فن ومشاهير

اماني السيد

اتنفست.

 

قالت

 

“والرجوع حاجة تانية.”

 

قلت

 

“أنا مش بطلب نرجع.”

 

بصتلي باستغراب.

 

قلت

 

“أنا بس عايز أصلح اللي أقدر عليه.”

 

قالت

 

“صلحه.”

 

“إزاي؟”

 

قالت

 

“سيبني في حالي.”

 

سكت.

 

قالت

 

“وخلّي كل حاجة بينا تمشي بالقانون.”

 

كانت جملة بسيطة.

 

لكنها كانت أصعب حاجة طلبتها مني.

 

لأني لأول مرة كان لازم أسيب السيطرة.

 

مش عليها بس.

 

على الماضي كله.

 

مشيت وأنا حاسس إن حياتي اللي كنت فاكرها كاملة بدأت تقع حتة حتة.

 

وبعد شهور انتهت القضية.

 

مريم أخدت حقوقها القانونية.

 

وأنا خسرت جزء كبير من الفلوس اللي كنت فاكر إنها هتفضل تحت إيدي.

 

لكن الخسارة الأكبر ما كانتش الفلوس.

 

كانت الحقيقة.

 

الحقيقة إني أنا اللي كنت واقف طول الوقت قدام المراية وبشوف نفسي منتصر.

 

بينما كل الناس كانت شايفاني شخص خسر إنسان كان بيحبه.

 

مراتي الجديدة؟

 

بعد فترة اكتشفت إنها ما كانتش شايفاني زي ما كنت متخيل.

 

كانت بتحب الحياة اللي معايا.

 

لكن لما بدأت المشاكل ظهرت حقيقتها.

 

بدأت الخناقات.

 

وبعدين بقت تسأل عن الفلوس.

 

وبعدين قالتلي في يوم

 

“أنا مش مستعدة أعيش في مشاكل بسبب ماضيك.”

 

قلت

 

“يعني؟”

 

قالت

 

“يعني أنا عايزة أنفصل.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“إنتِ كمان؟”

 

قالت

 

“أنا مش زيها.”

 

قلت

 

“أمال إيه الفرق؟”

 

قالت

 

“هي كانت مستعدة تستحمل عشان كانت بتحبك.”

 

سكت.

 

“وأنا اكتشفت إني كنت بحب اللي إنت بتوفرهولي.”

 

خرجت.

 

وأنا قعدت لوحدي.

 

الشقة اللي كنت بستخدمها عشان أستعرض بيها قدام مريم بقت فجأة واسعة وباردة.

 

البلكونة اللي كنت واقف فيها أراقبها منها بقيت أكتر مكان بكرهه.

 

كنت أبص للعمارة اللي كانت ساكنة فيها وأفتكر الستارة الصغيرة.

 

لكن مريم ما كانتش هناك.

 

هي كانت في مكان تاني.

 

حياة تانية.

 

وأنا اللي بقيت متعلق بصورة قديمة منها.

 

بعد فترة سمعت إنها فتحت مكتب صغير.

 

رحت أشوفه من بعيد.

 

لقيت لافتة باسمها.

 

وقفت قدامها فترة طويلة.

 

ما دخلتش.

 

كنت عايز أقول لها إني فخور بيها.

 

لكن حسيت إن الكلام ده مش من حقي.

 

وفي يوم قابلتها بالصدفة.

 

كانت خارجة من مكتبها.

 

شايلة ملفات.

 

شافتني.

 

وقفت.

 

قلت

 

“مبروك.”

 

قالت

 

“الله يبارك فيك.”

 

“سمعت إن الشغل ماشي كويس.”

 

“الحمد لله.”

 

“إنتِ تعبتي عشان توصلي لكده.”

 

قالت

 

“أيوه.”

 

قلت

 

“أنا كنت فاكر إني لما أسيبك هتضيعي.”

 

ابتسمت.

 

“وأنا كنت فاكرة إني لو خسرتك هضيع.”

 

سكتنا.

 

قالت

 

“طلعنا الاتنين غلطانين.”

 

بصيتلها.

 

“إنتِ لأ.”

 

قالت

 

“لأ.”

 

“إنتِ ما غلطتيش في حاجة.”

 

قالت

 

“غلطت لما صدقت إن قيمتي مرتبطة بيك.”

 

الجملة دي فضلت في دماغي.

 

قبل ما تمشي قلت

 

“مريم.”

 

لفت.

 

“أتمنى تكوني سعيدة.”

 

قالت

 

“أنا سعيدة.”

 

وسابتني ومشيت.

 

المرة دي ما جريت وراهاش.

 

ما ناديتش عليها.

 

ما حاولتش أوقفها.

 

لأني أخيراً فهمت.

 

أنا طول الوقت كنت فاكر إن القوة معناها إنك تقدر تتحكم في حياة شخص تاني.

 

لكن الحقيقة إن القوة كانت في اللحظة اللي هي قدرت تمشي من غير ما تبص وراها.

 

وأنا بقيت واقف مكاني.

 

لوحدي.

 

من غير جمهور.

 

من غير بلكونة.

 

من غير زوجة جديدة أستعرض بيها.

 

ومن غير الست اللي كنت فاكر إن كسرها هيخليني أكبر.

 

وبعد سنة كاملة كنت ماشي في الشارع وشفتها.

 

كانت نازلة من عربيتها.

 

فتحت الباب وخرجت.

 

كان معاها ملف كبير.

 

وشافتني.

 

ابتسمت ابتسامة بسيطة.

 

وقالت

 

“إزيك؟”

 

قلت

 

“الحمد لله.”

 

سألتني

 

“أخبارك؟”

 

قلت

 

“تمام.”

 

سكتنا.

 

وبعدين قالت

 

“ربنا يوفقك.”

 

قلت

 

“ويوفقك.”

 

مشت.

 

وأنا لأول مرة ما حسيتش بالغضب.

 

ولا بالرغبة إني أرجع أوجعها.

 

حسيت بحاجة أصعب.

 

حسيت بالخجل من نفسي.

 

افتكرت يوم الطلاق.

 

كنت واقف مبسوط.

 

فاكر إني كسرت عنيها.

 

فاكر إن خروجها من حياتي انتصار.

 

فاكر إن فقرها هيخليني أعلى.

 

وفاكر إن نظرتها وهي ساكتة كانت نظرة ضعف.

 

لكن دلوقتي فهمت إنها ما كانتش ضعيفة.

 

كانت بتودع آخر جزء من حياتها القديمة.

 

وكانت بتبدأ حياتها الجديدة.

 

أما أنا؟

 

فكنت لسه عايش في اليوم القديم.

 

وبعد سنين فهمت إن أسوأ عقاب للإنسان مش إن اللي ظلمته ينتقم منه.

 

أسوأ عقاب إنه يشوف الشخص اللي حاول يكسره واقف على رجليه من غيره.

 

ويكتشف إن كل اللي عمله ما قتلش الشخص ده.

 

هو بس كشف حقيقته هو.

 

ومريم ما رجعتش.

 

ولا مرة.

 

وأنا ما بقيتش أحاول أرجعها.

 

لأني عرفت أخيراً إن في أبواب لما تتقفل مش لازم تفضل تخبط عليها.

 

في أبواب لازم تحترم إنها اتقفلت.

 

وفي ناس لما تخسرهم ما ينفعش تعوضهم بفلوس ولا بكلام ولا باعتذار.

 

والأهم إن الإنسان ساعات يفتكر إنه لما يسيب شخص ويدمره بيكون انتصر عليه.

 

لكن الأيام ممكن تعلمه إن الانتصار الحقيقي مش إنك تشوف غيرك مكسور.

 

الانتصار الحقيقي إنك ما تسمحش لنفسك تكون سبب في كسر حد من الأساس.

 

أما هي؟

 

كملت حياتها.

 

اشتغلت.

 

نجحت.

 

وبنت لنفسها بيت وحياة واسم ما كانش محتاج اسمي جنبه.

 

وأنا بقيت كل ما أفتكر يوم الطلاق أفتكر فرحتي وقتها.

 

وأقول لنفسي

 

“كنت فاكر إنك طلقتها عشان تعاقبها.”

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

أنا يومها ما طلقتش مريم بس.

 

أنا طلقت الإنسان اللي كان جوايا وكان لسه ممكن يبقى أحسن.

 

وهي عرفت تبدأ من جديد.

 

أما أنا…

 

ففضلت سنين أحاول أتعلم إزاي أبدأ من جديد من غير ما أظلم حد تاني.

 

بعد المقابلة اللي حصلت بيني وبين مريم بأيام قليلة جالي اتصال من رقم غريب.

 

رديت وأنا متضايق

 

“ألو؟”

 

صوت راجل كبير قال

 

“الأستاذ ياسر؟”

 

“أيوه.”

 

“أنا والد مريم.”

 

سكت.

 

كنت عارف إن والدها عمره ما كان بيحبني بعد اللي حصل.

 

قال

 

“ممكن نتقابل؟”

 

سألته

 

“في حاجة؟”

 

قال

 

“في حاجة تخص بنتي.”

 

اتفقنا نتقابل في قهوة هادية بعيد عن المنطقة.

 

روحت قبل الميعاد وقعدت مستنيه.

 

ولما وصل كان ماسك ظرف بني في إيده.

 

قعد قدامي وحط الظرف على الترابيزة.

 

قلت

 

“إيه ده؟”

 

قال

 

“حاجة كان لازم تشوفها من زمان.”

 

فتحت الظرف.

 

لقيت صور قديمة.

 

صور من أيام جوازنا.

 

أنا ومريم في أول سنة.

 

أنا واقف جنبها وهي بتضحك.

 

صورة لينا في عيد ميلاد أمي.

 

صورة وأنا تعبان وهي قاعدة جنبي.

 

فضلت أقلب في الصور وأنا مش قادر أتكلم.

 

قال أبوها

 

“إنت فاكر إن بنتي كانت ضعيفة؟”

 

بصيت له.

 

قال

 

“هي كانت ضعيفة قدامك لأنها كانت بتحبك.”

 

سكت.

 

“لكن بعد ما خرجت من بيتك ما بقتش ضعيفة.”

 

قلت

 

“أنا عارف.”

 

هز راسه.

 

“لأ… إنت لسه مش عارف.”

 

طلع ورقة تانية من الظرف.

 

قال

 

“دي كانت مكتوبة بخطها بعد أسبوع من طلاقكم.”

 

قرأت.

 

كانت صفحة من كراسة قديمة.

 

وفي أول سطر مكتوب

 

“أنا النهارده فهمت إن حياتي مش لازم تنتهي عشان شخص قرر يخرج منها.”

 

كملت القراءة.

 

كانت بتحكي عن أول ليلة قضتها لوحدها.

 

عن خوفها.

 

عن إنها كانت بتعيط من غير ما حد يشوفها.

 

وعن إنها كانت في لحظة من اللحظات على وشك ترجعلي.

 

لكن في نفس الليلة سمعتني من البلكونة وأنا بضحك مع مراتي الجديدة.

 

كتبت

 

“لو رجعت له دلوقتي هبقى برجع لنفس الوجع بإيدي.”

 

وقفت عن القراءة.

 

بصيت لأبوها.

 

قال

 

“كمل.”

 

كملت.

 

“أنا مش عارفة هعيش إزاي لوحدي لكني عارفة حاجة واحدة لو رجعت عشان الفقر هفضل طول عمري خايفة من الفقر ولو رجعت عشان كلام الناس هفضل طول عمري خايفة من الناس لكن لو وقفت على رجلي حتى لو وقعت ألف مرة هعرف في الآخر إني عشت حياتي بإرادتي.”

 

قفلت الورقة.

 

حسيت إن نفسي ضيق.

 

قال أبوها

 

“هي احتفظت بالورقة دي سنين.”

 

قلت

 

“ليه جبتها لي؟”

 

قال

 

“لأنك كنت فاكر إنك كسرتها.”

 

سكت.

 

قال

 

“هي كانت بتتعالج من آثار اللي حصل مش منك.”

 

بصيت في الأرض.

 

قال

 

“وأنا مش جاي ألومك.”

 

رفعت عيني له باستغراب.

 

قال

 

“أنا جاي أقولك إن بنتي خلاص كملت.”

 

“أنا عارف.”

 

“لأ.”

 

سكت.

 

“إنت لسه كل ما تشوفها بتفكر في الماضي.”

 

ما رديتش.

 

قال

 

“هي لأ.”

 

قام من مكانه.

 

وقبل ما يمشي قال

 

“خليها تعيش.”

 

الجملة دي فضلت ترن في ودني.

 

رجعت البيت.

 

دخلت أوضتي.

 

فتحت الدولاب.

 

لقيت بدلة قديمة كنت لابسها يوم فرحنا.

 

طلعتها.

 

قعدت أبص لها.

 

كنت فاكر إني يومها كنت ببدأ أجمل حياة في الدنيا.

 

لكن الحقيقة إن أجمل أيام حياتي كانت الأيام اللي مريم كانت فيها جنبي من غير ما تطلب مني حاجة.

 

وأنا ما فهمتش ده غير بعد ما راحت.

 

عدت أسابيع.

 

حاولت أركز في شغلي.

 

لكن الشركة بدأت تدخل في مشاكل.

 

شريكي القديم اكتشف إني كنت مخبي عنه ديون.

 

حصلت خلافات.

 

ناس كتير بدأت تبعد.

 

أصحاب كانوا طول الوقت حواليا اختفوا.

 

حتى اللي كانوا بيشجعوني على كل اللي عملته في مريم ما بقوش موجودين.

 

وفي ليلة كنت قاعد لوحدي في المكتب لحد متأخر.

 

دخل عليا المحاسب وقال

 

“أستاذ ياسر.”

 

“نعم؟”

 

قال

 

“في مشكلة.”

 

“إيه؟”

 

“الحسابات مش متقفلة.”

 

“يعني؟”

 

“في مبلغ كبير ناقص.”

 

وقفت.

 

“ناقص إزاي؟”

 

قال

 

“في تحويلات اتعملت من فترة.”

 

“مين عملها؟”

 

قال

 

“إنت.”

 

بصيت له.

 

“أنا؟”

 

قال

 

“أيوه.”

 

مسكت الورق.

 

الأرقام كانت قدامي.

 

وأنا فاكر إني كنت بحرك الفلوس دي عشان أأمن نفسي.

 

لكن اللي حصل إن الديون تراكمت.

 

والفلوس اللي كنت شايفها كتير طلعت أقل بكتير مما كنت متخيل.

 

قعدت على الكرسي.

 

المحاسب قال

 

“لازم ناخد قرار بسرعة.”

 

قلت

 

“سيبني لوحدي.”

 

خرج.

 

فضلت قاعد في الضلمة.

 

وفجأة تلفوني رن.

 

رقم مريم.

 

قلبي دق.

 

رديت بسرعة

 

“ألو؟”

 

صوتها كان هادي.

 

“ياسر.”

 

“أيوه.”

 

“إنت في المكتب؟”

 

“أيوه.”

 

“ممكن تقابلني بكرة؟”

 

سألتها

 

“ليه؟”

 

قالت

 

“موضوع مهم.”

 

“حاضر.”

 

تاني يوم رحت المكان اللي قالت عليه.

 

كانت قاعدة مستنياني.

 

قدامها ملف.

 

قعدت.

 

قلت

 

“خير؟”

 

قالت

 

“أنا عرفت إن شركتك داخلة في أزمة.”

 

استغربت.

 

“عرفتي منين؟”

 

“الموضوع بقى معروف.”

 

سكت.

 

قالت

 

“أنا مش جاية أشمت.”

 

قلت

 

“أنا عارف.”

 

فتحت الملف.

 

“أنا عندي عرض شغل ليك.”

 

ضحكت من غير ما أقصد.

 

“لي أنا؟”

 

قالت

 

“أيوه.”

 

“عندك شركة؟”

 

“عندي مكتب استشارات وإدارة أعمال.”

 

“عارف.”

 

“محتاجين مدير عمليات.”

 

ضحكت.

 

“يعني هشتغل عندك؟”

 

قالت

 

“لو قبلت.”

 

فضلت ساكت.

 

قالت

 

“مش صدقة.”

 

“أنا فاهم.”

 

“ومش مساعدة لطليقي.”

 

“أمال؟”

 

قالت

 

“لأنك عندك خبرة كويسة.”

 

سكت.

 

قالت

 

“لكن لو هتشتغل معايا لازم يكون في حدود.”

 

“زي إيه؟”

 

“الشغل شغل.”

 

“طبعاً.”

 

“ومفيش كلام عن الماضي.”

 

هزيت راسي.

 

“موافق.”

 

قالت

 

“فكر.”

 

قلت

 

“فكرت.”

 

بصتلي.

 

“موافق.”

 

مدت إيدها بالملف.

 

“ابدأ من أول الشهر.”

 

أخدت الملف.

 

وأنا خارج وقفت.

 

قلت

 

“مريم.”

 

لفت.

 

“شكراً.”

 

قالت

 

“متشكرنيش.”

 

“أمال؟”

 

“اشتغل.”

 

خرجت.

 

ولأول مرة من سنين كنت راجع البيت وأنا مش عايز أملك حاجة.

 

كنت بس عايز أصلح نفسي.

 

بدأت الشغل.

 

وكان أصعب شغل اشتغلته في حياتي.

 

مش عشان صعب.

 

عشان كل يوم كنت بشوف مريم.

 

لكنها كانت مختلفة تماماً في الشغل.

 

مفيش نظرات لوم.

 

مفيش تذكير بالماضي.

 

مفيش محاولة لإهانتي.

 

كانت بتعاملني زي أي موظف.

 

مرة كنت متأخر في تسليم تقرير.

 

دخلت المكتب وقالت

 

“التقرير خلص؟”

 

قلت

 

“لسه.”

 

قالت

 

“المعاد الساعة خمسة.”

 

“عارف.”

 

“يبقى خلصه.”

 

خرجت.

 

بصيت لها وابتسمت.

 

كنت فاكر زمان إنها لما ترفع صوتها عليا بتكون بتقلل مني.

 

لكن دلوقتي فهمت إنها كانت بس بتطلب شغل.

 

مرت الشهور.

 

شركتي القديمة اتقفلت.

 

أنا ما عدتش أملك عربية فارهة.

 

بعت حاجات كتير.

 

رجعت أعيش حياة أبسط.

 

وفي يوم مريم دخلت المكتب وقالت

 

“محتاجاك في اجتماع.”

 

دخلنا الاجتماع.

 

وكان موجود ناس كتير.

 

خلص الاجتماع.

 

بعد ما الناس خرجت قالت

 

“أنت اتغيرت.”

 

قلت

 

“للأحسن ولا للأسوأ؟”

 

قالت

 

“مش دوري أحكم.”

 

ضحكت.

 

“لسه زي ما إنتِ.”

 

قالت

 

“وأنت لسه بتحاول تاخد رأيي.”

 

سكتنا.

 

بعدها قالت

 

“أنا عندي حاجة عايزة أقولها.”

 

“اتفضلي.”

 

قالت

 

“أنا اتقبلت في مشروع كبير.”

 

فرحت.

 

“مبروك.”

 

“المشروع في محافظة تانية.”

 

“وهتسافري؟”

 

“أيوه.”

 

سكت.

 

قالت

 

“حوالي ست شهور.”

 

قلت

 

“دي فرصة كويسة.”

 

قالت

 

“أيوه.”

 

“روحي.”

 

بصتلي.

 

“كنت مستنية تقول كده.”

 

“ليه؟”

 

“عشان زمان كنت بتحاول تتحكم في كل قرار باخده.”

 

سكت.

 

قالت

 

“دلوقتي لما قلتلي روحي حسيت إنك فعلاً اتغيرت.”

 

قلت

 

“أنا اتعلمت.”

 

“اتعلمت إيه؟”

 

“إن اللي بيحب حد مش لازم يمسكه.”

 

ابتسمت.

 

“كويس.”

 

سافرت.

 

والشهور الستة عدوا.

 

أنا كملت شغلي.

 

وكل مرة كنت أفكر أتصل بيها كنت أتراجع.

 

لأني لأول مرة عرفت إن احترام المسافة أهم من الاشتياق.

 

رجعت بعد ست شهور.

 

عملنا احتفال صغير في المكتب بنجاح المشروع.

 

في آخر اليوم كل الناس مشيت.

 

فضلنا أنا وهي.

 

قالت

 

“إنت كنت فاكر إنك هتقدر تعيش من غيري بسهولة.”

 

قلت

 

“كنت غبي.”

 

ضحكت.

 

“على الأقل اعترفت.”

 

قلت

 

“مريم.”

 

“نعم؟”

 

“أنا مش هطلب منك ترجعيلي.”

 

سكتت.

 

“ولا هطلب فرصة.”

 

فضلت ساكتة.

 

قلت

 

“أنا بس عايزك تعرفي إن لو في حاجة واحدة ندمت عليها فهي إني خليتك تحسي في يوم إنك أقل مني.”

 

عينيها لمعت.

 

لكنها تماسكت.

 

قالت

 

“أنا سامحتك.”

 

قلبي دق.

 

قلت

 

“بجد؟”

 

“أيوه.”

 

“طب ليه؟”

 

قالت

 

“عشان أنا تعبت من حمل الغضب.”

 

سكت.

 

قالت

 

“بس المسامحة مش معناها إننا نرجع.”

 

هزيت راسي.

 

“عارف.”

 

خرجنا من المكتب.

 

كل واحد راح ناحية عربيته.

 

وقبل ما تركب قالت

 

“ياسر.”

 

لفيت.

 

قالت

 

“خليك الشخص اللي بقيت عليه.”

 

قلت

 

“هحاول.”

 

قالت

 

“متخليش حد تاني يدفع تمن أخطاءك القديمة.”

 

ومشيت.

 

عدت شهور.

 

وبدأت حياتي تستقر.

 

مش غني زي زمان.

 

لكن مرتاح.

 

وأهم حاجة إني ما بقيتش محتاج أثبت لحد إني أحسن منه.

 

وفي يوم كنت في مكتب مريم بخلص شغل.

 

لقيتها بتقول

 

“عندي خبر.”

 

قلت

 

“خير؟”

 

قالت

 

“هتجوز.”

 

حسيت للحظة إن قلبي وقف.

 

لكن ابتسمت.

 

“مبروك.”

 

قالت

 

“أنا كنت مترددة أقولك.”

 

“ليه؟”

 

“خفت تضايق.”

 

قلت

 

“ليه أضايق؟”

 

سكتت.

 

قلت

 

“أنا عايزك تبقي سعيدة.”

 

بصتلي.

 

“بجد؟”

 

“بجد.”

 

ابتسمت.

 

“شكراً.”

 

قلت

 

“مين؟”

 

قالت

 

“مش هقول.”

 

ضحكت.

 

“براحتك.”

 

خرجت من المكتب.

 

ركبت عربيتي.

 

وقعدت فترة طويلة من غير ما أشغلها.

 

مش لأنني كنت عايز أرجعها.

 

لكن لأنني كنت لأول مرة حزين على شيء انتهى فعلاً.

 

كنت عارف إن مريم مش هترجع.

 

والمفاجأة إني كنت متقبل ده.

 

بعد أسابيع اتبعتلي دعوة الفرح.

 

فتحتها.

 

كان اسمها مكتوب جنب اسم شخص تاني.

 

فضلت أبص للاسم.

 

وبعدين قفلت الدعوة.

 

روحت الفرح.

 

وقفت بعيد.

 

لما شافتني ابتسمت.

 

قربت وقالت

 

“كنت خايفة متجيش.”

 

قلت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى