روايات وقصص

بسمه السيد

بصيت له بحمار عينين وغضب مكتوم
أفهم إيه يا سيف؟! أفهم إن فيه راجل تاني عايش مع مراتي؟! إن فيه حد بيسمع صوت ولادي وهم بيضحكوا بدالي؟! انطق يا سيف ما تجنينيش!!
سيف بص لي بألم وطلع ملف أسود صغير من جيبه، وحطه في إيدي
الراجل اللي رد عليك على التليفون اسمه دانيال.. دانيال ده مش جوزها يا آدم، ولا خطيبها، ولا حبيبها زي ما عقلك صورلك فوراً.
فتحت الملف بإيدين بترتعش، عيني وقعت على صورة راجل في الأربعينات، وشه ملامحه جادة ولابس بالطو أبيض بتاع دكاترة.
سيف كمل كلامه ونبرة صوته اتقطعت
دانيال ده طبيب أورام ومناعة في أكبر مستشفى في بوسطن.. وهو الطبيب المتابع لحالة سارة بقالها سنتين ونصف!
اتخشب جسمي في الكرسي.. الدم اتشفط من وشي تماماً.
ط.. طبيب أورام؟! سارة مالها يا سيف؟! انطق بالله عليك سارة فيها إيه؟!
سيف نزل رأسه في الأرض وقال بصوت مكسور
لما سابتك وطلبت الطلاق من 3 سنين، ما كانتش بتسيبك عشان زعلانة منك بس يا آدم.. سارة اكتشفت إن عندها سرطان في مرحلة متقدمة وهي في الشهر الثاني من الحمل بالتوأم! الدكاترة هنا في مصر قالولها لازم تنزلي الجنين فوراً عشان تبدأي كيماوي وإلا حياتك تنتهي في شهور! بس هي رفضت.. رفضت تموت أولادك، وسافرت بوسطن لمركز أبحاث متخصص عشان تكمل الحمل وتحاول تعالج نفسها في نفس الوقت!
الكلمات نزلت عليا زي جبال من الذهب والحديد حطمت دماغي!
افتكرت اليوم اللي دخلت عليا وقالتلي بكسرة آدم.. ممكن نتكلم؟
وأنا رديت ببرود وسفالة كل حاجة بتبقى مهمة لما أكون مشغول!
افتكرت لما طلبت أروح معاها للدكتور وباعت لها السواق، ورجعت قالتلي الجملة اللي كانت بتدبحني أنا مش محتاجة سواق.. أنا محتاجة جوزي!
أنا ما كنتش موجود.. أنا كنت مشغول بأرقام وحسابات
في البنك، وهي كانت واقفة لوحدها قدام الموت وبتختار تحمي ولادي على حساب حياتها هي!
صرخت بصوت مكتوم هز العربية
اطرررررق يا سيف!! اطلع على المطار فوراً!!
رحلة الطيران لبوسطن كانت أطول 12 ساعة مرت في حياتي كلها. كل ثانية كانت بتمر كأنها جمرة نار بتتحط على قلبي. الصدمات كانت بتتوالى في عقلي..
أنا الراجل الغني.. صاحب النفوذ والشركات.. كنت أعمى! كنت فاكر إن سارة سابتني لأنها ملّت من إهمالي، لكن هي سابتني لأنها ما حبتش تشوفني بتكسر وأنا شايفها بتموت بالبطيء! ما حبتش تحملني ذنب اختيارها إنها تفضل حياة التوأم على حياتها هي!
وصلت بوسطن.. الثلج كان بينزل بغزارة والجو كان يقطع العضم، بس أنا ما حسيتش بالبرد.
أول ما خرجت من المطار، أخدت تاكسي وطرت على العنوان اللي سيف ادهولي.. مستشفى الأورام الكبيرة في وسط المدينة.
دخلت صالة المستشفى زي المجنون، هدومي كانت مبهدلة وعيني حمراء من السهر والبكاء. جريت على الاستقبال وبقيت أسأل عن دانيال وعن سارة.
بعد دقائق.. خرج دانيال من ممر الأوض العناية المركزة.
أول ما شافني، وقف مكانه، وبصلي بنظرة كلها أسى ووجع.. قرب مني وقال باللغة الإنجليزية
أنت آدم.. مش كده؟
مسكت في دراعه برجاء وذل عمرهم ما شافوهم في ملامحي
فين سارة؟! أرجوك خدني ليها.. أنا جوزها، أنا آدم!!
دانيال سحب نفس عميق وحط إيده على كتفي
هدئ من نفسك يا آدم.. سارة في الأوضة، بس هي في حالة حرجة جداً. العلاج اللي أخدته عشان تحافظ على التوأم أكل من جسمها كتير.. واليومين دول هي في آخر مراحل المرض.
سحبت رجلي بالعافية ومشيت وراه في الممر الضيق. كل خطوة كانت كأنها خروج لروحي من جسمي.
فتح دانيال باب أوضة رقم 402..
أول ما دخلت.. عينيا وقعت عليها.
سارة.. حبيبتي ونور عيني، كانت نايمة على السرير، ووشها شاحب أبيض زي القطن، خاسة جداً وأجهزة التنفس والمحاليل ملفوفة حوالين دراعها النحيل.
لكن رغم كل الوجع ده.. كانت لسة زهرة جميلة زي ما سبتها.
قربت من السرير ببطء شديد، وركعت على الأرض جنبها. مسكت إيدها الباردة الصغيرة، وحطيتها على وشي.. وانفجرت في البكاء بهستيريا وشهقات طالعة من أعماق قلبي
سارة.. سارة سامحيني يا حبيبتي!! أنا آدم.. أنا جيت يا سارة! فتحي عينك وحياتي عندك! أنام الغبي.. أنا الأعمى اللي ضيعك وضيع حياته بعيد عنك!
أجهزة القلب بدأت تزمر بصوت متقطع خفيف..
سارة بدأت تحرك صوابعها بالراحة في إيدي.. فتحت عيونها ببطء شديد، وبصت لي.
أول ما عينها جت في عيني.. ابتسامة خفيفة ودافية اترسمت على شفايفها الذابلة. رفعت إيدها الثانية بالعافية وحطتها على شعري، وقالت بصوت همس ضعيف جداً كأنه نسيم
آدم.. أنت جيت؟
دموعي نزلت على إيدها
جيت يا روح آدم.. جيت ومش همشي تاني أبدًا! ليه عملتِ كده يا سارة؟ ليه خبيتِ عليا
ونشلتِ الحمل ده لوحدك؟!
سارة ابتسمت بوجع، ودمعة نازلة من عينها
عشان لو كنت عرفت يا آدم.. كنت هتجبرني أنزلهم عشان تنقذني.. وأنا ما كنتش أقدر أعيش وأنا عارفة إن أولادي ماتوا بسببي.. أنا اخترت إنهم يعيشوا.. عشان يفضلوا ذكرة مني ليك في الدنيا.. عشان لما تشتاق لي.. تبص في عيونهم وتشوفني.
مسكت إيدها وبستها مية مرة
بس أنا عاوزك أنتِ يا سارة! أنا محتاجك أنتِ!!
سارة هازت رأسها بنفي خفيف وقالت بصوت متقطع
أنا خلاص يا آدم.. رحلتي انتهت.. أنا استنيتك تجيلي عشان أكون مطمنة عليهم معاك.. التوأم.. آدم الصغير وسارة.. في الأوضة اللي جنبنا.. روح شوفهم يا آدم.. روح ضمهُم لصدرك.. وسامحني إن كتمت السر ده عنك.
فجأة.. أجهزة القلب بدأت تصدر صفيراً متصلاً ومرعباً!
دانيال والممرضات دخلوا الأوضة بسرعة وجريوا عليها، ودانيال بيحاول يعمل إنعاش للقلب.
أنا اتسمرت مكاني.. صرخت بكل صوتي
سااااااارة!! بلاش تمشي!! سارة ارجعيلي!!
سارة بصت لي للمرة الأخيرة.. ابتسمت ابتسامة صفاء وأمان.. وعينها اتقفلت ببطء.. والروح فاضت لبارئها.
سودت الدنيا في عيني.. وقعت على الأرض في نص الأوضة، والصرفة كانت محبوسة في حنجرتي. سارة راحت.. الست الوحيدة اللي حبتني بصدق ونقاء، الست اللي ضحت بحياتها عشان تجيب لي حتة مني ومنها.. سابتني ومشيت.
بعد ساعتين كاملين من الضياع والجمود..
كنت قاعد في الصالة برة الأوضة، حاطط رأسي بين إيديا ومش حاسس بأي حاجة حواليا.
فجأة.. سمعت صوت خطوات صغيرة وناعمة بتقرب مني.
رفعت رأسي ببطء..
كانت الممرضة جاية، وماسكة في إيديها الاثنين طفلين صغار.
بنت وولد عندهم سنتين ونصف.. البنت شعرها أسود كستنائي زي أُمها، وعيونها زرقاء نفس عيوني بالضبط. والولد الصغير ملامحه نسخة من ملامح صوري وأنا طفل!
الأولاد وقفوا قدامي.. بصولي بعيون واسعة مليانة براءة ودهشة.
البنت الصغيرة قربت مني بخطوات خايفة، ومدت إيدها الصغيرة ولمست دموعي اللي على خدي، وقالت بصوت طفولي ناعم بالعربي المكسر
ماما قالت.. لما الراجل ده يجي.. يبقى بابا جيه.. أنت بابا؟
الكلمة نزلت على قلبي زي المية الدافية وسط الصحراء!
الدموع انفرطت من عيني تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع وجع وبس.. كانت دموع التوبة والمسؤولية والبعث من جديد.
نزلت على ركبي قدامهم، وسحبت الطفلين الاثنين لحضني بكل قوتي، ودفنت وشي في رقبتهم وأنا بتنفس ريحة سارة فيهم.
الولد الصغير حط إيده على ظهري وباسني على خدي، والبنت ضمتني بقوة وهي بتقول
بابا.. ماما كانت بتستناك كل يوم.
رديت عليهم بصوت مبحوح ومخنق بالدموع
وأنا جيت يا حبيبتي.. أنا جيت ومش هسيبكم تاني أبداً في حياتي.. حقكم عليا يا ولادي.. حقك عليا يا سارة.
بعد أسبوعين..
رجعت مصر.. بس ما رجعتش نفس آدم الأنانى والمغرور بتاع زمان.
رجعت وأنا شايل إيدي ولادي الاثنين، ودفنت سارة في أراضينا بالبلد، وبنيت باسمها أكبر دار أيتام ومركز لعلاج الأورام بالمجان.
لما أمي
شافت التوأم وسماعت القصة، بكت بدموع حارة وحضنتهم، وقالت لي إن ربنا اداني فرصة ثانية عشان أكون راجل وأب بجد.
سيبت إدارة الشغل والشركات للمديرين، وقررت أكرس كل ثانية من عمري الباقي عشان أكون جنب آدم وسارة الصغار. بقيت أحضر معاهم كل خطوة، كل كلمة، كل عيد ميلاد، وكل كابوس بالليل.
اتعلمت الدرس الأقسى والأعظم في حياتي
إن الفلوس والنجاح مش هيفتكروك لما تموت، وأن العيلة والحب الحقيقي هم الشيء الوحيد اللي يستاهل إننا نعيش ونحارب عشانه.
ودلوقتي.. كل يوم بالليل، لما بضم ولادي في سريرهم وأقرأ لهم قصة قبل النوم، ببص للشباك وللسماء فوق، وببتسم وبقول
طمني يا سارة.. ولادك في أمان.. وأنا أخيرًا عرفت أنا خسرت إيه.. وعرفت إزاي أحافظ على اللي فاضل مني ومنك.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى