روايات وقصص

جاري حكايات صافي هاني

وفي اليوم اللي بعده كمان.

وفي اليوم اللي بعده.

لحد ما بقى عندي على جنب حوالي عشرة أكياس.

كنت كل مرة بحط التاريخ والساعة.

مش عشان أنتقم.

لكن عشان ما يقدرش بعد كده يقول إن الموضوع كان مرة أو مرتين أو مجرد صدفة.

وفي اليوم الرابع وأنا واقفة في البلكونة سمعت صوت جارتي أم خالد من الدور التاني بتناديني.

“يا بنتي!”

بصيت لتحت.

كانت واقفة في بلكونتها.

قلت:

“نعم يا أم خالد؟”

قالت:

“هو إنتِ بتجمعي إيه في الأكياس دي؟”

بصيت ناحية الأكياس.

وقلت:

“حاجة بسيطة.”

قالت:

“أكياس الشاي؟”

ضحكت.

“آه.”

قالت:

“محمود لسه بيرميهم؟”

سكت.

هي بصت لي وقالت:

“أنا كنت عارفة.”

قلت:

“إنتِ عارفة؟”

قالت:

“ده من زمان.”

نزلت صوتها وقالت:

“قبل ما إنتِ تيجي العمارة دي أصلًا، كان بيعمل حاجات شبه كده.”

سألتها:

“زي إيه؟”

قالت:

“مشاكل صغيرة. حاجات تخلي الواحد يشك إنه بيتعمد يستفزه.”

“يعني؟”

قالت:

“مرة كان بيحط زبالة صغيرة قدام باب حد معين. ومرة كان بيركن موتوسيكل قدام مدخل الجراج. ومرة كان بيحط كراتين عند باب السلم.”

قلت:

“وبيعمل كده ليه؟”

هزت كتفها.

“محدش عارف.”

سكتنا شوية.

وبعدين قالت:

“بس خدي بالك منه.”

قلت:

“أنا مش خايفة.”

قالت:

“أنا مش بقول لك خافي.”

وبصت ناحية شباك محمود.

“أنا بقول لك ما تدخليش معاه في لعبة أعصاب.”

دخلت شقتي وأنا بفكر في كلامها.

كنت طول عمري بكره المشاكل.

لكن لأول مرة بدأت أفهم إن السكوت ساعات بيخلي بعض الناس يفتكروا إنهم يقدروا يزودوا.

في نفس اليوم بالليل، سمعت خبط على باب شقتي.

فتحت.

كان محمود.

واقف قدامي ووشه متغير.

قال:

“ممكن نتكلم؟”

قلت:

“اتفضل.”

قال:

“إنتِ ليه بتجمعي أكياس الشاي؟”

قلت:

“عشان أثبت إنها بتوصل عندي.”

قال:

“تثبتي لمين؟”

قلت:

“لنفسي.”

قال:

“إنتِ عايزة تعملي مشكلة؟”

قلت:

“لأ.”

“أمال بتعملي إيه؟”

قلت:

“بحمي نفسي من مشكلة أكبر.”

فضل ساكت.

وبعدين قال:

“بصي، أنا ممكن أوقف الموضوع.”

قلت:

“كويس.”

قال:

“بس بشرط.”

بصيت له.

“إيه؟”

قال:

“ما تعمليش فيها محققة.”

استغربت.

“محققة؟”

قال:

“التاريخ والساعة والأكياس اللي بتحطيها دي.”

قلت:

“دي حاجتي.”

قال:

“إنتِ بتستفزيني.”

قلت:

“أنا حتى ما كلمتكش من أربع أيام.”

قال:

“بس بتجمعي.”

قلت:

“إنت اللي بترمي.”

قال:

“يعني لو بطلت، تخلصي؟”

قلت:

“آه.”

فضل ساكت لحظة.

وبعدين قال:

“خلاص.”

وقبل ما يمشي قلت:

“محمود.”

لف.

قلت:

“أنا فعلًا مش عايزة مشاكل.”

قال:

“ولا أنا.”

قلت:

“يبقى خلينا كل واحد يعيش في شقته.”

هز رأسه.

ومشي.

قفلت الباب وأنا لأول مرة أحس إن الموضوع خلص.

لكن كنت غلطانة.

لأن الساعة 7 الصبح تاني يوم…

سمعت الصوت.

فتحت البلكونة.

لقيت كيس شاي.

بس المرة دي كان عليه ورقة صغيرة.

فتحتها.

كان مكتوب:

“اتفضلي.”

وقفت أبص للكلمة.

حسيت إن دمي غلي.

مش بسبب كيس الشاي.

لكن بسبب الاستهزاء.

دخلت المطبخ وحطيت الورقة قدامي.

وبعدين قعدت أفكر.

هل أطلع؟

هل أواجهه؟

هل أكلمه؟

وبعد حوالي نص ساعة قررت إني مش هعمل أي حاجة.

بس هبدأ أتصرف بطريقة مختلفة.

اتصلت ببواب العمارة، عم عبده.

قلت له:

“عم عبده، ممكن تطلع لي فوق شوية؟”

طلع.

وريته الأكياس والورقة.

قرأها.

وبص لي باستغراب.

قلت:

“أنا مش عايزة خناقة. بس عايزة حضرتك تبقى عارف.”

قال:

“هو محمود؟”

قلت:

“آه.”

تنهد.

وقال:

“كنت متوقع.”

سألته:

“يعني إيه؟”

قال:

“الراجل ده مش سهل.”

قلت:

“أنا مش عايزة أضايقه.”

قال:

“المشكلة إنه لما حد ما يردش عليه بيعتبره ضعيف.”

قلت:

“وأنا مش هرد عليه.”

قال:

“وده أحسن.”

وبعدين قال:

“بس خدي بالك.”

قلت:

“من إيه؟”

قال:

“هو مش أول مرة يعمل مشكلة مع حد.”

سألته:

“حصل إيه؟”

قال:

“قبل كده كان فيه ساكن في الدور الرابع.”

“أيوه؟”

“اتخانق معاه على موضوع صغير.”

“وبعدين؟”

“الراجل مشي من العمارة بعد كام شهر.”

“بسبب محمود؟”

عم عبده هز كتفه.

“مش هقدر أقول لك بسبب محمود.”

وبعدين سكت لحظة وقال:

“بس المشاكل بدأت بعد ما سكن محمود فوقه.”

الكلام فضل في دماغي طول اليوم.

وبالليل حصل شيء غريب.

وأنا بقفل الشباك سمعت صوت حاجة وقعت في السلم.

خرجت أبص.

لقيت كرتونة صغيرة قدام باب شقتي.

رفعتها.

كان عليها اسمي.

استغربت.

دخلت بيها.

ما كانتش طالبة من أي مكان.

فتحتها.

لقيت جوه مجموعة حاجات قديمة أنا فاكرة إني كنت رميتها من سنين.

صور.

أوراق.

دفتر صغير.

وصورة قديمة جدًا للعمارة.

مسكت الصورة.

وفي ظهرها مكتوب:

“الدور التالت كان فاضي.”

وقفت مكاني.

مين حط الكرتونة دي؟

وليه؟

قلبت باقي الحاجات.

لقيت ورقة مطوية.

فتحتها.

كان مكتوب:

“إنتِ مش أول واحدة.”

قلبي دق بسرعة.

وقفت أبص للورقة.

مين “إنتِ”؟

ومين اللي كتبها؟

فتحت باب الشقة بسرعة وبصيت في الطرقة.

مفيش حد.

نزلت الدور الأول.

مفيش حد.

رجعت.

وقبل ما أدخل شقتي سمعت صوت باب بيتقفل فوق.

رفعت عيني.

باب شقة محمود كان بيتقفل.

وقفت.

هو كان بيراقبني؟

دخلت وقفلّت الباب بالمفتاح.

لأول مرة حسيت إن الموضوع خرج من نطاق أكياس الشاي.

تاني يوم الصبح ما نزلش كيس.

ولا بالليل.

ولا اليوم اللي بعده.

قلت يمكن خلاص.

لكن في اليوم الثالث لقيت ظرف أبيض تحت باب شقتي.

فتحته.

جواه صورة ليا وأنا واقفة في بلكونتي.

الصورة متاخدة من بعيد.

وفي أسفلها مكتوب:

“لسه مش فاهمة؟”

وقفت مكاني وأنا ماسكة الصورة.

الموضوع بقى مرعب.

اتصلت بأخويا كريم.

قلت له:

“ممكن تيجي عندي؟”

سألني:

“فيه إيه؟”

قلت:

“تعالى بس.”

بعد حوالي ساعة وصل.

وريته الصورة.

وشه اتغير.

قال:

“إنتِ مصورة؟”

قلت:

“لأ.”

قال:

“مين حاططها؟”

قلت:

“مش عارفة.”

سألني:

“فيه حد بينك وبينه مشاكل؟”

قلت:

“محمود.”

حكيت له كل حاجة.

من أكياس الشاي لحد الورقة والصورة.

كريم فضل ساكت.

وبعدين قال:

“إنتِ لازم توثقي كل حاجة.”

قلت:

“أنا مش عايزة أعمل محضر.”

قال:

“مش لازم تعملي محضر دلوقتي. بس لازم يبقى عندك كل حاجة.”

صورنا الأكياس.

الورقة.

الصورة.

الكرتونة.

وسجلنا التواريخ.

وفي نفس اليوم اتكلمت مع اتحاد الملاك.

كانت الست نجلاء، المسؤولة عن العمارة.

حكيت لها.

قالت:

“أنا بصراحة كنت مستنية حد يشتكي.”

قلت:

“يعني؟”

قالت:

“محمود اتكلمنا معاه قبل كده.”

“في إيه؟”

قالت:

“في حاجات كتير.”

طلعت ملف من درج صغير.

قالت:

“بصي.”

كان فيه شكاوى قديمة.

مش كلها باسمه.

لكن كلها مرتبطة بنفس الشقة.

إزعاج.

مشاكل في الممر.

حاجات بتترمي من البلكونة.

مشاجرات على أماكن الركن.

حاجات بسيطة منفردة.

لكن لما جمعتها كلها قدام عيني فهمت إن اللي حصل معايا مش حالة منفصلة.

قلت:

“طيب ليه محدش عمل حاجة؟”

قالت:

“لأن كل مرة كانت المشكلة بتنتهي باعتذار.”

قلت:

“وهو بيعتذر؟”

قالت:

“أيوه.”

ضحكت بسخرية.

“وبعدين يرجع يعمل نفس الحاجة.”

هزت رأسها.

“بالظبط.”

في اليوم ده اتفقنا إن أي واقعة جديدة لازم تتسجل رسميًا عند إدارة العمارة.

أنا رجعت شقتي.

ولأول مرة حسيت إني مش لوحدي.

لكن محمود كان ساكت.

أربع أيام.

خمسة.

ستة.

ولا كيس شاي.

قلت يمكن أخيرًا الموضوع انتهى.

وفي اليوم السابع…

الساعة كانت 9 بالليل.

سمعت جرس الباب.

فتحت من العين السحرية.

محمود.

فتحت الباب من غير ما أطلع برا.

قال:

“عايز أتكلم.”

قلت:

“اتفضل.”

قال:

“إنتِ وصلتي الموضوع لاتحاد الملاك؟”

قلت:

“آه.”

قال:

“ليه؟”

قلت:

“عشان الورق اللي حطيته تحت بابي.”

قال بسرعة:

“أنا ما حطتش حاجة.”

بصيت له.

“إنت متأكد؟”

قال:

“آه.”

سكت.

كان شكله متوتر فعلًا.

قال:

“أنا صحيح كنت برمي أكياس الشاي.”

قلت:

“عارفة.”

“وكنت بهزر معاكي.”

قلت:

“الهزار خلص من زمان.”

هز رأسه.

وقال:

“بس الصور دي مش بتاعتي.”

سألته:

“أمال بتاعة مين؟”

قال:

“مش عارف.”

لأول مرة حسيت إن صوته مش فيه استفزاز.

كان فيه خوف.

قلت:

“إنت بتقول إيه؟”

قال:

“أنا كمان لقيت حاجات غريبة.”

سألته:

“زي إيه؟”

بص حواليه في الطرقة.

وبعدين قال:

“ممكن أدخل؟”

ترددت.

وبعدين قلت:

“لأ. اتكلم من هنا.”

طلع تليفونه.

فتح صورة.

كان مصور ظرف بني محطوط قدام باب شقته.

وقال:

“لقيت ده من يومين.”

قلت:

“فتحته؟”

قال:

“آه.”

وراني صورة ورقة.

كان مكتوب فيها:

“الساكن اللي تحتك مش هو الهدف.”

بصيت له.

قال:

“أنا مش فاهم.”

قلت:

“ولا أنا.”

قال:

“بس فيه جملة تانية.”

قلب الصورة.

وكان مكتوب:

“إنتو الاتنين ساكنين في المكان الغلط.”

سكتنا.

الطرقة كلها بقت ساكتة.

وبعدين سمعنا صوت باب المصعد بيتفتح.

بصينا ناحية المصعد.

مفيش حد.

بس الباب فتح وقفله تاني.

محمود قال:

“إنتِ عندك كاميرا؟”

قلت:

“لا.”

قال:

“أنا عندي كاميرا جوه الشقة بتصور مدخل الباب.”

قلت:

“ممكن تكون سجلت حد.”

قال:

“هشوف.”

رجع شقته.

وأنا قفلت الباب.

بعد ساعة خبط تاني.

فتحت.

كان ماسك موبايله.

قال:

“تعالي شوفي.”

ما دخلتش.

وقفت عند الباب.

فتح التسجيل.

الساعة 2:17 الفجر.

شخص لابس هدوم غامقة واقف قدام باب محمود.

ما كانش وشه ظاهر.

حط ظرف.

وبعدين نزل السلم.

قلت:

“مين ده؟”

قال:

“مش عارف.”

“الصورة واضحة؟”

قال:

“الوش لأ.”

“الجسم؟”

“مش كفاية.”

بصيت له.

قلت:

“بلغ الإدارة.”

قال:

“هعمل كده.”

وبعدين قال:

“بس فيه حاجة تانية.”

“إيه؟”

“الشخص ده طلع من السلم اللي ورا.”

قلت:

“يعني؟”

قال:

“المدخل الرئيسي فيه كاميرا.”

“وأهو؟”

“الشخص دخل من باب السلم الخلفي.”

اتوترت.

لأن السلم الخلفي كان بيفتح على منطقة قريبة من البلكونات الخلفية.

رجعت شقتي وقفلت كل الشبابيك.

تاني يوم الصبح اتجمعنا أنا ومحمود والست نجلاء وعم عبده.

راجعنا التسجيلات.

كاميرا المدخل سجلت شخصًا يدخل العمارة قبلها بوقت قليل.

لكن ما قدرتش تبين وشه.

وفي نفس الليلة ظهر تسجيل تاني.

نفس الشخص.

دخل.

طلع.

وقف عند باب محمود.

وبعدين نزل.

لكن الغريب إن بعد ما خرج من العمارة…

ظهر في كاميرا محل صغير قدام الشارع.

والكاميرا وضحت إنه ما كانش غريب عن المنطقة.

كان شخصًا بييجي للعمارة باستمرار.

اتفرجنا على الفيديو أكتر من مرة.

وفجأة عم عبده قال:

“استنوا.”

وقف الفيديو.

قال:

“الجزمة دي.”

بصينا له.

قال:

“أنا شفتها قبل كده.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى