صحة و جمال

في المطعم حكايات صافي هاني

 

المكالمة اتقفلت.

 

بعد أقل من ساعة، كل المستندات كانت عند الجهات المختصة.

 

بدأ التحقيق.

 

واتضح إن الشركة فعلًا اتعرضت لعمليات اختلاس وتلاعب في حسابات على مدار سنين.

 

والشخص اللي أحمد كان شاكك فيه كان جزءًا أساسيًا من الشبكة.

 

لكن المفاجأة الأكبر ظهرت بعد مراجعة ملف وفاة زوجته.

 

اتضح إن التقرير الطبي القديم كان فيه بيانات ناقصة.

 

وده فتح تحقيق جديد في ظروف الوفاة.

 

أحمد ما استعجلش.

 

كان كل اللي يهمه إن الحقيقة تظهر بالقانون.

 

مرت أسابيع.

 

وبدأت الأخبار تنتشر عن التحقيقات.

 

موظفين اتسألوا.

 

حسابات اتراجعت.

 

مستندات اتطابقت.

 

وفي النهاية ظهرت الحقيقة كاملة.

 

الشخص اللي خان ثقة أحمد كان بيستغل غيابه عن الإدارة.

 

وكان بيبني لنفسه شبكة مصالح داخل الشركة.

 

أما نهى، مديرة المطعم، فاتضح إنها كانت جزءًا من المنظومة الإدارية اللي سمحت بإخفاء شكاوى العملاء والتلاعب ببعض التقارير.

 

لكن التحقيق أثبت إنها لم تكن المسؤولة عن الخطة الأكبر.

 

تم فصلها.

 

وتم إلزامها بالتعاون مع التحقيق.

 

وبعد فترة، رجعت الشركة تشتغل بنظام جديد تمامًا.

 

أحمد قرر يعمل حاجة عمره ما كان مخطط لها.

 

فتح كل فروع الشركة أمام أي عميل من غير أي تفرقة.

 

ووضع نظام شكاوى مستقل.

 

وأصدر قرارًا إن أي موظف يتعرض لعميل بسبب لبسه أو شكله أو قدرته المادية يتم التحقيق معاه فورًا.

 

لكن أهم قرار أخده كان في المطعم نفسه.

 

حط لوحة صغيرة عند المدخل.

 

مكتوب عليها:

 

“هنا كل الناس ضيوف… والاحترام حق مش امتياز.”

 

مريم وقفت جنب أبوها وهي بتقرأها.

 

وقالت:

 

“بابا.”

 

“نعم؟”

 

“دي عشان اليوم اللي حصل في المطعم؟”

 

أحمد ابتسم.

 

“أيوه.”

 

“أنا بحبها.”

 

“وأنا كمان.”

 

مريم سألته:

 

“المديرة دي هترجع؟”

 

أحمد قال:

 

“مش عارف.”

 

“ولو رجعت؟”

 

“لو اتعلمت من غلطها وأصلحت اللي عملته، كل إنسان يستحق فرصة.”

 

مريم ابتسمت.

 

“إنت طيب يا بابا.”

 

أحمد ضحك.

 

“أنا مش طيب.”

 

“أمال إيه؟”

 

“أنا بحاول أكون عادل.”

 

مريم حضنته.

 

“وده أحسن.”

 

مرت سنة.

 

مريم كبرت.

 

والشركة استقرت.

 

وأحمد رجع يدير أعماله بنفسه.

 

لكن أهم حاجة اتغيرت فيه كانت حاجة واحدة.

 

ما بقاش يخاف من الماضي.

 

في يوم عيد ميلاد مريم، أخدها لنفس المطعم.

 

نفس المكان.

 

نفس القسم.

 

نفس الترابيزة تقريبًا.

 

مريم كانت لابسة فستان بسيط.

 

وأحمد كان مبتسم.

 

قالت:

 

“بابا… فاكر أول مرة جينا هنا؟”

 

قال:

 

“أنسى؟”

 

ضحكت.

 

“أنا كنت خايفة.”

 

“عارف.”

 

“دلوقتي لأ.”

 

“ليه؟”

 

بصت حواليها.

 

المطعم كان مليان.

 

ناس كبار.

 

أطفال.

 

عائلات.

 

كلهم قاعدين في نفس القسم.

 

مفيش قسم للغني.

 

وقسم للفقير.

 

ولا مكان للي شكله عاجب الإدارة.

 

كلهم عملاء.

 

كلهم ضيوف.

 

قالت:

 

“عشان عرفت إن المشكلة ما كانتش فينا.”

 

أحمد ابتسم.

 

“بالظبط.”

 

وصل الأكل.

 

وبعد شوية طلبت الحلو.

 

أحمد قال:

 

“لسه بتطلبي تشيز كيك؟”

 

“طبعًا.”

 

ضحك.

 

وفي اللحظة دي قرب منهم عامل شاب.

 

كان ماسك ورقة.

 

قال:

 

“أستاذ أحمد.”

 

“نعم؟”

 

“ممكن أقول لحضرتك حاجة؟”

 

“اتفضل.”

 

قال:

 

“أنا كنت موجود يوم المشكلة القديمة.”

 

أحمد بص له.

 

“فاكر.”

 

العامل قال:

 

“أنا وقتها كنت خايف أتكلم.”

 

“ليه؟”

 

“كنت خايف أخسر شغلي.”

 

أحمد قال:

 

“وأنا فاهم.”

 

العامل ابتسم.

 

“بعد ما حضرتك مشيت يومها، حصل اجتماع.”

 

أحمد قال:

 

“عارف.”

 

“ومن ساعتها حاجات كتير اتغيرت.”

 

أحمد ابتسم.

 

“المهم إنك ما تخافش تقول الحقيقة بعد كده.”

 

العامل قال:

 

“مش هخاف.”

 

ومشي.

 

مريم بصت لأبوها.

 

“إنت مبسوط؟”

 

أحمد قال:

 

“جدا.”

 

“عشان الشركة؟”

 

“لأ.”

 

“أمال عشان إيه؟”

 

بصلها.

 

“عشان بنتي كبرت وهي عارفة إن قيمتها مش مرتبطة بفلوس ولا مكان.”

 

مريم ابتسمت.

 

“أنا اتعلمت منك.”

 

أحمد قال:

 

“وأنا اتعلمت منك.”

 

“إزاي؟”

 

“إن ساعات كلمة صغيرة من طفل ممكن تغير قرار رجل كبير.”

 

ضحكت.

 

وبعد الأكل خرجوا من المطعم.

 

أحمد وقف قدام الباب.

 

بص للوحة اللي علّقها.

 

وبعدين بص لمريم.

 

وقال:

 

“تحبي نروح؟”

 

“أيوه.”

 

مسكت إيده.

 

ومشوا.

 

لكن قبل ما يركبوا العربية، أحمد وقف.

 

قال:

 

“مريم.”

 

“نعم؟”

 

“فيه حاجة لازم أقولها لك.”

 

بصت له.

 

“إيه؟”

 

طلع من جيبه صورة قديمة لوالدتها.

 

وقال:

 

“أمك كانت شجاعة جدًا.”

 

مريم مسكت الصورة.

 

عينيها لمعت.

 

“وحشتني.”

 

أحمد قال:

 

“وأنا كمان.”

 

“هي كانت بتحبني؟”

 

ضحك أحمد رغم دموعه.

 

“دي كانت بتحبك أكتر من أي حاجة.”

 

“طب ليه ما قالتليش؟”

 

“لأنك كنتي صغيرة.”

 

مريم بصت للصورة.

 

“نفسي أشوفها.”

 

أحمد قال:

 

“هتفضلي تشوفيها في كل حاجة حلوة فيكي.”

 

مريم حضنته.

 

والاتنين فضلوا واقفين شوية.

 

بعدها ركبوا العربية.

 

أحمد شغل العربية.

 

وقبل ما يتحرك، موبايله رن.

 

كان اتصال من المحامي.

 

رد.

 

“أيوه.”

 

قال المحامي:

 

“أستاذ أحمد… عندي خبر جديد.”

 

أحمد اتوتر.

 

“إيه؟”

 

“القضية خلصت.”

 

أحمد سكت.

 

“والحكم صدر.”

 

أحمد سأل:

 

“والحقيقة؟”

 

المحامي قال:

 

“ظهرت كاملة.”

 

أحمد غمض عينه.

 

“الحمد لله.”

 

قفل المكالمة.

 

مريم سألته:

 

“خلصت؟”

 

قال:

 

“خلصت.”

 

“يعني نقدر نعيش عادي؟”

 

أحمد ابتسم.

 

“أيوه.”

 

“من غير ملفات؟”

 

ضحك.

 

“من غير ملفات.”

 

“ومن غير مديرين؟”

 

“دي صعبة.”

 

ضحكت.

 

“ومن غير مشاكل؟”

 

أحمد شغل العربية.

 

“دي في إيد ربنا.”

 

وسكت لحظة.

 

“بس طول ما إحنا مع بعض… نقدر نواجه أي حاجة.”

 

العربية اتحركت.

 

والمطعم بدأ يبعد عنهم.

 

لكن أحمد فضل يبص في المراية لحد ما اختفى.

 

كان المكان اللي بدأ فيه كل شيء.

 

مكان دخل إليه أب مرهق مع بنته الصغيرة.

 

مكان حد حاول يقنعهم إنهم أقل من غيرهم.

 

لكن نفس المكان أصبح شاهدًا على إن الكرامة مش بتتباع.

 

وإن الإنسان مش بيتقاس باللبس.

 

ولا بالعربية.

 

ولا بالحساب اللي بيدفعه.

 

ولا بالمكان اللي بيقعد فيه.

 

الإنسان بيتقاس بأخلاقه.

 

وبالطريقة اللي بيعامل بيها الناس لما يكون قادر يظلمهم.

 

وبعد شهور، أحمد افتتح مؤسسة صغيرة باسم زوجته.

 

مؤسسة لمساعدة الأطفال اللي فقدوا أحد والديهم.

 

ومريم كانت أول واحدة تحضر الافتتاح.

 

وقفت على المسرح.

 

وكان عمرها وقتها سبعتاشر سنة.

 

بصت للحاضرين وقالت:

 

“أنا كنت طفلة في يوم من الأيام، وقعدت على ترابيزة في مطعم واتقال لي بشكل غير مباشر إني مش مناسبة للمكان.”

 

الناس سكتت.

 

“لكن أبويا علمني إن الإنسان ما يستمدش قيمته من رأي حد فيه.”

 

بصت لأبوها.

 

“وعلمني إننا لما نشوف ظلم لازم ما نسكتش.”

 

ابتسم أحمد.

 

مريم كملت:

 

“وعشان كده المؤسسة دي مش معمولة عشان ندي الناس فلوس وبس.”

 

“معمولة عشان نديهم فرصة.”

 

“فرصة يتعلموا.”

 

“فرصة يشتغلوا.”

 

“وفرصة يعيشوا من غير ما يحسوا إنهم أقل من أي حد.”

 

التصفيق ملأ المكان.

 

أحمد كان واقف في آخر القاعة.

 

عينه دمعت.

 

ولما خلصت مريم كلامها، نزلت من على المسرح وجريت عليه.

 

حضنته.

 

قالت:

 

“كويس؟”

 

أحمد قال:

 

“أكتر مما كنت أتمنى.”

 

“ماما كانت هتفرح؟”

 

أحمد بص لصورتها المعلقة في القاعة.

 

وقال:

 

“كانت هتبقى فخورة بيكي.”

 

مريم ابتسمت.

 

وفي اللحظة دي فهم أحمد إن زوجته ما كانتش بتحاول تحميه من الحقيقة.

 

كانت بتحاول توصله للحقيقة في الوقت الصح.

 

وإن كل اللي حصل من يوم المطعم ما كانش مجرد موقف إهانة.

 

كان بداية طريق رجعه لعيلته.

 

رجعه لشغله.

 

ورجعه لنفسه.

 

أما نهى، وبعد فترة طويلة من التحقيقات، بدأت حياة جديدة.

 

اشتغلت في مكان أصغر.

 

وفي أول يوم لها، قابلت عميلة بسيطة جدًا.

 

كانت ست كبيرة ومعاها حفيدتها.

 

الست سألتها:

 

“ممكن نقعد هنا؟”

 

نهى بصت للترابيزة.

 

كانت في مكان كويس.

 

وكان فيه أماكن تانية فاضية.

 

ابتسمت وقالت:

 

“طبعًا.”

 

وبعدين سحبت الكرسي بنفسها للست.

 

الست شكرتها.

 

نهى قالت:

 

“ده حق حضرتك.”

 

ولما مشيت الست، نهى فضلت واقفة لحظة.

 

افتكرت مريم.

 

افتكرت سؤالها:

 

“هو إحنا مش شكلنا حلو؟”

 

دموعها نزلت.

 

لأنها أخيرًا فهمت حجم الكلمة اللي قالتها من غير ما تفكر.

 

وفي نفس الوقت، أحمد كان في مكتبه.

 

فتح درج مكتبه.

 

طلع منه ورقة قديمة.

 

كانت أول صفحة من الملف اللي بدأ كل شيء.

 

بص لها.

 

وبعدين قطعها.

 

حطها في سلة المهملات.

 

وقال:

 

“كفاية.”

 

دخلت مريم عليه.

 

“بتعمل إيه؟”

 

قال:

 

“بقفل صفحة قديمة.”

 

“نهائي؟”

 

أحمد ابتسم.

 

“نهائي.”

 

مريم قالت:

 

“طب نفتح صفحة جديدة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى