روايات وقصص

زعيم المافيا

— عند خالتي في المنصورة.

 

— إمتى راجعة؟

 

— مش عارفة.

 

جابر سكت.

 

ثم قال:

 

— لما ترجع، بلغيني.

 

— ليه؟

 

— عشان أسألها عن حاجة.

 

— حاجة تخص روزا؟

 

— أيوه.

 

قربت منه.

 

— وإنت متأكد إن أمي تعرف؟

 

قال:

 

— مش متأكد من حاجة.

 

وبعدين قام.

 

— وده بالظبط سبب إني لازم أسأل.

 

في نفس الليلة، وأنا راجعة البيت، لقيت عربية سودا ماشية ببطء ورايا.

 

في الأول افتكرت صدفة.

 

دخلت شارع تاني.

 

العربية دخلت ورايا.

 

سرعت.

 

العربية سرعت.

 

وقفت فجأة قدام محل بقالة.

 

العربية عدت من غير ما تقف.

 

تنفست براحة.

 

لكن لما وصلت البيت، لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب.

 

فتحته.

 

كان جواه صورة قديمة.

 

صورة لطفل صغير واقف جنب ست اسمها روزا.

 

الطفل كان جابر.

 

قلبت الصورة.

 

كان مكتوب على ضهرها:

 

“إلى سامية… لو حصل لي حاجة، خلي البنت دي تعرف الحقيقة.”

 

إيدي اتجمدت.

 

البنت دي؟

 

أنا؟

 

فضلت أبص للصورة.

 

لكن كان فيه شيء تاني.

 

ورقة صغيرة جوه الظرف.

 

مكتوب فيها:

 

“ما تخليش جابر يعرف إن نور كانت موجودة في الليلة دي.”

 

قلبي دق بعنف.

 

أنا؟

 

كنت موجودة فين؟

 

أنا حتى مش فاكرة.

 

أنا كنت طفلة.

 

حاولت أتصل بأمي.

 

مفيش رد.

 

اتصلت تاني.

 

مفيش.

 

اتصلت بخالتي.

 

قالت إن أمي نايمة.

 

سألتها:

 

— ماما عندك؟

 

— آه.

 

— خليها تكلمني.

 

— دلوقتي؟

 

— ضروري.

 

— حاضر.

 

استنيت.

 

نص ساعة.

 

ساعة.

 

مفيش اتصال.

 

نمت وأنا ماسكة الصورة.

 

الصبح صحيت على خبط شديد على الباب.

 

فتحت العين بالعافية.

 

الخبط تكرر.

 

قمت.

 

بصيت من العين السحرية.

 

جابر.

 

فتحت.

 

كان واقف ومعاه ليث.

 

قال:

 

— أمك رجعت؟

 

هزيت راسي.

 

— لأ.

 

بص للظرف في إيدي.

 

— إيه ده؟

 

اترددت.

 

وبعدين قلت:

 

— حاجة تخص روزا.

 

مد إيده.

 

— هاته.

 

قلت:

 

— الأول جاوبني.

 

— على إيه؟

 

— أنا كنت موجودة في الليلة اللي أبوك اختفى فيها؟

 

جابر اتجمد.

 

ليث بص ليه.

 

— مين قالك؟

 

طلعت الصورة.

 

— روزا.

 

جابر أخذها.

 

بص لها.

 

وشه فقد لونه.

 

قلب الصورة.

 

قرأ الكلام.

 

وبعدين رفع عينه لي.

 

— مين بعت لك ده؟

 

— معرفش.

 

— إمتى وصل؟

 

— امبارح.

 

— حد شافك وإنتِ بتاخديه؟

 

— لأ.

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

— اقفلي الباب.

 

قفلت.

 

دخل جابر.

 

قعد.

 

فضل ماسك الصورة.

 

وبصوت هادي قال:

 

— أنا كنت فاكر إن آخر شخص شاف أبويا قبل ما يختفي كان أنا.

 

قلت:

 

— يمكن روزا كانت عارفة أكتر.

 

— كانت عارفة.

 

— إزاي؟

 

— لأن بعد اختفاء أبويا، روزا اختفت هي كمان.

 

— يمكن كانت خايفة.

 

— كانت بتحميني.

 

بصيت له.

 

— من مين؟

 

جابر ما ردش.

 

بدل ما يجاوب، سألني:

 

— إنتِ عندك صور قديمة؟

 

— كتير.

 

— لأمك؟

 

— عندنا ألبومات.

 

— لازم أشوفها.

 

قلت:

 

— ليه؟

 

— لأن فيه حاجة مش راكبة.

 

— إيه؟

 

قال:

 

— تاريخ الصورة.

 

بصيت له.

 

— الصورة اتصورت إمتى؟

 

قلبها.

 

— مكتوب هنا.

 

قرأت التاريخ.

 

كان قبل ميلادي بسنة.

 

استغربت.

 

— طب إزاي تقول إن أنا موجودة؟

 

جابر قرب الصورة من عينه.

 

— مش مكتوب إنك موجودة في الصورة.

 

— أمال؟

 

— مكتوب إنك كنت موجودة في الليلة.

 

قلت:

 

— إزاي؟

 

سكت.

 

— لأن روزا كانت بتتكلم عنك قبل ما تتولدي.

 

أنا ضحكت من التوتر.

 

— ده مستحيل.

 

جابر قال:

 

— مش مستحيل.

 

— أمال إيه؟

 

— معناها إن سامية كانت تعرف روزا قبل ما إنتِ تتولدي بسنين.

 

فجأة سمعت صوت مفتاح في الباب.

 

أمي.

 

دخلت وهي شايلة شنطة صغيرة.

 

أول ما شافت جابر، وقفت.

 

الشنطة وقعت من إيدها.

 

وبصت له.

 

جابر قام.

 

أمي قالت بصوت مرتعش:

 

— إنت؟

 

جابر قال:

 

— أيوه.

 

أمي قربت من الحيطة.

 

— إنت لسه عايش؟

 

الكلمة دي نزلت علينا كلنا كالصاعقة.

 

جابر اتغير وشه.

 

— يعني إيه لسه عايش؟

 

أمي بصت لي.

 

وبعدين لجابر.

 

— أنا كنت فاكرة إنك مت.

 

جابر قرب منها خطوة.

 

— مين قال لك إني مت؟

 

أمي بدأت تعيط.

 

— روزا.

 

جابر سكت.

 

— روزا قالت لي إنك مت.

 

— ليه؟

 

— عشان تحميك.

 

— من مين؟

 

أمي مسحت دموعها.

 

— من أبوك.

 

الصمت غطى المكان.

 

جابر قال:

 

— أبويا؟

 

أمي هزت راسها.

 

— أبوك مكانش الشخص اللي إنت فاكره.

 

قعدت أمي.

 

جابر قعد قدامها.

 

وأنا فضلت واقفة.

 

أمي بدأت تحكي.

 

قالت إن أبو جابر ماكانش مجرد رجل أعمال مديون.

 

كان عليه مشاكل كبيرة.

 

وكان فيه شريك قديم اسمه فؤاد.

 

فؤاد كان شريك في شركة النقل.

 

حصل خلاف بينهم على فلوس ومستندات.

 

وأبو جابر قرر يخرج من الشراكة.

 

لكن قبل ما يخرج، اكتشف إن فيه حسابات متلاعب فيها.

 

وإن أسماء ناس كتير اتحطت في معاملات هو ماعملهاش.

 

كان ناوي يبلغ.

 

لكن قبل ما يعمل كده، اختفى.

 

جابر قال:

 

— اختفى بإرادته؟

 

أمي هزت راسها.

 

— لأ.

 

— ؟

 

— معرفش.

 

— أمال؟

 

— روزا قالت إنه ساب البيت عشان يبعد عنك.

 

جابر ضرب كفه على الترابيزة.

 

— وليه؟

 

أمي قالت:

 

— عشان الناس اللي كانت بتدور عليه بدأت تسأل عنك.

 

جابر سكت.

 

أمي كملت:

 

— روزا خافت عليك. وخدتني أنا معاها.

 

— وإنتِ كنتي مين بالنسبة لها؟

 

أمي بصت لي.

 

— كنت بشتغل معاها وقتها.

 

جابر قال:

 

— ونور؟

 

أمي سكتت.

 

أنا حسيت إن قلبي وقف.

 

— نور إيه؟

 

أمي بصت لي.

 

— إنتِ كنتي صغيرة.

 

— أنا؟

 

— آه.

 

— كنت موجودة فين؟

 

أمي دموعها نزلت.

 

— في بيت روزا.

 

جابر قال:

 

— إنتِ كنتي معاها ليلة اختفائي؟

 

أمي هزت راسها.

 

— أيوه.

 

جابر رجع لورا.

 

كان واضح إنه مش قادر يستوعب.

 

قال:

 

— وإنتِ ليه ما قولتيليش؟

 

أمي ردت:

 

— عشان روزا طلبت مني.

 

— ليه؟

 

— قالت إنك لو عرفت الحقيقة وإنت صغير، هتفضل تدور وراها لحد ما تضيع نفسك.

 

جابر سأل:

 

— والحقيقة إيه؟

 

أمي بصت لي.

 

ثم قالت:

 

— أبوك ما هربش.

 

سكتت.

 

— اتقبض عليه بسبب المستندات اللي اكتشفها.

 

جابر قال:

 

— فين؟

 

— معرفش.

 

— ومين قبض عليه؟

 

— معرفش.

 

— وروزا كانت تعرف؟

 

أمي هزت راسها.

 

— كانت تعرف جزء.

 

— وإنتِ؟

 

— أنا عرفت جزء أكبر بعد سنين.

 

جابر وقف.

 

— عندك مستندات؟

 

أمي قالت:

 

— مش معايا.

 

— فين؟

 

— روزا خبّتهم.

 

— فين؟

 

أمي بصت لي.

 

— في مكان إنتِ عمرك ما فكرت تدور فيه.

 

جابر قرب.

 

— فين؟

 

أمي قالت:

 

— في المطعم القديم.

 

.

 

— مطعم عم صبري؟

 

هزت راسها.

 

— أيوه.

 

جابر بص لي.

 

— ليه هناك؟

 

أمي قالت:

 

— لأن روزا كانت عارفة إنك هترجع للمكان ده يومًا ما.

 

جابر قال:

 

— إزاي كانت متأكدة؟

 

أمي ابتسمت وسط دموعها.

 

— لأنها كانت عارفاك أكتر مما إنت فاكر.

 

في نفس اللحظة، جرس تليفون جابر رن.

 

رد.

 

— أيوه.

 

سكت يسمع.

 

وبعدين قال:

 

— متأكد؟

 

سكت.

 

— مين؟

 

وجهه اتغير.

 

— ابعتلي الصورة.

 

بعد ثواني، وصلته رسالة.

 

بص في الموبايل.

 

وبعدين قال:

 

— فؤاد عايش.

 

أمي غطت وشها بإيديها.

 

أنا بصيت لجابر.

 

— مين فؤاد؟

 

جابر قال:

 

— الشخص اللي كان شريك أبويا.

 

ليث قال:

 

— لقيناه.

 

جابر رفع عينه.

 

— فين؟

 

— في القاهرة.

 

جابر قال:

 

— متروحش له.

 

ليث استغرب.

 

— ليه؟

 

— لأنه لو كان فعلاً عايش، يبقى حد تاني عايزني أعرف إنه عايش.

 

سكت.

 

جابر بقى لأول مرة بيتعامل مع الموضوع بعقل مختلف.

 

مش اندفاع.

 

مش غضب.

 

لكن حذر.

 

قال:

 

— هنروح المطعم.

 

وصلنا المطعم بعد ساعة.

 

عم صبري كان مستنينا.

 

أول ما شاف أمي، وشه اتغير.

 

— سامية؟

 

أمي هزت راسها.

 

— عم صبري، روزا سابت حاجة هنا؟

 

الرجل فضل ساكت.

 

جابر قرب.

 

— متخافش.

 

عم صبري قال:

 

— أنا وعدتها.

 

— وعدتها بإيه؟

 

— إني ما أقولش غير لما جابر بنفسه يرجع.

 

جابر قال:

 

— أنا رجعت.

 

عم صبري اتنهد.

 

دخل المخزن.

 

رجع بصندوق خشب صغير.

 

حطه قدام جابر.

 

الصندوق كان عليه قفل قديم.

 

أمي قالت:

 

— المفتاح مع نور.

 

أنا اتفاجئت.

 

— معايا؟

 

أمي قالت:

 

— روزا كانت مدياهولي وأنا سلمته لك من غير ما أفهم.

 

فتشت في شنطتي.

 

كان فيه مفتاح صغير قديم.

 

طلّعته.

 

حطيته في القفل.

 

فتح.

 

جوه الصندوق كانت فيه أوراق.

 

وصورة.

 

وخطاب.

 

جابر مسك الخطاب.

 

قرأ أول سطر.

 

“يا جابر…”

 

إيده بدأت ترتعش.

 

كمل القراءة.

 

“لو وصلت للورق ده، يبقى أنت كبرت، وبقيت قادر تعرف الحقيقة من غير ما تدمر نفسك.”

 

وقف.

 

مرر إيده على وشه.

 

وبعدين كمل.

 

الخطاب كان بيحكي إن أبوه بالفعل اتورط في معاملات مالية مزورة، لكنه ماكانش المسؤول عنها.

 

وكان عنده دليل.

 

الدليل كان دفتر حسابات.

 

لكن قبل ما يسلمه للشرطة، اختفى.

 

روزا أخفت نسخة من المستندات.

 

لكنها خافت إن الناس اللي بتدور عليها توصل لجابر.

 

عشان كده أخفتها في مكان ماحدش يتوقعه.

 

آخر سطر في الخطاب كان:

 

“أما عن البنت نور، فأنا عارفة إنك هتستغرب وجودها في الحكاية. أمها سامية ساعدتني أحميك في الليلة الأخيرة. ولو قابلت نور يومًا، افتكر إنك مدين لها ولأمها بحياة ما تعرفش عنها حاجة.”

 

جابر رفع عينه.

 

بص لي.

 

أنا ماعرفتش أقول حاجة.

 

قال:

 

— أنا طول عمري فاكر إني مديون لنفسي.

 

أمي قالت:

 

— لا.

 

جابر بص لها.

 

— إنت مديون لناس كتير.

 

فضل ساكت.

 

ثم سأل:

 

— الدفتر فين؟

 

عم صبري قال:

 

— مش هنا.

 

جابر قال:

 

— أمال؟

 

أمي قالت:

 

— روزا كانت بتقول إن الدليل الحقيقي مش الورق.

 

— أمال إيه؟

 

— الوصفة.

 

جابر بص لي.

 

أنا اتوترت.

 

— الوصفة؟

 

أمي هزت راسها.

 

— كانت بتكتب وصفات الأكل على ورق صغير، لكن أحيانًا كانت بتكتب وراها ملاحظات.

 

جابر أخذ الورقة.

 

بص على ظهرها.

 

كان فيه أرقام صغيرة.

 

تواريخ.

 

أسماء.

 

وعناوين.

 

قال ليث:

 

— دي مش وصفة.

 

جابر رد:

 

— لأ.

 

وبص لي.

 

— دي حسابات.

 

بدأنا نفهم.

 

روزا كانت بتخفي معلومات داخل وصفاتها.

 

كل مكون كان له رقم.

 

كل رقم كان يشير لتاريخ.

 

وكل تاريخ يقود لمعاملة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى