منوعات

بعد خمس سنين حكايات صافي هاني

 

“هو اللي كان عايز يوصل للحسابات.”

 

“وحساب الأطفال؟”

 

“كان عايز السيطرة عليه.”

 

أديان قال:

 

“طب وأبويا؟”

 

قالت:

 

“أبوك كان بيحاول يمنعه.”

 

سكتت لحظة.

 

“وعشان كده كان لازم يخليك تكره مريم.”

 

أنا قلت:

 

“عشان تبعدني؟”

 

هزت راسها.

 

“عشان تحميكي.”

 

سألتها:

 

“وليه ماقالش الحقيقة؟”

 

قالت:

 

“لأن الحقيقة وقتها كانت هتقتلك.”

 

نزلت عيني.

 

سنين وأنا فاكرة إن أديان اختار واحدة تانية.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

 

أديان قرب مني.

 

قال:

 

“مريم… أنا غلطت.”

 

بصيتله.

 

“إنت ماكنتش تعرف.”

 

قال:

 

“بس كان لازم أعرف.”

 

سكت.

 

“كان لازم أصدقك.”

 

دموعي نزلت.

 

أختي قالت:

 

“في حاجة أخيرة.”

 

بصينا لها.

 

قالت:

 

“الرجل اللي كان بيقود كل ده مات.”

 

أديان سأل:

 

“إزاي؟”

 

قالت:

 

“من سنة.”

 

“مين قتله؟”

 

قالت:

 

“ماحدش.”

 

“أمال؟”

 

قالت:

 

“مات طبيعي.”

 

سكتنا.

 

ثم قالت:

 

“ومن يومها كل الناس اللي كانوا شغالين معاه بدأوا يهربوا.”

 

سألتها:

 

“طب ليه رجعوا دلوقتي؟”

 

قالت:

 

“لأنهم عرفوا إن الأطفال موجودين.”

 

بصيت ناحية الفلاشة.

 

“ودي فيها إيه؟”

 

قالت:

 

“آخر تسجيل.”

 

حسام اللي كان واقف عند الباب دخل.

 

أخد الفلاشة.

 

شغلها.

 

طلع صوت أبو أديان للمرة الأخيرة.

 

“لو وصلتم للتسجيل ده، يبقى مريم وأولادي بخير.”

 

أديان غمض عينيه.

 

الصوت كمل:

 

“أنا ظلمت مريم في عيني ابني، وعارف إن ده ذنب كبير.”

 

سكت لحظة.

 

“لكن كنت عارف إن ابني لو عرف إن مريم حامل، هيجري وراها، واللي بيراقبوه هيوصلوا ليهم.”

 

صوت تنفسه كان واضح.

 

“لذلك اخترت أن أكون أنا الشخص الذي تكرهه مريم وأديان بدلًا من أن يكرهوا بعضهم.”

 

أنا حطيت إيدي على بقي.

 

أديان بدأ يبكي بصمت.

 

التسجيل كمل:

 

“لو عشت، هصلح كل ده.”

 

“ولو مت، فأتمنى أن يصلح أديان ما أفسدته أنا.”

 

وانتهى التسجيل.

 

فضلنا كلنا ساكتين.

 

أديان مسح دموعه.

 

وبصلي.

 

“أنا آسف.”

 

المرة دي ماقدرتش أقاوم.

 

بكيت.

 

مش عشان أرجعله.

 

لكن عشان لأول مرة عرفت إن السنين اللي قضيتها وأنا شايلة إحساس الرفض…

 

ماكانتش الحقيقة كاملة.

 

أديان قرب.

 

لكنه ما لمسنيش.

 

احترم المسافة بيننا.

 

وقال:

 

“أنا مش هطلب منك ترجعي.”

 

بصيتله.

 

“أنا بس عايز أكون أب لأولادي.”

 

نزلت دموعي أكتر.

 

قلت:

 

“هما محتاجين يعرفوك.”

 

ابتسم بحزن.

 

“حتى لو إنتِ مش عايزاني؟”

 

قلت:

 

“الولاد مالهمش ذنب في اللي حصل.”

 

في اللحظة دي دخل إيثان وإيما.

 

إيما جريت عليا.

 

“ماما!”

 

ضمّيتها.

 

إيثان وقف قدام أديان.

 

بصله فترة.

 

وقال:

 

“إنت بابا؟”

 

أديان نزل لمستواه.

 

عينيه كانت مليانة دموع.

 

قال:

 

“أيوه.”

 

إيثان سأله:

 

“إنت كنت فين؟”

 

السؤال كان أصعب من أي سؤال.

 

أديان قال:

 

“كنت بعيد.”

 

“ليه؟”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“غلطت.”

 

إيثان فكر شوية.

 

وبعدين قال:

 

“ينفع تبقى بابا دلوقتي؟”

 

أديان ماقدرش يرد.

 

فقط هز راسه.

 

إيما قربت منه.

 

وقالت:

 

“أنا كنت فاكرة إن بابا مسافر.”

 

ابتسم.

 

“وأنا كنت فاكر إن عمري مش هيكون فيه فرصة أقابلكم.”

 

إيما مسكت إيده.

 

أديان بص لإيدها الصغيرة.

 

وبكى.

 

وأنا وقفت أتفرج.

 

ماعرفتش إذا كنت هقدر أرجع أكون زوجته.

 

لكن عرفت حاجة واحدة.

 

أطفالي مش لازم يدفعوا ثمن أخطاء الكبار.

 

بعدها بأيام بدأت الأمور تهدى.

 

الناس اللي كانوا بيراقبونا اختفوا.

 

الحسابات اتجمدت لحد ما اتأكدنا من كل الأوراق.

 

والملفات اتسلمت للمحامين.

 

أما أختي فاعترفت بكل اللي تعرفه.

 

ليلى قررت تبعد عن كل الموضوع.

 

وقالتلي قبل ما تمشي:

 

“أنا آسفة.”

 

بصيتلها.

 

“أنا كمان كنت فاهمة غلط.”

 

ابتسمت بحزن.

 

“يمكن كلنا كنا ضحايا.”

 

ما رديتش.

 

لأن بعض الجروح مش بتختفي بكلمة آسف.

 

أما أديان…

 

فماحاولش يفرض نفسه عليا.

 

كان بييجي يشوف الولاد.

 

يلعب معاهم.

 

يذاكر لإيثان.

 

ويرسم مع إيما.

 

ومع الوقت بدأوا يتعلقوا بيه.

 

وفي يوم رجعت البيت متأخرة.

 

لقيت إيثان نايم على الكنبة.

 

وإيما نايمة جنب أديان.

 

وقفت عند الباب.

 

أديان رفع عينه.

 

وقال:

 

“إنتِ جيتي.”

 

هزيت راسي.

 

“أيوه.”

 

قال:

 

“إيما فضلت مستنياني أقرأ لها القصة.”

 

ابتسمت رغمًا عني.

 

“واضح.”

 

قال:

 

“مريم.”

 

“نعم؟”

 

“أنا مش مستني منك تنسي.”

 

بصيتله.

 

“ولا مستني ترجعي زي زمان.”

 

سكت.

 

“أنا بس عايز أبني حاجة جديدة.”

 

فضلت ساكتة.

 

ثم قلت:

 

“وأنا مش عارفة إذا كنت أقدر.”

 

قال:

 

“مش لازم تعرفي دلوقتي.”

 

الجملة دي كانت أول حاجة مريحة سمعتها منه من سنين.

 

عدت الأيام.

 

وبعد شهور، بدأنا نعيش حياة مختلفة.

 

مش حياة مثالية.

 

لكن حياة فيها صدق.

 

أديان بقى موجود في حياة الولاد.

 

وأنا بقيت أقوى.

 

ماعدتش الست اللي خرجت من بيتها وهي فاكرة إن حياتها انتهت.

 

بقيت الست اللي عرفت إن أحيانًا الباب اللي بيتقفل في وشك مش نهاية الطريق.

 

وفي يوم عيد ميلاد التوأم، وقفنا كلنا قدام التورتة.

 

إيثان نفخ الشموع.

 

وإيما قالت:

 

“عايزة أمنية.”

 

ضحكنا.

 

سألتها:

 

“تمنيتي بإيه؟”

 

قالت:

 

“إننا نفضل كلنا مع بعض.”

 

بصيت لأديان.

 

هو بصلي.

 

ولا واحد فينا قال حاجة.

 

لكننا فهمنا.

 

مش لازم كل حاجة ترجع زي الأول.

 

المهم إننا مانكررشي نفس الأخطاء.

 

بعد ما الولاد ناموا، خرجت أقف في البلكونة.

 

أديان وقف بعيد عني.

 

قال:

 

“مريم.”

 

بصيتله.

 

“نعم؟”

 

قال:

 

“فاكرة أول يوم شفتك فيه؟”

 

ابتسمت.

 

“فاكر.”

 

قال:

 

“أنا يومها ماكنتش أعرف إنك هتبقي أهم إنسانة في حياتي.”

 

قلت:

 

“وأنا ماكنتش أعرف إنك هتوجعني أكتر حد.”

 

نزل عينه.

 

“عارف.”

 

سكتنا.

 

ثم قلت:

 

“بس برضه ماكنتش أعرف إنك هتبقى أبو ولادي.”

 

ابتسم.

 

“وأنا ماكنتش أعرف إن عندي طفلين أجمل من الدنيا.”

 

بصيت للسماء.

 

وفكرت في الخمس سنين اللي فاتوا.

 

في وجع.

 

وخوف.

 

وسفر.

 

ووحدة.

 

وفي طفلين كانوا الدافع إني أكمل.

 

وفي الحقيقة اللي اتأخرت سنين عشان تظهر.

 

وعرفت إن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي إحنا عايزينه في الوقت اللي إحنا عايزينه.

 

أحيانًا بتاخد مننا حاجة.

 

وتسيبنا نعتقد إننا خسرنا.

 

وبعد سنين ترجع لنا الحقيقة.

 

مش عشان تمحي الوجع…

 

لكن عشان تعلمنا إننا كنا أقوى مما تخيلنا.

 

أنا مريم.

 

الست اللي في يوم من الأيام خرجت من بيت جوزها بورقة طلاق وهي فاكرة إن كل حاجة انتهت.

 

لكن بعد خمس سنين رجعت القاهرة ومعاها طفلين ماكانش أبوهم يعرف بوجودهم.

 

رجعت وأنا فاكرة إني هواجه ماضي أديان.

 

لكن اللي واجهته كان أكبر من كده.

 

واجهت أسرار عيلة كاملة.

 

وعرفت إن الطلاق اللي كسرني زمان…

 

كان جزءًا من سر أكبر.

 

وعرفت إن الرجل اللي كرهته سنين…

 

كان عنده أخطاءه فعلًا.

 

لكن ماكانش يعرف الحقيقة كلها.

 

وفي النهاية…

 

أنا ما نسيتش.

 

وما مسحتش اللي حصل.

 

لكن اخترت أسامح.

 

مش عشان أديان.

 

ولا عشان أي حد.

 

سامحت عشان قلبي يستريح.

 

وعشان ولادي يكبروا من غير ما يشيلوا كراهية مش بتاعتهم.

 

وأديان؟

 

فضل أبوهم.

 

ومع الوقت…

 

رجع الشخص اللي كنت أعرفه من زمان.

 

مش لأن الماضي اختفى.

 

لكن لأننا اتعلمنا إن أي علاقة ممكن تبدأ من جديد لو اتبنت على الصراحة.

 

وفي آخر ليلة من السنة، كنت واقفة جنب الشباك وإيثان وإيما نايمين.

 

أديان دخل وقال:

 

“مريم.”

 

بصيتله.

 

مد إيده.

 

وقال:

 

“نبدأ من جديد؟”

 

بصيت لإيده.

 

وبعدين بصيتله.

 

ومسكتها.

 

وقلت:

 

“من جديد… بس المرة دي من غير أسرار.”

 

ابتسم.

 

وقال:

 

“وعد.”

 

وساعتها فهمت إن بعض النهايات…

 

بتكون مجرد بداية لحكاية أجمل.

 

وإن أصعب خمس سنين في حياتي…

 

كانت في الآخر الطريق اللي رجعلي أولادي…

 

ورجعلي الحقيقة…

 

ورجعلي نفسي.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى