
سامح حس إن الغضب جواه بيزيد، لكن ملك كانت محتاجة أمان. مد إيده لها.
— تعالي يا حبيبتي.
قربت منه. سامح حضنها وبص لمحمود.
— لازم نخرج من هنا دلوقتي.
شريف قال:
— لسه بدري.
سامح لف له.
— إنت قلت إنك هتساعدنا.
— وأنا هساعدكم.
— أمال إيه؟
شريف أشار للملف.
— لازم تعرف مين الشخص اللي استلم التحويل الأخير.
سامح قال:
— الدكتور ياسر.
— لأ.
شريف حط إصبعه على الاسم.
— الاسم ده مجرد واجهة.
محمود رفع عينه.
— إنت متأكد؟
— متأكد.
سامح قال:
— مين؟
شريف سكت ثم قال:
— نهى.
سامح تجمد.
— إيه؟
— الحساب باسم الدكتور، لكن صاحب التوقيع الحقيقي هو نهى.
محمود رجع خطوة.
— مستحيل.
شريف فتح صورة من مستندات البنك.
— بص بنفسك.
محمود أخذ الورقة وقرأها ثم جلس.
— يعني هي كانت بتدير الحساب؟
— أيوه.
سامح بص لمحمود.
— وإنت كنت فاكر إنها ضحية؟
محمود قال:
— أنا كنت فاكر إنها بتخاف على ملك.
شريف رد:
— كانت بتخاف عليها فعلًا.
سامح استغرب.
— إزاي؟
— لأنها كانت عارفة إن فيه ناس ممكن تستغل الأخطاء.
— طب ليه كانت بتخوفها؟
شريف قال:
— لأن نهى كانت بتحاول تمنع ملك من الكلام.
سامح قال:
— بس بطريقة غلط.
— جدًا.
محمود مسك رأسه.
— أنا مش فاهم.
شريف قال:
— نهى دخلت في الموضوع من البداية وهي فاكرة إنها بتحمي بنتها، وبعدين اتورطت في الفلوس والبيانات.
ساد الصمت، وسامح حس إن الصورة بدأت تكتمل، لكن كان فيه سؤال أهم:
— طيب الآثار الموجودة؟
شريف بص له.
— دي مش من الدكتور.
— من مين؟
— من نهى.
محمود وقف.
— لأ!
شريف قال:
— مش بالشكل اللي فاكره، نهى كانت بتضغط عليها بأسئلة وطريقة قاسية علشان تعرف إذا كانت هتلفت نظر حد.
سامح قال:
— وده سبب الآثار؟
شريف هز راسه.
— وبعضها حصل بسبب محاولة ملك الهروب من الشخص اللي كان بيراقب البيت.
سامح قرب.
— مين؟
شريف بص لمحمود.
— حارس قديم كان بيشتغل مع نهى وكان عايز ياخد نسخة من الملفات.
— وإنت عرفت كل ده إزاي؟
— لأني كنت أراقبهم أنا كمان، وأخذت ملك لما عرفت إن نهى ناوية تنقلها لمكان تاني تابع للمؤسسة.
سامح قال:
— وليه ما اتصلتش بالشرطة؟
شريف سكت.
— كنت خايف إن البلاغ يتاخر.
سامح قال:
— وقررت تاخد الطفلة؟
شريف نزل عينه.
— غلطت، وعارف ده كويس.
في اللحظة دي، سمعوا صوت سيارة برا. شريف اتحرك ناحية الباب.
— لازم نمشي.
سامح مسك إيد ملك.
— مين؟
شريف بص من الشباك.
— شخصين مش تبع الشرطة.
فتح الباب الخلفي وقال:
— مش وقت الكلام.
خرجوا من البيت من باب جانبي، ومحمود شايل الملف وسامح ماسك ملك. وصلوا للعربية وقبل ما يركبوا قال سامح:
— استنى، أنا مش ههرب، لازم نبلغ الجهات الرسمية.
شريف قال:
— لو بلغنا من غير ما نعرف مكان المركز، ممكن ملك تفضل في خطر.
محمود قال:
— الملفات معايا، وملك معانا.
شريف قال:
— يبقى نروح لمستشار قانوني أثق فيه اسمه خالد.
سامح قال:
— أعرفه، اشتغلنا سوا في قضية من سنين.
ركبوا العربية وطول الطريق كانت ملك نايمة في حضن سامح. وصلوا مكتب خالد قبل الفجر، وحكوا له كل شيء. خالد اتصل بجهة مختصة وبدأ الإجراءات اللازمة لحماية الطفلة.
بعد ساعات من الاستماع للأقوال، بدأت الأدلة والتحويلات المالية والتسجيلات تثبت تفاصيل القضية. أما نهى، فلما وصلت واستدعوها وشافت ملك جنب سامح، انهارت واعتترفت بكل شيء، مبينة أنها تورطت تدريجياً بسبب الخوف والابتزاز المالي من الأطراف الأخرى، ثم محاولتها السيطرة على الطفلة لمنع الكلام.
بعد عدة أسابيع، سامح أخذ ملك في زيارة لمكان مفتوح. كانت ماسكة الدبدوب الأحمر وقفت قدام شجرة كبيرة وبصت لسامح:
— خالو؟
— نعم يا فراشتي؟
— هو الكرسي لسه بيوجع؟
سامح ابتسم:
— لأ.
— ليه؟
— علشان مفيش حد هيجبرك تقعدي على حاجة بتوجعك تاني.
ملك ابتسمت وجريت ناحية الشجر، ولأول مرة من شهور شافتها بتجري من غير ما تبص وراها. محمود وقف جنبه وقال:
— أنا مدينلك بحياتي.
سامح هز راسه:
— مش أنا اللي أنقذت ملك لوحدي، هي اللي أنقذت نفسها لأنها رغم خوفها اتكلمت، وده أهم درس: إن الطفل لما يقول إن حاجة بتوجعه، لازم نسمعه كويس.
مرت سنة، وفي يوم كان سامح قاعد في مكتبه بيكتب تحقيق جديد ورن تلفونه وكانت ملك.
— ألو يا خالو!
— نعم؟
— ماما بعتتلي جواب ومش عايزة أقراه دلوقتي غير لما أكون جاهزة.
سامح ابتسم:
— يبقى استني براحتك.
وقبل ما تقفل قالت:
— شكرًا إنك صدقتني.
— أنا اللي بشكرك يا علمتيني إن صوت الطفل الصغير ممكن يكشف حقيقة كبيرة.
— باي يا فراشتي.
قفل سامح المكالمة وافتكر أول يوم شاف فيه ملك وهي بتقول إن الكرسي بيوجعها. وقتها كان فاكر إن المشكلة بسيطة داخل البيت، لكنه اكتشف إن الوجع الحقيقي ما كانش في الكرسي، بل في أن طفلة صغيرة قالت الحقيقة والكبار اختاروا ما يسمعوهاش. وعشان كده، سامح احتفظ بالدبدوب الأحمر فوق مكتبه ليفكره دائمًا أن أصغر صوت قد يكون أهم صوت على الإطلاق، وأنه يجب ألا يُترك طفل مع خوفه أبدًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



