ست شهور.

«صفاء، ماما بتقول إنك حاطة فلوس على جنب ومش محتاجاها دلوقتي. ياريت تساعدينا في قسط الشقة الشهر ده.»

أنا وقتها حولت لها المبلغ من غير نقاش.

لكن بعد الرسالة دي بيومين، كانت منار منزلة صور جديدة لصالون شقتها، وبتشكر محل الأثاث اللي اشترت منه.

افتكرت إني وقتها سألتها إذا كانت الأمور اتحسنت، فقالت لي إنها اشترت الأثاث بالتقسيط، وإن القسط مش كبير.

ما كنتش عايزة أتهمها إنها كذبت عليَّ، لكن للمرة الأولى بدأت أفكر إن فيه حاجات كتير ما كنتش بسأل عنها، لأني كنت بخاف أبان إني بمنّ عليهم.

قفلت الملف.

وبعت رسالة واحدة على جروب العيلة:

«من النهارده، أي مساعدة مالية لازم تكون واضحة ومحددة، وأنا مش هسمح لأي حد يستخدم بياناتي أو يحاول ينفذ تحويل من حسابي من غير موافقتي. موضوع التحويل الحالي متروك للبنك يراجعه، ومش هتكلم فيه من خلال مكالمات أو ضغوط عائلية.»

ما عدتش خمس دقايق، إلا والجروب اتقلب.

منار كتبت:

«هو إنتِ بتلمحيلنا بإيه؟»

ياسر كتب:

«إنتِ كده بتفضحينا قدام نفسنا!»

أمي بعتت رسالة صوتية طويلة، ما فتحتهاش.

وبعدها أبويا كتب:

«اللي عنده كلام يقوله بهدوء، ومحدش يضغط على صفاء.»

كانت دي أول مرة أشوفه يكتب حاجة بالشكل ده قدامهم كلهم.

لكن الرد اللي جه بعدها من أمي كان أغرب من أي حاجة.

«كويس يا محمود. طالما كلكم شايفين إني غلطانة، يبقى كل واحد فيكم يشيل نفسه. وأنا كمان هعرف أتصرف.»

قفلت الجروب.

كنت عارفة أمي كويس.

لما تحس إنها فقدت السيطرة على الموقف، بتبدأ تحوّل نفسها من الشخص اللي تسبب في المشكلة للشخص اللي الكل ظلمه.

لكن المرة دي، أنا ما كنتش مستعدة أدخل الدوامة دي تاني.

عدى يومين من غير ما أكلم حد فيهم.

وفي اليوم التالت، وأنا راجعة من الشغل، لقيت منار واقفة قدام باب شقتي.

كانت لابسة لبس الخروج، وماسكة شنطتها، ووشها متوتر.

أول ما شافتني قالت:

«إنتِ أخيرًا جيتي! أنا واقفة هنا من ساعة.»

فتحت الباب، ودخلتها، لكن ما قدمتلهاش أي حاجة.

قعدت على الكنبة، وفضلت تبص لي كأنها مستنية إني أعتذر.

وبعدين قالت:

«إنتِ عارفة إنك بوظتي علينا الرحلة؟»

خلعت الجاكيت، وحطيته على الكرسي.

«إزاي؟»

قالت بعصبية:

«المنتجع بعت لنا إن الحجز ممكن يتلغي لو باقي الحساب ما اتدفعش. وماما كانت متفقة مع الناس إن كل حاجة هتخلص.»

قلت: «يبقى تتواصلوا مع المنتجع وتشوفوا الخيارات المتاحة.»

رفعت صوتها:

«إنتِ اللي حجزتي! وإنتِ اللي دفعتي المقدم!»

قلت لها: «دفعت المقدم عشان كنت فاكرة إني واحدة من الناس اللي هتسافر.»

سكتت، وبعدين قالت:

«يا صفاء، هو إنتِ هتفضلي تعاقبينا على كلمة اتقالت وقت العشا؟»

بصيت لها مباشرة.

«الكلمة دي ما كانتش لوحدها. إنتِ ضحكتي، وياسر ضحك، وماما قالت إني مش منهم، وإنتِ بعدها طلبتي مني أدفع باقي الرحلة. ولما اكتشفت إن فيه تحويل غريب من حسابي، كل اللي شغلكم كان إزاي ترجعوا الفلوس تتحول.»

قالت بسرعة:

«أنا ما أعرفش أي حاجة عن التحويل.»

سألتها: «طيب، ليه بعتي لي إن ماما بتقول إني هتصرف وأدفع الباقي؟»

قالت: «عشان ده اللي ماما قالته.»

«وليه ماما كانت متوقعة إني أوافق على تلاتاشر ألف دولار من غير ما أسأل؟»

هزت كتفها بعصبية.

«معرفش! اسأليها هي.»

قلت لها: «هسألها لما يبقى فيه كلام واضح، مش لما كل واحد فيكم يحاول يخليني أحس إني غلطانة عشان بحمي فلوسي.»

قامت من مكانها، وبدأت تمشي في الصالة.

«إنتِ اتغيرتي يا صفاء. زمان ما كنتيش كده.»

قلت: «زمان كنت بخاف أزعلكم.»

لفت لي بسرعة.

«يعني إحنا كنا بنستغلك؟»

ما جاوبتش على طول.

وبعدين قلت:

«أنا مش هحط كلمة في بقك. إنتِ أدرى بتصرفاتك. لكن اللي أعرفه إن مساعدتي ليكم كانت اختيار مني، ومش عقد مفتوح يدي أي حد الحق يطلب مني فلوس في أي وقت.»

فضلت باصة لي، وبعدها قالت بصوت أخفض:

«ماما مش كويسة من يوم اللي حصل.»

حسيت بوخزة في قلبي.

رغم كل حاجة، كانت دي أمي.

سألتها: «مالها؟»

قالت: «مش بتنام، وكل شوية تتكلم عن الرحلة والتحويل. وبابا بقى مش بيكلمها زي الأول.»

قلت: «أنا أتمنى تكون بخير. لكن ده ما يغيرش حقيقة إن فيه محاولة تحويل من غير إذني.»

منار قربت مني، وقعدت جنبي.

«طيب، لو أنا قلت لك إن الموضوع أكبر من مجرد الرحلة، هتسمعيني؟»

بصيت لها باستغراب.

«قولي.»

فضلت تلعب في سوستة الشنطة شوية، وبعدها قالت:

«ماما كانت مستنية المبلغ ده عشان تسدد التزام مهم.»

سألتها: «التزام إيه؟»

رفعت عينيها وقالت:

«أنا ما أعرفش كل التفاصيل. هي قالت إن فيه فلوس لازم تتدفع قبل نهاية الشهر، وإن لو ما اتدفعتش، ممكن نخسر حاجة كبيرة.»

قلت: «حاجة تخص مين؟»

ردت بتردد:

«تخص البيت.»

قلبي اتقبض.

«بيت مين؟»

قالت بسرعة:

«بيت ماما وبابا.»

سألتها: «يعني إيه؟ البيت عليه ديون؟»

منار ما ردتش.

فضلت ساكتة، وده كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة مخفية.

قمت، ووقفت قدامها.

«منار، لو فيه أزمة مالية حقيقية تخص البيت، كان ممكن ماما تقولي. كان ممكن نقعد ونتكلم ونشوف حل. لكن ليه محاولة تحويل من حسابي لحساب خارجي جديد؟ وليه كل السرية دي؟»

قالت وهي بتقوم:

«أنا مش عارفة يا صفاء. والله ما أعرف.»

بصيت في عينيها، وحسيت إنها بتخبي جزء من الحقيقة، لكنها يمكن فعلًا ما تعرفش كل التفاصيل.

وصلتها للباب، وقبل ما تخرج قالت:

«على فكرة، ماما طلبت مني أقول لك إنك لو ما رجعتيش عن البلاغ، هي مش هتسامحك أبدًا.»

ابتسمت بحزن.

«قولي لها إن السماح مش هو اللي هيخليني أوافق على حاجة غلط.»

خرجت من غير ما ترد.

وقفت عند الباب شوية، وبعدها رجعت للمطبخ وعملت لنفسي كوباية شاي.

لكن كلمة «البيت» فضلت تلف في دماغي.

بيت أهلي.

البيت اللي اتربيت فيه.

البيت اللي كنت بعتبره الأمان الوحيد اللي مهما الدنيا ضاقت بيا، هلاقي بابه مفتوح.

هو كمان بقى فيه أسرار مالية محدش عايز يقولها لي؟

في اليوم الرابع، البنك اتصل بيا.

الموظفة قالت إن المراجعة الأولية أكدت إن محاولة التحويل تمت من خلال مسار إلكتروني محتاج استكمال إجراءات التحقق، وإنهم لسه بيجمعوا المعلومات اللازمة لتحديد مصدر العملية بدقة.

ما قدرتش تديني اسم الشخص اللي نفذها، لكنها أكدت إن المبلغ ما خرجش من حسابي.

سألتها عن الحساب المستفيد.

قالت إن الحساب جديد نسبيًا، وإن تفاصيله هتكون ضمن ملف المراجعة، وإن أي معلومات إضافية هتتقدم من خلال الإجراءات الرسمية.

شكرتها وقفلت.

بعدها بدقايق، وصلني اتصال من رقم غريب.

رديت.

سمعت صوت ست بتتكلم بلهجة رسمية:

«أستاذة صفاء منصور؟»

قلت: «أيوه، مين معايا؟»

قالت: «أنا نجلاء، محامية والدك. محتاجة أقابلك بخصوص موضوع مهم يتعلق بملكية البيت وبعض الأوراق المالية.»

اتجمدت مكاني.

«ملكية البيت؟»

قالت: «أيوه. والدك طلب مني أراجع مستندات معينة، وظهر فيها أمر محتاج نتكلم فيه بهدوء. الأفضل نتقابل في المكتب، ومعاك أي أوراق تخص المساعدات المالية اللي قدمتيها للأسرة لو متاحة.»

سألتها: «هو بابا قال لك إيه بالضبط؟»

ردت:

«هو ما طلبش مني أتهم حد، ولا قال إن فيه جريمة. هو بس اكتشف إن فيه التزامات مالية تخص البيت، وإن بعض التفاصيل اللي كان فاكرها واضحة محتاجة مراجعة.»

اتفقنا نتقابل تاني يوم.

طول الليل كنت بفكر في كلام منار، وفي مكالمة المحامية.

هل أمي فعلًا كانت بتحاول تجمع فلوس عشان تنقذ البيت؟

ولا فيه حاجة تانية؟

وفي نفس الوقت، كنت بحاول أفصل بين حاجتين: إن البيت ممكن يكون في أزمة حقيقية، وإن ده ما يديش لأي حد الحق إنه يستخدم حسابي من غير موافقتي.

تاني يوم، روحت مكتب المحامية.

كانت ست في أواخر الأربعينات، هادية، وبتتكلم بحرص شديد.

رحبت بيا، وطلبت مني أقعد، وبعدها فتحت ملف كبير قدامها.

قالت:

«قبل ما نبدأ، عايزة أوضح إن دوري إني أراجع المستندات وأحمي حقوق موكلي، مش إني أوجه اتهامات لأي حد. وإنتِ كمان من حقك تعرفي الحقيقة من غير ما نفترض حاجة قبل ما تظهر الأدلة.»

هزيت راسي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى