فن ومشاهير

اماني السيد

“مينفعش.”

 

قالت

 

“ليه؟”

 

قلت

 

“عشان دي بداية جديدة ليكي.”

 

قالت

 

“شكراً.”

 

وبعدين قالت

 

“ممكن أقولك حاجة؟”

 

“قولي.”

 

“أنا عمري ما تمنيتلك الشر.”

 

بصيت لها.

 

“أنا عارف.”

 

قالت

 

“حتى في أصعب وقت.”

 

سكت.

 

قالت

 

“كنت بتمنى بس تعرف قيمة اللي كان بينا.”

 

قلت

 

“عرفتها.”

 

ابتسمت.

 

“متأخر.”

 

ضحكت.

 

“أيوه.”

 

وبعدين دخلت القاعة.

 

وقفت أتفرج عليها وهي بتبدأ حياتها الجديدة.

 

وفي اللحظة دي افتكرت يوم الطلاق.

 

افتكرت نفسي واقف فرحان.

 

فاكر إنني انتصرت.

 

فاكر إنني هخليها تتوسل.

 

فاكر إنني هفضل أراقبها وهي مكسورة.

 

لكن اللي حصل كان العكس تماماً.

 

أنا قضيت سنين أراقبها وهي بتبني نفسها.

 

وهي قضت سنين من غير ما تبص وراها.

 

خرجت من الفرح.

 

وأنا ماشي في الشارع حسيت إن في حمل تقيل نزل من على صدري.

 

لأول مرة ما كنتش مستني منها حاجة.

 

لا رجوع.

 

لا اعتذار.

 

لا اهتمام.

 

ولا حتى نظرة.

 

كنت بس ممتن إنها علمتني درس عمري كله ما كانش هيقدر يعلمنيه أي حد.

 

إن الإنسان اللي بتحبه مش ملكك.

 

وإن الطلاق مش رخصة للإهانة.

 

وإن الفقر مش عيب.

 

وإن المرأة اللي تخسر بيتها مش معناها إنها خسرت حياتها.

 

وإن أسوأ حاجة ممكن يعملها إنسان في نفسه إنه يحاول يكسر شخص تاني عشان يحس إنه قوي.

 

بعد سنة تقريباً كنت ماشي قدام مكتب مريم.

 

اللافتة اتغيرت.

 

بقى اسمها أكبر.

 

والشركة بقت في مكان واسع.

 

دخلت أسأل على ورق شغل.

 

الموظفة قالت

 

“الأستاذة مريم مش موجودة.”

 

قلت

 

“تمام.”

 

وأنا خارج شفت صورة كبيرة معلقة في الاستقبال.

 

كانت صورة تكريم ليها.

 

وتحت الصورة جملة

 

“من الصفر إلى النجاح.”

 

وقفت قدامها.

 

ابتسمت.

 

وقلت لنفسي

 

“هي فعلاً بدأت من الصفر.”

 

وبعدين افتكرت إنها يوم خرجت من بيتنا كانت شايلة شنطة صغيرة.

 

كنت فاكر إنها خرجت مكسورة.

 

لكن الحقيقة إنها خرجت خفيفة.

 

من كل الخوف.

 

من كل السيطرة.

 

من كل الإهانة.

 

ومن شخص كان فاكر إن وجوده هو الحياة نفسها.

 

ركبت عربيتي.

 

وأنا سايق رن تلفوني.

 

رسالة من رقم مريم.

 

فتحتها.

 

كانت بتقول

 

“عامل إيه؟ أتمنى تكون بخير.”

 

ابتسمت.

 

رديت

 

“الحمد لله. وإنتِ؟”

 

بعد دقيقة ردت

 

“بخير الحمد لله.”

 

وبس.

 

لا كلام زيادة.

 

ولا محاولة للرجوع للماضي.

 

قفلت الموبايل.

 

وكملت طريقي.

 

ولأول مرة فهمت إن بعض العلاقات نهايتها مش إن الناس ترجع لبعض.

 

أحياناً النهاية الحقيقية إن كل واحد فيهم يقدر يعيش من غير ما يكره التاني.

 

وأنا كنت محتاج سنين عشان أفهم ده.

 

لكن مريم كانت فهمته من أول ليلة خرجت فيها من البيت.

 

الليلة اللي كنت فاكر إنها نهايتها.

 

طلعت بداية حياتها.

 

أما أنا…

 

فكانت بدايتي الحقيقية يوم بطلت أحاول أكسر غيري عشان أحس إني قوي.

 

ومن يومها بقيت كل ما أسمع حد يقول

 

“أنا هخليها تندم.”

 

أفتكر نفسي.

 

وأفتكر الستارة الصغيرة فوق السطوح.

 

وأفتكر إزاي كنت واقف ورا الشيش مستني أشوف إنسانة تنهار.

 

وأفتكر إنها في النهاية ما انهارتش.

 

أنا اللي وقعت.

 

وهي اللي قامت.

 

وعرفت أخيراً إن في فرق كبير بين إنك تخسر شخص…

 

وإنك تخسر نفسك بسببه.

 

مرت سنين بعد اليوم ده وأنا كل ما أفتكر حياتي القديمة أحس إني كنت شخص تاني.

 

شخص كان فاكر إن امتلاك الفلوس معناه امتلاك الناس.

 

فاكر إن الجواز معناه إن الست تبقى تحت أمره.

 

فاكر إن الخيانة حق ليه لأنه ببساطة “حُر”.

 

وفاكر إن الطلاق وسيلة يعاقب بيها إنسانة كانت في يوم من الأيام بتحبه.

 

كنت فاكر إن أقسى حاجة ممكن تحصل لمريم إنها تشوفني سعيد من غيرها.

 

وماكنتش فاهم إن أقسى حاجة ممكن تحصل ليا أنا هي إني أعيش سنين وأنا عارف إن سعادتي اللي كنت بتباهى بيها كانت مبنية على وجع إنسانة ما أذتشنيش.

 

بعد فرح مريم، حياتي اتغيرت تماماً.

 

مش مرة واحدة.

 

التغيير الحقيقي ما بيحصلش في يوم.

 

حصل على مراحل.

 

في البداية كنت كل ما أفتكرها مع جوزها أحس بحاجة تقرص قلبي.

 

وبعدين الإحساس ده بدأ يقل.

 

وبعد فترة بقيت أتمنى لها الخير بصدق.

 

وبعد سنين بقيت أقدر أفتكرها من غير ما أسأل نفسي

 

“يا ترى لو كنت عملت كذا كان ممكن ترجع؟”

 

لأني فهمت إن بعض الأبواب لما بتتقفل بتكون رحمة.

 

أنا كنت عايز أرجعها زمان عشان أستعيد السيطرة.

 

لكنها لو كانت رجعت وقتها كان ممكن أفضل نفس الشخص.

 

أجرحها مرة تانية.

 

وأكرر نفس اللي عملته.

 

وأخليها تعيش عمرها كله وهي بتدفع تمن حبها ليا.

 

لكن ربنا كان أرحم بيها مني.

 

خلاني أخسرها نهائياً عشان هي تعرف تعيش.

 

وأنا أعرف نفسي.

 

بعد حوالي خمس سنين من طلاقنا كنت واقف في طابور في بنك.

 

كان يوم عادي جداً.

 

ناس داخلة وناس خارجة.

 

وفجأة سمعت صوت من ورايا بيقول

 

“ياسر؟”

 

لفيت.

 

كان والد مريم.

 

كبر في السن أكتر.

 

وشعره بقى أبيض.

 

ابتسمت.

 

“إزيك يا عمي؟”

 

قال

 

“الحمد لله.”

 

سكت شوية وبعدين قال

 

“لسه فاكر بنتي؟”

 

ابتسمت.

 

“أكيد.”

 

قال

 

“هي بتسأل عليك.”

 

قلبي دق.

 

لكن سألته بهدوء

 

“خير؟”

 

قال

 

“متقلقش.”

 

وضحك.

 

“مش عايزة حاجة.”

 

ضحكت أنا كمان.

 

قال

 

“هي بس قالتلي إنها سمعت إنك فتحت مكتب جديد.”

 

قلت

 

“أيوه.”

 

“وقالت إنك اتغيرت.”

 

بصيت له.

 

“قالت كده؟”

 

هز راسه.

 

“أيوه.”

 

سكت.

 

وبعدين قال

 

“هي كانت دايماً بتقول إنك ممكن تبقى شخص كويس.”

 

الجملة دي وجعتني أكتر من أي لوم.

 

قلت

 

“كان نفسي أعرف ده زمان.”

 

قال

 

“كل واحد بيتعلم في وقته.”

 

وبعدين مشي.

 

وقفت مكاني شوية.

 

افتكرت إن مريم رغم كل اللي عملته فيها كانت لسه قادرة تقول إني اتغيرت.

 

ما قالتش إني بقيت كويس.

 

قالت إني اتغيرت.

 

وده كان كفاية.

 

بعد كام شهر وصلني ظرف.

 

فتحته.

 

كان فيه دعوة لحفل كبير.

 

مريم كانت بتكرم فيه عشان نجاح شركتها.

 

رحت.

 

المكان كان مليان ناس.

 

وقفت في آخر القاعة.

 

ما كنتش عايز حد ياخد باله مني.

 

وبعد شوية طلعت مريم على المسرح.

 

كانت بتتكلم عن شغلها.

 

عن بدايتها.

 

عن الأيام الصعبة.

 

لكنها ما جابتش سيرتي.

 

ولا مرة.

 

ولا حتى بطريقة غير مباشرة.

 

وفي آخر كلمتها قالت

 

“أصعب مرحلة في حياتي كانت المرحلة اللي حسيت فيها إن حياتي انتهت.”

 

القاعة سكتت.

 

كملت

 

“لكن بعدها اكتشفت إن النهاية اللي بنخاف منها ساعات بتكون بداية لشيء ما كناش نتصوره.”

 

بصيت لها.

 

كانت بتتكلم عن حياتها.

 

مش عني.

 

وقالت

 

“أنا ممتنة لكل شخص ساعدني وأنا في أسوأ وقت.”

 

وبعدين شكرت والدها.

 

وشكرت الست اللي ساعدتها في بداية شغلها.

 

وشكرت فريقها.

 

ولا قالت اسمي.

 

ولا احتاجت تقول.

 

لأن أنا كنت عارف.

 

بعد الحفل خرجت.

 

وأنا واقف عند الباب سمعت صوتها.

 

“ياسر.”

 

لفيت.

 

قالت

 

“حضرت؟”

 

قلت

 

“أيوه.”

 

ابتسمت.

 

“شكراً.”

 

قلت

 

“إنتِ تستاهلي.”

 

قالت

 

“أنا كنت عايزة أشوفك.”

 

سكت.

 

“ليه؟”

 

قالت

 

“عشان أقولك حاجة.”

 

“قولي.”

 

قالت

 

“أنا ما نسيتش إنك ساعدتني في الشغل في وقت من الأوقات.”

 

ضحكت.

 

“أنا؟”

 

قالت

 

“أيوه.”

 

“أنا كنت السبب أصلاً في إنك توصلي للنقطة دي.”

 

قالت

 

“وأنا مش بنكر.”

 

سكتنا.

 

وبعدين قالت

 

“بس الفرق إن زمان كنت شايف إن أي حاجة بتعملها ليا لازم تبقى مقابل حاجة.”

 

نزلت عيني.

 

قالت

 

“دلوقتي بقيت بتعمل الخير من غير ما تستنى حاجة.”

 

قلت

 

“بحاول.”

 

قالت

 

“وده أكبر فرق.”

 

سألتها

 

“إنتِ سعيدة؟”

 

قالت

 

“الحمد لله.”

 

“كويس.”

 

ابتسمت.

 

“وإنت؟”

 

فكرت قبل ما أرد.

 

“أيوه.”

 

قالت

 

“بجد؟”

 

قلت

 

“أيوه.”

 

“مع إنك خسرت حاجات كتير؟”

 

قلت

 

“يمكن.”

 

سكت لحظة.

 

“بس كسبت نفسي.”

 

ابتسمت.

 

وقالت

 

“يبقى إحنا الاتنين كسبنا.”

 

وبعدين مشيت.

 

وقفت أتفرج عليها وهي بتبعد.

 

المرة دي ما كانش في وجع.

 

كان في امتنان.

 

امتنان إن الحياة أخدت كل واحد فينا للطريق اللي كان محتاجه.

 

رجعت بيتي.

 

فتحت درج قديم.

 

لقيت الصورة اللي أبوها كان ادهالي من سنين.

 

أنا ومريم في أول سنة جواز.

 

قعدت أبص لها.

 

وبعدين حطيتها في صندوق.

 

مش عشان أنساها.

 

لكن عشان أسيبها في مكانها الصحيح.

 

جزء من الماضي.

 

مش مشروع للمستقبل.

 

بعد فترة اتجوزت أنا كمان مرة تانية.

 

لكن المرة دي دخلت الجواز بعقل مختلف.

 

كنت صريح.

 

ما وعدتش بحاجة مش هقدر أعملها.

 

ما كنتش شايف الست اللي قدامي ملك ليا.

 

وما كنتش شايف إن الفلوس تديلي حق أتحكم فيها.

 

وفي أول خلاف بينا كنت بحس إن لساني عايز يقول كلام قديم.

 

كلام كنت زمان بستخدمه عشان أكسر اللي قدامي.

 

كنت أسكت.

 

وأخرج من المكان.

 

وأرجع لما أهدى.

 

لأني بقيت عارف إن كلمة واحدة ممكن تفضل في قلب إنسان عشر سنين.

 

كنت فاكر إن الرجولة إنك تكسب الخناقة.

 

لكن اتعلمت إن الرجولة أحياناً إنك تعرف إمتى تسكت.

 

وإمتى تعتذر.

 

وإمتى تقول

 

“أنا غلطان.”

 

وإمتى تسيب الشخص اللي قدامك يمشي من غير ما تعاقبه على اختياره.

 

بعد سنين طويلة كنت قاعد مع ابني في يوم جمعة.

 

كان شاب كبير وقتها.

 

سألني فجأة

 

“بابا، إنت ليه اتطلقت من ماما؟”

 

السؤال كان بسيط.

 

لكن جوابه كان صعب.

 

بصيت له.

 

وقلت

 

“عشان أنا كنت غلطان.”

 

استغرب.

 

“بس الناس بتقول إن الخلافات بتحصل.”

 

قلت

 

“الخلافات بتحصل فعلاً.”

 

“أمال؟”

 

قلت

 

“المشكلة مش إننا اختلفنا.”

 

سكت.

 

“المشكلة إني ظلمت.”

 

قال

 

“إزاي؟”

 

قلت

 

“لما الإنسان يعتقد إن الطرف التاني ملكه، بيبدأ يعمل حاجات ما ينفعش يعملها.”

 

سألني

 

“ندمت؟”

 

قلت

 

“ندمت.”

 

“طب ليه ما رجعتوش؟”

 

ابتسمت بحزن.

 

“عشان الندم مش معناه إن من حقك تستعيد الشخص اللي أذيته.”

 

سكت ابني.

 

وبعدين قال

 

“يعني لو ظلمت حد واعتذرتله لازم يرجعلك؟”

 

قلت

 

“لأ.”

 

“أمال الاعتذار ليه؟”

 

قلت

 

“عشان تصلح نفسك، مش عشان تشتري مسامحته.”

 

بصلي فترة.

 

وبعدين هز راسه.

 

ما كنتش عارف إذا كان فهم كلامي أو لأ.

 

لكن كنت أتمنى إنه ما يعيش نفس الدرس بالطريقة الصعبة اللي أنا عشتها.

 

مرت الأيام.

 

ومريم بقت بالنسبة لي ذكرى محترمة.

 

مش حب قديم.

 

ومش عدو.

 

ولا شخص مستني منه حاجة.

 

مجرد إنسانة شاركتني جزء من حياتي.

 

وأنا أذيتها.

 

وبعدين كل واحد فينا كمل طريقه.

 

وفي يوم كنت معدي بالعربية من نفس المنطقة القديمة.

 

وقفت عند الشارع.

 

بصيت على العمارة.

 

نفس العمارة.

 

لكنها اتغيرت.

 

اتدهنت.

 

المحلات اتغيرت.

 

والبلكونة اللي كنت أقف فيها زمان لسه موجودة.

 

نزلت من العربية.

 

مشيت شوية.

 

بصيت لفوق.

 

افتكرت الستارة الصغيرة.

 

افتكرت مريم وهي طالعة الفجر.

 

افتكرت نفسي وأنا واقف أراقبها.

 

ووقتها لأول مرة فهمت قد إيه كنت مريض بالسيطرة.

 

أنا ما كنتش عايزها ترجع.

 

أنا كنت عايزها تحتاجني.

 

ودي كانت الحقيقة اللي أخجل منها أكتر من الخيانة نفسها.

 

كنت عايز أشوفها مكسورة عشان أصدق إني مهم.

 

لكن الإنسان اللي قيمته حقيقية ما يحتاجش يشوف حد مكسور عشان يحس بقيمته.

 

رجعت للعربية.

 

وقبل ما أمشي بصيت مرة أخيرة للعمارة.

 

وقلت بصوت منخفض

 

“سامحيني.”

 

ما كنتش عارف هي هتسمع ولا لأ.

 

غالباً لأ.

 

ومش مهم.

 

أنا ما قلتهاش عشان هي تسمع.

 

قلتها عشان أنا كنت محتاج أقولها.

 

مرت عشر سنين كاملة.

 

وفي يوم وصلني خبر إن مريم رجعت للمدينة.

 

كان عندها مؤتمر كبير.

 

حجزت لها الشركة قاعة في الفندق.

 

روحت المؤتمر.

 

وقعدت بعيد.

 

بعد انتهاء المؤتمر خرجت.

 

ولما شافتني ضحكت.

 

قالت

 

“إنت لسه بتظهر في الأماكن اللي أنا فيها.”

 

ضحكت.

 

“الصدفة.”

 

قالت

 

“ماشي.”

 

وبعدين سألتني

 

“أخبارك؟”

 

قلت

 

“كويس.”

 

قالت

 

“سمعت إنك عندك شركة دلوقتي.”

 

“صغيرة.”

 

“بس ناجحة.”

 

“الحمد لله.”

 

قالت

 

“مبروك.”

 

قلت

 

“الله يبارك فيكي.”

 

سكتنا.

 

وبعدين قالت

 

“تعرف؟”

 

“إيه؟”

 

“زمان كنت متأكدة إنك هتفضل طول عمرك نفس الشخص.”

 

ضحكت.

 

“وأنا كنت متأكد إنك هترجعي.”

 

قالت

 

“طلعنا الاتنين غلطانين.”

 

ضحكنا.

 

وكانت أول مرة نضحك مع بعض من غير وجع.

 

بعدها قالت

 

“أنا مش زعلانة منك.”

 

قلت

 

“عارف.”

 

“لا، مش عارف.”

 

بصيت لها.

 

قالت

 

“أنا فعلاً مش زعلانة.”

 

سكت.

 

قالت

 

“الحياة خلتني أفهم إن لو فضلت شايلة اللي حصل جوايا هفضل مربوطة بيك.”

 

نزلت عيني.

 

قالت

 

“وأنا مش عايزة أبقى مربوطة بيك بأي شكل.”

 

ابتسمت.

 

“وده أحسن حاجة.”

 

قالت

 

“أيوه.”

 

وقبل ما تمشي مدّت إيدها.

 

صافحتها.

 

وقالت

 

“خليك بخير يا ياسر.”

 

قلت

 

“وإنتِ كمان.”

 

مشت.

 

فضلت واقف.

 

المرة دي ما حسيتش إني فقدتها.

 

لأن الحقيقة إنها كانت خرجت من حياتي من زمان.

 

اللي انتهى في اليوم ده كان آخر جزء من الماضي كان لسه عالق جوايا.

 

رجعت البيت.

 

فتحت الشباك.

 

الهوا كان هادي.

 

وقعدت أفكر في أول يوم طلاق.

 

اليوم اللي كنت مبسوط فيه وأنا شايفها خارجة.

 

كنت فاكر إني هعيش عمري كله أحتفل بانتصاري.

 

لكن الأيام علمتني إن الإنسان ممكن يفرح جداً بحاجة ويكتشف بعدها بسنين إنها كانت أكبر خسارة في حياته.

 

أنا ما خسرتش مريم لأنها اتطلقت مني.

 

أنا خسرتها قبل الطلاق بوقت طويل.

 

خسرتها أول مرة خنتها.

 

وخسرتها كل مرة كانت تبكي وأنا أضحك.

 

خسرتها كل مرة قالتلي إنها موجوعة وأنا قلت لها

 

“دي مشكلتك.”

 

خسرتها لما رفضت أديها أمان.

 

وخسرتها أكتر لما حولت الطلاق لعقاب.

 

لكن هي؟

 

هي خسرت زوجاً لم يحافظ عليها.

 

وخسرت بيتاً.

 

وخسرت حياة كانت فاكرة إنها هتكمل فيها.

 

لكنها كسبت نفسها.

 

وده الفرق.

 

ومن يومها وأنا لو حد سألني

 

“إيه أصعب درس اتعلمته؟”

 

ما بقولش الفلوس.

 

ولا الشغل.

 

ولا الطلاق.

 

بقول

 

“أصعب درس إنك ما تعرفش قيمة الإنسان اللي جنبك إلا بعد ما يبقى وجوده في حياتك مش حقك.”

 

وبقول كمان

 

“ما تستخدمش حب شخص ليك كسلاح ضده.”

 

لأن الحب اللي بتكسره بإيدك مش مضمون تلاقيه تاني.

 

والشخص اللي بتخليه ينام كل ليلة وهو خايف منك ممكن يصحى في يوم واحد ويقرر إنه مش هيخاف منك تاني.

 

وساعتها مش هتقدر ترجعه.

 

أنا كنت مستني اليوم اللي مريم تزحف فيه لباب شقتي.

 

لكن اليوم ده ما جاش.

 

مش لأنها ما كانتش محتاجة.

 

لكن لأنها في أصعب لحظة اختارت نفسها.

 

كنت مستني أشوفها ضعيفة.

 

لكن اللي شفته في النهاية كان إنسانة خرجت من تحت الركام وبنت حياة ما كنتش جزءاً منها.

 

وأنا كنت واقف بعيد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى