
قرب أحمد من هاجر أكتر، وإيديه بترتعش وهو بيحاول يمسك إيدها أو يبص في عينها ويصلح الكارثة اللي حصلت، وقال بنبرة مكسورة ومحروقة:
“هاجر.. أرجوكي يا هاجر، أنا آسف.. حقك عليا أنا، والجزمة اللي في إيد أمك فوق راسي، أنا والله العظيم ما أعرف…”
بس هاجر سحبت إيدها بهدوء وثبات يوجع، وبصت له بنظرة فيها كمية حزن وكسرة قلب متتوصفش، لكنها كانت محاطة بكبرياء وعزة نفس هزت كيانه.
حطت إيدها التانية على صباعها، وببطء شديد ختعت الدبلة اللي ما لحقتش تفرح بيها أربع وعشرين ساعة.. مسكت الدبلة الذهبية في كف إيدها الترعش، وقربت من أحمد وحطتها في إيده، وقفلت صوابعه عليها بقوة.
بصت له في عينه ونزلت دمعة حامية واحدة من عينها، وقالت له بصوت واطي ومسنود بالكرامة:
“كل شيء قسمة ونصيب يا أحمد.. أنت راجل وسيد الرجالة، وما شفتش منك غيركل خير واحترام.. بس البيت اللي يهين أمي ويستقل بشقاها، ما ينفعش أدخله ولا أكون واحدة منه.. كرامة أمي وشقا سنينها عندي بالدنيا كلها.”
أحمد بص للدبلة في إيده وكأنها جمرة نار ، وصرخ بصوت مخنوق:
“لا يا هاجر! ما تعمليش كده! الذنب مش ذنبك ولا ذنبي.. أنا شاريج ومتمسك بيكي وأنا اللي هقف وش أي حد!”
هاجر هزت رأسها بالرفض بهدوء حاسم وقالت له:
“الذنب مش ذنبك يا أحمد.. بس الواقع أكبر منا.. إحنا لو كملنا، العمر كله هيفضلوا يبصولي من فوق لتحت، وهيفضلوا يعايروني بأمي.. وأنا أمي عندي خط أحمر، ما أقبلش عليها الكلمة من أي مخلوق، حتى لو كان الشخص اللي بحبه.”
مسكت شنطتها بثقة، وبصت لي أنا وأخته بابتسامة خفيفة مليانة استهانة وكسرة، وقالت:
“ربنا يهديلكم نفوسكم.. ويسامحكم على الوجع اللي سببتوهولنا.”
لفت هاجر ضهرها، ومشيت بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس ناحية الباب، وخرجت وقفلت الباب وراها بهدوء، وسابت المكان وراها زي المدافن.
أحمد بَص للباب المقفول، وبعدين لف بص لي ولأخته.. عينيه كانت مليانة دموع وقهر وصدمة، وصرخ فينا بصوت زلزل جدران الشقة، ودب الفوضى في كل أركان البيت بعد ما ساب الدبلة تقع منه على الأرض ترن رنة الفراق.
أحمد ساب الدبلة على الأرض، ورزع الباب وراه بأعلى قوته وخرج يجري ورا هاجر في الشارع عشان يحاول يلحقها، بس هاجر كانت خلاص اختفت عن عينيه.. ومن اللحظة دي، حظنا الأسود ابتدى، والبيت اللي كنا فاكرين إننا بنحميه ونحافظ على هيبته، اتطفت فيه اللمبة ودخله الجفاف.
أحمد رجع الشقة بالليل، مش عشان يعيش معانا، لكن عشان يلم هدومه ومقتنياته في شنطة سفر واحدة. حاولت أقف قصاده، وجريت عليه وأنا بصرخ وبقوله:
“أنت بتعمل إيه يا أحمد؟! هتسيب أمك وأختك عشان خاطر بنت؟! كبر عقلك وتعال اقعد معايا ونتكلم!”
بص لي أحمد بنظرة غريبة، نظرة خالصة من أي مشاعر، وكأني بقيت حد غريب عنه تماماً.. وقال بصوت هادي يرعب أكتر من الزعيق:
“أنا ماليش قعدة في بيت بياكل في كرامة الناس الشريفة.. أنتِ مش بس كسرتي البنت اللي اخترتها، أنتِ كسرتيني أنا وجرستيني قدام نفسي.. اعتبريني مت بالنسبة لكم يا أمي، لأن أحمد اللي كان بيمشي وراكم عمياني مات النهاردة.”
خرج أحمد وساب الشقة، وأخد أوضة إيجار قريبة من شغله، وقطع كل وسائل الاتصال بينا.. عمل لرقامنا ورسائلنا بلوك على كل حتة، وبقت محاولاتنا عشان نوصل له شبه مستحيلة.
الأيام مرت وتقلت علينا.. الصالة اللي كنا فاكرين إننا بنعلم فيها هاجر الأدب، بقت هي مصدر نكدنا. بنتي بقت تقعد في أوضتها بالساعات خايفة ومتوترة، حاسة بالذنب والكسرة، والكلية اللي كانت بتتفشخر بيها بقت حاسة إنها ملهاش قيمة بعد ما أخوها بقى يتهرب منها ولا يرضى يلمس مكالمة منها.
عشان خاطري يا أحمد، أنا أمك اللي ربتك وشقت عليك.. جلّ من لا يسهو، أنا كنت خايفة عليك وعلى مستقبلك، ارجع بيتك ويا سيدي تعال نروح نطلبها تاني وأنا ألمس جزمتها وجزمة أمها بس ترجعلي!”
لكن أحمد كان بيبص لي بجمود وعينيه محجرة، ويرد بنبرة جافة تقطع القلب:
“المرمى لما بيتكسر ما بيتصلحش يا أمي.. أنتِ ما خفتيش عليا، أنتِ خفتي على منظرك وجبروتك.. والست الشريفة وبنتها مش لعبة في إيدك وقت ما تعوزي تذليهم تذليهم، ووقت ما تعوزي ترضيني تروحي تطبطبي عليهم.. هاجر وأمها أنظف وأعلى بكتير من إنسانية بيتك، وسيبيني في حالي لو باقي عندك ذرة رحمة.”
كل محاولة كانت بترجعنا لنفس نقطة الصفر.. بنتي راحت له المكتب واترجته وهي بتبكي وتقول له: “يا أحمد أنا أختك الصغيره، غلطت واستقويت بس والله ما كنت فاهمة.. سامحني ويرجع البيت، بابا لو كان عايش ما كانش هيرضى باللي بيحصل ده!”
رد عليها بقسوة ما عهدناهاش فيه: “لو بابا كان عايش، كان تبرأ منك ومن تصرفك الرخيص ده.. تعليقك لشهادتك واستعلاءك على الناس مش هينفعك لما تكتشفي إنك بقيتي لوحدك.. امشي يا هانم وركزي في كليتك عشان تشبعي بيها.”
البيت بقى فاضي وموحش، وأنا وبنتي بقينا نقعد قصاد بعض في الصالة المكركبة ندمانين على لحظة استعلاء وكبر، كسرنا بيها قلب بنت يتيمة وأمها الشريفة، فخسرنا قصادها السند الوحيد اللي كان مالك علينا دنيتنا.
بعد ما كل الأبواب اتسدت في وشنا، وأحمد بقى يهرب مننا وزي ما يكون بنطهره باللمس، ما بقاش قدامي أنا وبنتي غير حل واحد.. الحل اللي كنا بنهرب منه ونعتبره يقل من هيبتنا، بس الشوق لأحمد والندم اللي أكل قلوبنا خلانا ندوس على كبرياءنا المزيف.
مسكت إيد بنتي، ونزلنا المشوار اللي كنا فاكرين عمرنا ما هنمشيه.. مشينا في الشارع البسيط اللي ساكنة فيه هاجر، وكانت رجلينا أتقل من الجبال، وكل خطوة بنقرب فيها من بيتهم، كنا بنفتكر كلامنا القاسي والاستعلاء اللي طلع مننا، فنحس بالخزي والكسرة.




