
بس!.. طارق زعق فينا كلنا، وراح ناحية الأوضة، طلع منها شنطة هدوم قديمة، ورماها على الأرض قدام ياسمين الموضوع خلص. من غير فضايح أكتر من كده ومن غير ما الجيران تتلم علينا.. هتاخدي هدومك وتتصلي بأبوكي ييجي ياخدك دلوقتي، ورجلك متخُطّش العتبة دي تاني لحد ما أعرف أنا هعمل إيه!.
ياسمين هنا حست إن الموضوع جد، وإن المركب بتغرق بجد. الجبروت اللي ظهر في عينيها من ثواني اختفى، ونزلت على رجل طارق تاني تتوسل له طارق لا.. عشان خاطر يوسف وفريدة، بلاش طلاق يا طارق، بلاش تفضحني وسط أهلي والشارع، طب عشان خاطر عيالك طيب، أمك مسامحة والله، أمك قلبها طيب ومش هترضى بخراب بيتي!. ولفت لأمي وهي بتعيط بنحيب قوليله حاجة يا طنط! قولي لابنك ميخربش بيته، عشان خاطر العيال دول حتة من ابنك!.
أمي غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت على خدها المجعد، وقالت بصوت هادي وموجوع يقطع نياط القلب أنا يا بنتي عمري ما خربت بيت حد، ولا عمري كنت سبب في إن عيل يبعد عن أمه.. بس اللي ملوش خير في أهل جوزه، وبيخبي ويداري ويسرق من مال بيته عشان يدي لبرة ويجرح اللي شالوه.. ربنا بيكشفه من فوق سبع سماوات.. أنا مسمحاكي على قهرة قلبي بتاعت الصبح، ومسمحاكي على العيد ميلاد اللي استكترتي عليا لقمته، لكن بيتك وجوزك.. ده سرهم بينك وبين ربنا وبينه هو، هو صاحب القرار.
أمي لفت ضهرها ونزلت على السلم ببطء شديد، وأنا كنت ماسكة إيدها بسندها، ورجليها كانت بتترعش من الوجع والضغط. وأنا نازلة معاها، سمعت طارق فوق بيقولها بنبرة قاطعة مفيهاش أي رجعة أنا مش هطلقك دلوقتي عشان خاطر العيال والناس متتكلمش.. بس أنتي طالعة من البيت ده بشرفك، تروحي بيت أبوكي وتقعدي هناك، لحد ما ترجعي الحلق اللي سرقتيه، وساعتها نقعد مع الكبار ونشوف الجوازة دي هتكمل إزاي، ده لو كملت!.
نزلنا الشقة تحت، وأمي قعدت على الكنبة زي الكومة الهامدة. دخلت بسرعة المطبخ عملت لها كوباية كركديه بارد، وجبت جهاز الضغط عشان أقيسهولها. إيدي كانت بتترعش وأنا بلف الشريط على دراعها، كان الضغط واصل 170 على 100!
يا أمي، بالله عليكي اهدي، متعمليش في نفسك كده عشان واحدة متستاهلش! قولت الكلام ده وأنا بحاول أداري الرعب اللي في عيني من القراءة العالية دي.
أمي بصت في السقف وقالت بشرود مش عشانها يا منى.. أنا قلبي واجعني على أخوكي.. طارق حنين، وشايل فوق طاقته، متغرب وشقيان في الشمس والمطرة عشان يوفر لقمة حلال، والآخر يتجازى بالغدر من أقرب الناس ليه؟ أنا كنت حاسة يا بنتي، قلبي كان دايماً قارصني من البت دي، بس كنت بقول معلش عشان خاطر الولاد نمشي المركب.. بس المركب اللي تخرمها قلة الأصل لازم تغرق.
في الوقت ده، كان صوت الدوشة فوق هدي تماماً. وبعد حوالي نص ساعة، سمعنا صوت خطوات نازلة على السلم، مش خطوات ياسمين لوحدها.. خطوات كذا حد.
قومت براحة وبصيت من العين السحرية بتاعة الباب، لقيت أبو ياسمين، راجل كبير على المعاش، وشه في الأرض مش قادر يرفعه، ومعاه ياسمين شايلة شنطة هدومها وماسكة إيد بنتها فريدة وبتعيط، وأخوها الشاب اللي كان السبب في كل المصيبة دي ماشي وراهم وشه أصفر زي اللمونة، ومحدش فيهم نطق بحرف ولا حتى خبطوا على باب أمي يعتذروا أو يطيبوا خاطرها. نزلوا في صمت رهيب، كأنهم جنازة ماشية في هدوء الليل.
طارق نزل بعدها بدقائق. دخل شقة أمي، شكله كان متبهدل، عيونه غرقانة دموع وشنبه بيرتعش. أول ما دخل ركع قدام رجلين أمي ودفن راسه في حجرها وانفجر في العياط زي العيل الصغير كسرتني يا أمي.. كسرتني وضيعت تعبي.. كنت فاكر إني بنيت بيت وهي صانته، طلعت بتبني بيت أهلها على أنقاضي أنا وعيالي!.
أمي قعدت تطبطب على ضهره بحنان الدنيا كله، وتمسح على شعره يا بني ارفع راسك، متكسرش نفسك عشان حد، اللي يبيعك بيعه برخيص ومتبكيش عليه، ربنا نجدك وفضح المستور قبل ما العمر يفوت وأنت مغمى عينك.. المهم عندي صحتك وعيالك، العيال ملهمش ذنب في وساخة الكبار.
قعدنا الليل كله صاحيين، مفيش عين فينا غفلت. طارق حكى لنا إنه رجع بدري عشان يعمل هو مفاجأة لياسمين بمناسبة عيد ميلاد ابنهم، كان جايب للواد عجلة جديدة شايلها في شنطة العربية تحت، وأول ما طلع الشقة وفتح بالمفتاح على غفلة، لقى ياسمين وأخوها بيتخانقوا في الصالة بصوت واطي على فلوس تمن الحلق، وأخوها بيقولها اصبري عليا الجمعية هتتأخر أسبوعين،
قومت بسرعة عشان ميرنش كتير ويصحي طارق. رفعت السماعة وقولت بصوت واطي ألو؟.
الصوت اللي رد مكنش صوت ياسمين، ولا صوت أبوها.. كان صوت ست تانية خالص، صوت غريب ومريب، نبرتها كانت خبيثة وبتتكلم بثقة غريبة صباح الخير يا ست هانم.. مش ده برضه بيت الأستاذ طارق فلان؟.
أيوا هو، مين حضرتك؟ سألتها وأنا حاسة بنغزة غريبة في صدري.
الست ضحكت ضحكة صفرا وقالت قولي للأستاذ طارق يلحق نفسه، لأن ياسمين هانم مش عند بيت أبوها زي ما هو فاكر.. الهانم دلوقتي في قسم الشرطة بتعمل فيه محضر ضرب وسرقة تبديد عفش، ومطلعة تقرير طبي بإصابات ملهاش أول من آخر.. ولو فاكرين إن الحكاية خلصت على حلق دهب وتورتة، تبقوا لسه متعرفوش ياسمين وعيلتها مخبيين إيه ورا ضهركم!.
الخط قطع في وشي.. وتوت توت توت كان الصوت الوحيد اللي بيتردد في وداني.
اتسمرت مكاني والسماعة وقعت من إيدي على السجادة، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة مستنية تعرف مين اللي بيتصل، وشفت طارق بيفتح عينيه وبيصحى من النوم على صوت خبطة السماعة…



