روايات وقصص

مديري المغرور

فتحته.

جواه صورة.

أنا وأبي واقفين قدام المستشفى.

وفي ظهر الصورة جملة واحدة:

“دلوقتي انتي عارفة مين كنتي.”

ابتسمت.

لكن قبل ما أحط الصورة على المكتب، لقيت ورقة صغيرة تحتها.

فتحتها.

وكان مكتوب:

“بس لسه ما عرفتيش ليه أبوكي اختار يخبي الحقيقة عنك.”

وقفت مكاني.

وبصيت ناحية الباب.

كان والدي واقف هناك.

سألته:

“بابا.”

بص لي.

“إيه؟”

رفعت الورقة.

“إنت كنت مخبي عني إيه تاني؟”

سكت.

وطوّل في السكوت.

وبعدين قال:

“الحقيقة الأخيرة.”

“إيه هي؟”

دخل وقفل الباب وراه.

وقال:

“أمك.”

جسمي اتجمد.

“ماما؟”

هز رأسه.

“أمك مش ماتت زي ما قلت لك.”

وقعت الورقة من إيدي.

“إيه؟”

قال:

“هي عايشة.”

نظرت له وأنا مش قادرة أتكلم.

قال:

“وكانت هي السبب الحقيقي اللي خلاني أختفي.”

“فين؟”

والدي بص للنافذة.

“في نيويورك.”

قلت:

“فين؟”

قال:

“في نفس المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.”

“فندق كونتيننتال.”

وقتها فهمت إن حفلة واحدة ما كانتش نهاية القصة.

كانت مجرد أول باب اتفتح.

وبعد ثلاث سنين كاملة قضيتها وأنا بخلي نفسي غير ملحوظة، كنت أخيرًا مستعدة أدخل كل الأبواب اللي خوفت منها.

لكن المرة دي مش كضحية.

ولا كسكرتيرة.

ولا كبنت بتحاول تعرف أبوها مات إزاي.

كنت بينيلوب وودز.

الست اللي اكتشفت إن كل الأرقام اللي كانت بتراجعها سنين كانت بتقودها لحقيقة واحدة.

حقيقة عيلتها.

وفي الليلة التالية رجعت للفندق نفسه.

دخلت من نفس الأبواب النحاسية.

لكن مفيش حد ضحك.

مفيش حد همس.

ومفيش حد شافني كموظفة صغيرة جاية مع مديرها.

مشيت وسط القاعة بثبات.

وعند آخر القاعة كانت امرأة واقفة لوحدها.

شعرها بني فاتح.

عينيها نفس عيني.

نفس الابتسامة اللي كنت بشوفها في صور طفولتي.

رفعت المرأة عينيها وقالت:

“اتأخرتي يا بيني.”

دموعي نزلت.

وقلت:

“أنا كنت فاكرة إنك ميتة.”

ابتسمت وقالت:

“وأنا كنت فاكرة إنك هتفضلي مستخبية للأبد.”

مشيت ناحيتها.

ولأول مرة من سبع سنين، حضنت أمي.

لكن قبل ما أغمض عيني، سمعت صوتًا خلفي.

صوت لاركين.

قال:

“كنت عارف إنكم هتتقابلوا.”

التفت له.

“إنت كنت عارف؟”

قال:

“أيوه.”

نظرت لأمي.

ثم له.

وقلت:

“يبقى عندنا كلام كتير.”

لاركين ابتسم.

“عندنا عمر كامل.”

رفعت حاجبي.

“والحسابات؟”

ضحك.

“لسه بتفكري في الحسابات؟”

قلت:

“طبعًا.”

ضحكت أمي.

ولأول مرة منذ سنين، ضحكت أنا كمان.

لأنني أخيرًا فهمت إن الاختفاء ما كانش هو اللي أنقذني.

اللي أنقذني كان إني في اللحظة المناسبة قررت أظهر.

وأرفع رأسي.

وأقول الحقيقة.

وأعرف مين أنا.

وأختار بنفسي الطريق اللي هكمله.

وفي الصباح التالي فتحت اللابتوب.

كانت الساعة 8 وربع.

نفس الموعد اللي كنت كل يوم أحط فيه القهوة على مكتب لاركين.

لكن المرة دي ما كانش قدامي مكتب صغير.

ولا ملفات عصابة.

ولا أوامر مدير.

كان قدامي ملف جديد.

كتبت اسمي في أعلى الصفحة:

بينيلوب وودز.

ثم كتبت تحته:

“الحسابات لا تنسى.”

قفلت اللابتوب.

وبصيت من الشباك.

كانت نيويورك بتصحى.

بعد شهور من اللي حصل في الليلة اللي قلبت حياتي كلها، وقفت قدام نفس المراية اللي وقفت قدامها قبل الحفلة.

لكن المرة دي ما كنتش شايفة السكرتيرة اللي قضت سنين بتحاول تختفي.

كنت شايفة ست عرفت أخيرًا قيمتها.

ست عرفت إن خوفها ما كانش ضعف.

وإن صمتها ما كانش عجز.

وإنها طول الوقت كانت أقوى مما كانت متخيلة.

والدي كان خرج من المستشفى ورجع يعيش معايا في بيت صغير بعيد عن وسط المدينة.

أمي كانت بتحاول تعوض السنين اللي ضاعت.

وفي البداية كان الموضوع صعب.

كان فيه أسئلة كتير.

عتاب أكتر.

ولحظات كنت فيها أبص لأمي وأقول لنفسي:

إزاي قدرتي تسيبيني كل السنين دي؟

لكنها كانت بتبص لي بعينين مليانين ندم وتقول:

“لو كان عندي اختيار تاني كنت اختارتك.”

ومع الوقت بدأت أفهم إن بعض الأسرار بتتدفن مش لأنها مش مهمة.

لكن لأن أصحابها كانوا فاكرين إنهم بيحموا اللي بيحبوهم.

أما لاركين…

فهو اختفى فترة طويلة.

لم أكن أعرف مكانه.

وفي يوم وصلتني رسالة قصيرة.

“خلصت آخر حساب.”

عرفت فورًا إنه هو.

ابتسمت وكتبت:

“وأنا لسه عندي حساب مفتوح معاك.”

بعد دقائق جاء الرد:

“كنت مستنيه.”

وبعد أسبوع دخل مكتبي.

لكن المرة دي ما كانش مدير وأنا موظفة.

قعد قدامي على الكرسي وقال:

“مستعدة؟”

قلت:

“لإيه؟”

حط قدامي ملف.

“آخر ملف.”

فتحته.

كان فيه كل شيء يخص الماضي.

ثم أغلقه.

وقال:

“ممكن نحرقه.”

بصيت له.

“ليه؟”

قال:

“عشان نبدأ من غير أسرار.”

فضلت ساكتة شوية.

ثم قلت:

“مش عايزة أحرقه.”

استغرب.

“ليه؟”

قلت:

“عشان نفتكر.”

“نفتكر إيه؟”

ابتسمت.

“إننا نجونا.”

سكت.

وبعدين ابتسم.

أول مرة أشوفه مرتاح بالشكل ده.

مرت سنة.

وخلال السنة دي أسست شركة صغيرة مع والدي.

ما كانتش شركة ضخمة.

ولا عندنا عشرات الموظفين.

لكن كان عندنا شيء أهم.

الثقة.

بقينا نراجع حسابات الشركات اللي بتطلب مساعدتنا ونكشف التلاعب والسرقة والاحتيال قبل ما يتحولوا لكارثة.

وفي يوم وصلنا ملف جديد.

فتحت الملف.

قرأت أول صفحة.

ثم توقفت.

كان اسم العميل مألوفًا.

نظرت لوالدي.

قال:

“إيه؟”

قلت:

“القصة رجعت.”

قال:

“إزاي؟”

شورت على الاسم.

“نفس الشركة اللي كانت في أول ملف.”

والدي سكت.

لكن المرة دي ما حسيتش بالخوف.

قفلت الملف.

وقلت:

“نبدأ من أول رقم.”

ضحك والدي.

“إنتي ما اتغيرتيش.”

ابتسمت.

“لا.”

بصيت له.

“أنا بس بطلت أستخبى.”

وفي نفس الليلة خرجت من المكتب.

كانت الساعة 8 وربع.

وقفت للحظة.

افتكرت أول يوم كنت بحط فيه القهوة على مكتب لاركين.

افتكرت البنطلون الرمادي.

البلوزة المقفولة.

الجزمة القديمة.

والبنت اللي كانت بتعتقد إن أفضل طريقة للنجاة هي إن محدش يلاحظها.

ضحكت لنفسي.

وبعدين سمعت صوت من ورايا:

“لسه بتفكري في الماضي؟”

التفت.

كان لاركين.

قلت:

“افتكرت حاجة.”

“إيه؟”

“إنك أول مرة شفتني فيها كنت فاكرني مجرد سكرتيرة.”

قال:

“كنت غلطان.”

“وأنا كنت فاكرة إنك مجرد مدير.”

ابتسم.

“وطلع؟”

قلت:

“طلعت مشكلة كبيرة.”

ضحك.

ثم مشينا جنب بعض في الشارع.

من غير حراس.

من غير أسرار.

ومن غير خوف.

وفي وسط الزحمة وقفت فجأة.

بصيت لمباني نيويورك العالية.

وقلت:

“عارف إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟”

قال:

“إيه؟”

“إن الإنسان ممكن يقضي سنين بيحاول يصغر نفسه عشان ينجو.”

سكت.

كملت:

“لكن في يوم لازم يفهم إن وجوده مش حاجة لازم يعتذر عنها.”

بص لي.

وقال:

“وده اليوم اللي حصل لك في الحفلة.”

هزيت رأسي.

“لا.”

ابتسمت.

“ده اليوم اللي حصل لي النهارده.”

ومشيت.

لأول مرة ما كنتش بحاول أكون غير ملحوظة.

ولا كنت مستنية حد يكتشف قيمتي.

كنت عارفة أنا مين.

وعارفة أنا عايزة إيه.

وعارفة إن الماضي مهما كان مظلمًا مش لازم يحدد شكل المستقبل.

رفعت رأسي ومشيت وسط أضواء المدينة.

وخلفي كانت كل الأسرار اللي قضيت سنين أهرب منها.

وقدامي كانت حياة جديدة.

حياة اخترتها بنفسي.

ومن يومها، كل ما كنت أشوف بنت صغيرة خايفة إنها مش كفاية، كنت أقول لها:

“ما تصغريش نفسك عشان ترضي حد.”

“ما تختفيش عشان الناس ترتاح.”

“ولو الدنيا حاولت تقنعك إنك مجرد رقم في ملف، افتكري إنك صاحبة الحكاية.”

أما أنا؟

أنا بينيلوب وودز.

قضيت ثلاث سنين أختفي.

وليلة واحدة ظهرت فيها غيرت كل شيء.

لكن الحقيقة إن الحكاية ما بدأتش ليلة الحفلة.

الحكاية بدأت يوم قررت لأول مرة ما أخافش من الحقيقة.

ومن ساعتها…

ما رجعتش أستخبى تاني.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى