منوعات

السيد والخادمه حكايات صافي هاني

دانتي مكنش بيحاول يغير شخصيتي، ولا يطلب مني أسيب شغلي. بالعكس، كان بييجي المحل أوقات يساعدني في الحسابات، وصوفي كانت بتستغله عشان يشتريلها أدوات رسم جديدة كل ما تخلص القديمة.

 

وفي يوم ربيعي هادي، كنا قاعدين في الحديقة، وصوفي بترسم صورة لينا التلاتة، وبرونو نايم تحت الكرسي.

 

دانتي كان بيقرأ كتاب، وأنا كنت براقب بنتي وهي بترسم.

 

فجأة رفعت الورقة وقالت:

 

ـ بصوا! دي ماما، وده دانتي، وده أنا، وده برونو!

 

دانتي بص للصورة، ورفع حاجبه.

 

ـ هو أنا طالع أقصر من برونو ليه؟

 

صوفي ردت بمنتهى الثقة:

 

ـ عشان برونو بيحمينا كلنا.

 

ضحكت، ودانتي هز راسه باستسلام.

 

بعد ما صوفي رجعت للرسم، دانتي مسك إيدي وقال:

 

ـ فاكرة أول ليلة جت فيها بنتك مكتبي وطلبت تستعير برونو؟

 

ابتسمت.

 

ـ عمري ما هنساها.

 

ـ أنا كمان. كنت فاكر إن أخطر حاجة ممكن تحصل للقصر هي إن حد يكتشف أسرار عيلتي. لكن بنت صغيرة دخلت مكتبي وخلتني أكتشف إن فيه حاجات أهم بكتير من كل اللي كنت بحاول أحميه.

 

بصيت له.

 

ـ زي إيه؟

 

ـ زي إن مفيش قيمة لأي قوة لو مش قادر تخلي اللي بتحبهم يحسوا بالأمان. وإن البيت مش الحيطان ولا الاسم ولا الفلوس. البيت هو المكان اللي تقدر تكون فيه على حقيقتك من غير ما تخاف.

 

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني، لكن المرة دي كانت دموع فرح.

 

قربت منه وحطيت راسي على كتفه.

 

ـ أنا مبسوطة إني اديتك فرصة يا دانتي.

 

باس راسي برفق، وقال:

 

ـ وأنا كل يوم بحمد ربنا إنك اديتيني الفرصة دي.

 

صوفي جريت ناحيتنا، ورفعت إيديها الصغيرتين.

 

ـ أنا كمان عايزة أحضنكم!

 

فتح دانتي دراعاته، ودخلت بينا، وبرونو قام من مكانه وحط راسه على رجلينا، فبقينا كلنا بنضحك.

 

وفي اللحظة دي، افتكرت الليلة اللي بدأت فيها الحكاية.

 

الساعة كانت عشرة وسبعة وأربعين دقيقة، والمطر كان بيخبط على الشباك، وبنتي الصغيرة كانت مرعوبة من راجل بيظهر في الضلمة.

 

وقتها، كنت فاكرة إن حياتنا انتهت، وإن كل اللي مستنينا هو الخوف والخسارة.

 

لكن الليلة دي كانت بداية الحقيقة، وبداية إننا نتعلم نواجه الماضي بدل ما نهرب منه.

 

والأهم إنها كانت بداية حب مكنش مبني على القوة ولا الخوف ولا الاحتياج، لكنه اتبنى يوم ورا يوم على الصراحة والاختيار والاحترام.

 

دانتي موريتي، الرجل اللي كان الكل بيخاف منه، اتعلم إن القوة الحقيقية مش في إن الناس تطيعه، لكن في إنه يقدر يحميهم من غير ما يسلبهم حريتهم.

 

وأنا، إيلينا، الخادمة اللي دخلت القصر وهي مش عايزة غير سقف آمن لبنتها، اكتشفت إن من حقي أعيش حياة جديدة، وأحب من جديد، من غير ما أخون ذكرياتي ولا أنسى اللي فقدته.

 

أما صوفي، فكانت كل ما حد يسألها إزاي برونو بقى صاحبها المفضل، ترد بنفس الجملة اللي بدأت بيها الحكاية كلها:

 

ـ أنا اللي استعرته من مستر دانتي، عشان كان عندي مشكلة كبيرة.

 

ولما يسألوها إيه المشكلة، تبتسم وتقول:

 

ـ كنت خايفة من الليل، بس دلوقتي مبقتش أخاف، عشان بقيت عارفة إن فيه ناس بتحبني وهتفضل جنبي.

 

وكان ده أجمل انتصار في الحكاية كلها.

 

مش إن سر قديم اتكشف، ولا إن رجل خطير اتقبض عليه، ولا إن صاحب القصر وقع في حب الخادمة.

 

الانتصار الحقيقي كان إن طفلة صغيرة قدرت تنام مطمنة، وإن أمها قدرت تضحك من قلبها من جديد، وإن رجل قضى عمره محاصر بالخوف اكتشف أخيرًا إن الحب مش ضعف.

 

الحب أمان، والبيت الحقيقي مش المكان اللي مفيهوش أسرار بس، لكنه المكان اللي مفيهوش خوف من الحقيقة.

 

ومن يومها، كل ما المطر ينزل في ليالي أكتوبر، كنت ببص من الشباك وأفتكر أول تلات خبطات.

 

وأبتسم.

 

لأن الصوت اللي كان زمان بيعلن بداية كابوسنا، بقى مجرد صوت مطر على زجاج بيت مليان حب ودفا وطمأنينة.

 

تمت بحمد الله

 

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى