روايات وقصص

مرات ابني

— وإنت جيت هنا إزاي؟

— داليا كلمتني.

— قبل ما تيجي؟

— أيوه.

— يعني كنتوا مخططين لكل ده؟

مروان قال:

— كنا بنحاول نحميكم.

أحمد وقف.

— أنا مش عايز حد يحميني بالكذب.

داليا بدأت تعيط.

— أنا كنت خايفة عليك.

— خفتي عليا من إيه؟

— لأنهم كانوا عايزين يضغطوا عليك.

— وأنا كنت عايش معاك في بيت واحد ومش عارف حاجة!

— كنت بحاول أحميك.

— بالكذب؟

سكتت.

أنا بصيت لأحمد.

قلت:

— يا ابني، مش كل كذبة سببها خيانة.

أحمد بصلي.

— بس كل كذبة بتكسر الثقة.

كلامه كان صحيح.

داليا مسحت دموعها.

وقالت:

— أنا غلطت.

وبعدين طلعت ورقة من شنطتها.

— بس دي آخر حاجة.

حطتها قدام أحمد.

— إيه دي؟

— عقد البيت.

أحمد بص للورقة.

— بيتنا؟

هزت راسها.

— أنا كنت ماضية على ورقة بيع من غير ما أعرف إنهم بيستخدموها ضدي.

سكت.

قال:

— يعني إيه؟

— يعني لو الفلاشة وقعت في إيديهم، كانوا هيقدروا يضغطوا عليا بالعقد ده.

أحمد بصلي.

أنا حسيت إن الدنيا كبرت فجأة.

الغسيل اللي كان مجرد شكاير مرمية جنب الغسالة، طلع وراه قصة كاملة.

لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.

لأن في نفس الليلة، الشرطة دخلت البيت.

واتاخدت الفلاشة رسميًا.

واتفتح تحقيق.

وبعد أيام، بدأت التفاصيل تظهر.

المدير المالي كان بالفعل متورط في تحويلات غير قانونية.

لكن داليا لم تكن متورطة.

كانت شاهدة.

ومروان كان زميلها اللي ساعدها.

أما الفلوس اللي كانت بتسحبها من حسابها، فكانت بتصرف جزء منها على محامي، وجزء على علاج والدتها، وجزء على سفر أخوها الحقيقي اللي كان مريضًا.

أما قصة “مروان أخوها”، فكانت كذبة قالتها في لحظة خوف.

لكن الحاجة اللي وجعتني أكتر من كل ده، إن داليا بعد ما كل شيء انتهى، جت وقعدت قدامي.

قالت:

— أنا كنت فاكرة إنك بتكرهيني.

قلت:

— ليه؟

— عشان كل مرة كنت بجيب الغسيل، كنتي بتبصيلي بطريقة كأني بعمل حاجة غلط.

ضحكت.

— لأ يا داليا، أنا كنت ببصلك عشان كنت مستغربة إنك شايفة إني شغالة عندك.

ابتسمت لأول مرة من فترة.

قالت:

— أنا آسفة.

— على إيه؟

— على كل حاجة.

— أهم حاجة إنك فهمتي إن المساعدة حاجة، والاستغلال حاجة تانية.

هزت راسها.

— فهمت.

وبعدين قالت:

— أنا مش هجيب غسيل عندك تاني.

قلت:

— ممكن تجيبي.

بصتلي باستغراب.

— بجد؟

— أيوه.

ابتسمت.

— بس بشرط.

— إيه؟

— تغسليه بنفسك.

ضحكت.

ولأول مرة من شهور، ضحكنا إحنا الاتنين.

لكن الموضوع ما انتهيش عند كده.

بعد أسبوع، يوم السبت، داليا وأحمد والعيال جم.

دخلوا البيت.

أنا كنت في المطبخ.

وفجأة سمعت صوت داليا:

— ماما.

بصيتلها.

كانت شايلة شنطة صغيرة جدًا.

حطتها قدامي.

قلت:

— إيه دي؟

قالت:

— غسيل.

بصيت للشنطة.

— دي كلها؟

— أيوه.

— فين الباقي؟

ضحكت.

— غسلته في البيت.

أحمد قال:

— وأنا ساعدتها.

بصيتله.

— إنت؟

قال:

— أيوه.

ضحكت.

— الدنيا اتغيرت.

قعدوا.

والأطفال بدأوا يلعبوا.

وبعد شوية، داليا قامت تساعدني في المطبخ.

قلت:

— سيبيها عليا.

قالت:

— لأ.

— ليه؟

— عشان إحنا جايين نتغدى، مش جايين نرمي شغلنا عليكي.

ابتسمت.

لكن وأنا بحط الأطباق، أحمد قرب مني.

قال بصوت واطي:

— ماما.

— نعم؟

— أنا عايز أقولك حاجة.

— قول.

— أنا كنت غلطان.

— في إيه؟

— لما كنت بسكت وهي بتحط الغسيل.

بصيتله.

قال:

— كنت فاكر إن سكوتي بيحل المشاكل.

— وطلع؟

— بيكبرها.

ابتسمت.

— اتعلمت.

قال:

— منك.

حطيت إيدي على كتفه.

— أنا مش عايزاك تتعلم مني كل حاجة.

ضحك.

— طب إيه؟

— اتعلم إن البيت مش مكان حد يشيل فيه شيل غيره من غير تقدير.

هز راسه.

— حاضر.

وفي اليوم ده، بعد ما أكلنا، داليا قامت من نفسها ولمت الأطباق.

وأحمد غسلهم.

والعيال جمعوا لعبهم.

وأنا قعدت في الجنينة أشرب الشاي.

ولأول مرة من شهور، حسيت إن بيتي رجع بيتي.

لكن بعد أسبوعين، حصلت حاجة ما كنتش متوقعة.

كنت قاعدة في الجنينة، لقيت عربية وقفت قدام البيت.

نزل منها رجل غريب.

وقف عند الباب.

وخبط.

فتحت.

قال:

— حضرتك والدة أحمد؟

— أيوه.

— أنا محامي.

— خير؟

— عندي ورق لازم أسلمه لحضرتك.

— ورق إيه؟

طلع ظرف.

— متعلق بالقضية.

أخدته.

فتحت الظرف.

وكان جواه مستندات.

قرأت أول صفحة.

اتجمدت.

كان فيه اسم داليا.

واسم أحمد.

واسم شخص ثالث.

وشركة.

لكن اللي شدني أكتر إن المستندات كانت بتتكلم عن تحويل ملكية عقار.

العقار بتاعي.

بيتي.

رفعت عيني للمحامي.

— إيه ده؟

قال:

— حسب المستندات، في محاولة تمت لتسجيل العقار باسم شركة قبل حوالي سنة.

حسيت رجلي ضعفت.

— مين عمل كده؟

— ده اللي التحقيق بيحاول يعرفه.

— وداليا؟

— اسمها موجود.

رجعت خطوتين.

— يعني إيه؟

— مش معناها إنها مذنبة.

— طب ليه اسمها؟

— لأنها كانت شاهدة على بعض الإجراءات.

قفلت الظرف.

— أنا عايزة ابني.

طلعت موبايلي.

اتصلت بأحمد.

رد بسرعة.

— أيوه يا ماما؟

قلت:

— تعالى البيت حالًا.

— في إيه؟

— المحامي هنا.

سكت.

— محامي مين؟

— محامي القضية.

قال:

— أنا جاي.

بعد حوالي نص ساعة، وصل.

قرأ الأوراق.

وبصلي.

— ماما، إنتِ عارفة حاجة عن الورق ده؟

— لأ.

— داليا تعرف؟

— مش عارفة.

اتصل بيها.

جت بعد عشرين دقيقة.

أول ما شافت الورق، وشها اتغير.

قالت:

— أنا كنت عارفة إنهم ممكن يحاولوا يعملوا كده.

أحمد قال:

— ليه ما قولتيش؟

— عشان كنت بحاول أحل الموضوع.

— لوحدك؟

— أيوه.

— لحد إمتى؟

داليا سكتت.

وبعدين قالت:

— لحد ما خسرت كل حاجة.

أحمد قرب منها.

— إنتِ خسرتي ثقتي.

دموعها نزلت.

قالت:

— عارفة.

أنا تدخلت.

— كفاية.

الاتنين بصوا لي.

قلت:

— لو فضلنا نحاسب بعض طول الوقت، هنضيع الحقيقة.

المحامي قال:

— حضرتك عندك حق.

وبعدها بدأنا نراجع الورق.

واكتشفنا إن محاولة نقل الملكية حصلت من خلال مستند قديم.

المستند كان فيه توقيع مزور.

لكن التوقيع كان شبه توقيعي جدًا.

أحمد بصلي.

— ماما، إنتِ وقعتِ على الورقة دي؟

— أبدًا.

المحامي قال:

— يبقى لازم نثبت التزوير.

سألنا عن أصل الورقة.

قال:

— موجود عند الشركة.

أحمد قال:

— والشركة مين؟

المحامي ذكر الاسم.

أنا حسيت بقشعريرة.

نفس الشركة اللي داليا كانت بتشتغل فيها.

رجعت كل الخيوط لبعضها.

الغسيل.

مروان.

الفلاشة.

التحويلات.

والبيت.

كل حاجة كانت مرتبطة.

وبعد شهور من التحقيق، اتثبت إن مجموعة من الأشخاص كانت بتحاول تستولي على عقارات بأوراق مزورة.

داليا كانت واحدة من الناس اللي اكتشفوا الموضوع.

ومروان كان شاهدًا.

أما أنا، فكنت ببساطة واحدة من أصحاب العقارات اللي كانوا بيحاولوا يستولوا عليها.

لكن اللي ما حدش عرفه وقتها، إن داليا كانت عارفة إن بيتنا واحد من البيوت المستهدفة.

وعشان كده كانت بتخبي المستندات في شنط الغسيل.

لأنها كانت متأكدة إن محدش هيفتحها.

إلا أنا.

والحاجة اللي ضحكت عليها بعدين، إن أنا فعلًا فتحتها.

لكن مش عشان أسرق أسرارها.

فتحتها عشان أرجع كل واحد غسيله.

وفي النهاية، اللي كانت داليا بتحاول تخبيه، ظهر من غير ما أنا أبحث عنه.

بعد سنة، كانت الأمور كلها خلصت.

القضية انتهت.

والبيت فضل باسمي.

وأحمد وداليا بدأوا من جديد.

لكن داليا اتغيرت.

بقت تيجي تزورني من غير شكاير.

ولو جابت حاجة، تجيب أكل.

مرة جاتلي بكيس كبير.

قلت:

— إيه ده؟

قالت:

— ملوخية.

ضحكت.

— طب ماشي.

— بس أنا اللي طبختها.

— طيب لو طلعت وحشة؟

— ارميها.

ضحكت.

قلت:

— اتعلمتي بسرعة.

قالت:

— الغسيل علمني.

قعدنا.

وقالت:

— فاكرة أول مرة جبتلك سلة غسيل؟

قلت:

— فاكرة.

— كنت فاكرة إنك هتفضلي تسكتي.

— وأنا كنت فاكرة إنك هتفهمي من نفسك.

ضحكت.

— إحنا الاتنين غلطنا.

هزيت راسي.

— بس المهم إننا اتعلمنا.

وبعدها دخل أحمد.

حط كيس على الترابيزة.

داليا بصتله.

— إيه ده؟

قال:

— هدوم.

أنا بصيتله.

— إنت جايبلي غسيل؟

ضحك:

— لا يا أمي.

طلع من الكيس غسالة صغيرة جديدة.

— دي ليكي.

بصيتله باستغراب.

— ليه؟

— عشان الغسالة القديمة تعبت.

قلت:

— أنا مش محتاجة.

قال:

— أنا محتاج أجيبلك حاجة تريحك.

داليا قالت:

— وأنا دفعت نص تمنها.

بصيتلها.

— إنتِ؟

قالت:

— أيوه.

— ليه؟

ابتسمت.

— عشان دي أقل حاجة أعملها بعد اللي حصل.

بصيت للاتنين.

وفجأة حسيت إن كل التعب اللي فات ما راحش هدر.

مش عشان القضية.

ولا عشان الفلوس.

لكن عشان حاجة أهم.

أنا كنت طول عمري فاكرة إن الأم لازم تستحمل.

تستحمل أولادها.

وتستحمل مرات ابنها.

وتستحمل طلباتهم.

وتستحمل زعلهم.

وتستحمل إن حد يقول لها:

“إنتِ قاعدة في البيت.”

وكأن قعدة الأم في بيتها معناها إنها ملك لكل اللي حواليها.

لكن في الحقيقة، المساعدة لما تكون بحب تبقى جميلة.

إنما لما تتحول لواجب مفروض، بتتحول لمصدر وجع.

وأنا يوم السبت ده، لما فرغت أربع شكاير غسيل على الأرض، كنت فاكرة إني بحط حد للغسيل.

لكن من غير ما أقصد، كنت بحط حد لحاجات كتير في حياتي.

حد للاستغلال.

حد للسكوت.

حد للخوف من زعل الناس.

وحد لفكرة إن عشان أبقى أم كويسة لازم أوافق على كل حاجة.

وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في الجنينة، داليا وأحمد والعيال قدامي.

حفيدتي الصغيرة قربت مني وقالت:

— تيتة.

— نعم يا حبيبتي؟

— ماما قالتلي ماحطش هدومي عندك.

ضحكت.

— قالتلك ليه؟

قالت:

— قالتلي عشان تيتة مش شغالة عندنا.

بصيت لداليا.

كانت بتضحك.

قلت:

— شاطرة.

البنت قالت:

— طب لو هدومي اتوسخت؟

قلت:

— تغسليها.

قالت:

— بس أنا صغيرة.

قلت:

— يبقى ماما تساعدك.

داليا ضحكت.

— شايفة؟ حتى الأطفال اتعلموا.

قلت:

— لازم يتعلموا.

أحمد قال:

— وإحنا كمان.

وبعد الغدا، لما الكل مشي، دخلت أوضة الغسيل.

الغسالة الجديدة كانت لسه متحطة.

وقفت قدامها.

افتكرت أول سلة.

أول مرة داليا قالت:

“معلش، تحطي دول مع غسيلك؟”

وقتها كنت فاكرة إن الحكاية كلها شوية هدوم.

لكن الحكاية ما كانتش هدوم.

كانت حدود.

وكانت ثقة.

وكانت أسرار.

وكانت كذبة.

وكانت حقيقة ظهرت في الوقت المناسب.

وكانت عيلة كاملة اتعلمت إن المحبة مش معناها إن الواحد يلغي نفسه.

فتحت الغسالة.

وحطيت فيها هدومي أنا.

بس.

قفلت الباب.

وشغلتها.

وقعدت على الكرسي.

وأنا بسمع صوت الغسالة، ابتسمت.

لأول مرة من فترة طويلة، صوتها ما كانش بيفكرني بشكاير داليا.

كان بيفكرني بحاجة أبسط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى