
سلفتي وطت راسها في الأرض وقالت:
أنا مش جايبة دول عشان أقولك خلاص الموضوع خلص.. أنا جايبة دول عشان ربنا ما يحاسبنيش على حق عيالك، وعشان أقولك.. بكرة في قعدة العيلة بعد الصلاة، أنا مش هسكت، حتى لو حماتي قلبت عليا وطردتني من الشقة.
بصيت لها بتركيز.. هبة طول عمرها مسكينة، وجوزها أخو جوزي الكبير مابيرحمش، عبد لأمه بمعنى الكلمة، لو أمه قالت له طلق هبة هيطلقها وهو مغمض. سألتها بشك:
إنتي هتقدري تقولي قدام عمك حمايا وقدام جوزك إن أمهم مش مظبوطة في كلامها؟ هتقدري تقفي في وشها وتقولي لها إنتي يا حماتي اللي اديتيني السكر وقلتي لي ده من سلفتك؟ هتقدري يا هبة؟ ولا أول ما حماتك تزعل وترفض هترجعي ورا وتقولي أنا مليش دعوة يا رجالة دول بيتبلوا عليا؟
سلفتي عينيها زاغت، وسكتت شوية، وبعدين رفعت عينها في عيني وقالت كلام نزل على قلبي زي الرصاص:
أنا مقدرش أقول إنها كدابة في وشها.. جوزي هيكسر عضمي وهيقولي إنتي بتوقعي بيني وبين أمي.. بس أنا هعمل حاجة تانية.. بكرة لما تنزلي وتتكلمي، متجيبيش سيرتي خالص في الأول، خليكي ماسكة في إنك بتسألي على حقك بأدب، وخلي جوزك هو اللي يطلب يشوف تمويني.. لو فتحوا دواليب مطبخي هيلاقوا أكياس السكر بتاعتك لسه مقفولة هناك، أهو ساعتها مش أنا اللي هشهد.. حاجتك هي اللي هتشهد عليها!
طلعت سلفتي تتنتر وتسحب زي ما دخلت، وقفت مكاني متسمرة. بصيت على الكيس الأسود اللي محطوط على الطقطوقة، جواه كيسين سكر وتلاتة مكرونة.. كان نفسي أمسكهم وأرميهم من البلكونة في الشارع! هو أنا شحاتة؟! الحكاية مش حكاية أكل وشرب، الحكاية حكاية النفوس اللي مليانة سواد وحقد، الناس اللي تبص للقمة في إيد الغلبان وتستكترها عليه.
دخلت أوضة النوم بالراحة، كان جوزي نايم على السرير، وشه شاحب والهم راكب ملامحه. راجل شقيان من الفجر للمغرب في ورشته عشان يرجع بجنيه حلال يكفي بيه عياله. قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على دماغي، النوم طار من عيني تماماً.
الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وفضلت ساجدة على السجادة ودموعي نازلة زي المطر.. دعيت ربنا يظهر الحق، دعيت إنه ما يكسرنيش قدامهم، ولا يخليني سبب في خراب بيت جوزي مع أهله، بس في نفس الوقت مكنتش قادرة أسامح في شقى أهلي وأمي.
الصبح طلع، وصوت الحركة ابتدى يدب في العمارة. أول ما الساعة دقت حداشر، سمعت دبة رجلين على السلم.. عمام جوزي وصلوا، وإخواته الشباب جم، وصوت حمايا الكبير كان جهوري وطالع من الصالة اللي تحت. جوزي صحي، بص لي ولقاني قاعدة بلبسي وصاحية من بدري، وشه اتخطف:
إنتي منمتيش يا سارة؟
بصيت له بثبات وهدوء غريب:
النوم مش هيدوق عيني إلا لما الحق يبان يا ابن الناس.
اتنهد تنهيدة شقت صدره، وقام قعد جنبي ومسك إيدي:
عشان خاطري أنا.. بلاش تصغرينا قدام عمامي وإخواتي، أمي ست كبيرة ومخها على قدها.. أنا مستعد أنزل دلوقتي السوبر ماركت وأجيب لك كرتونة مكرونة وشوال سكر، بس بلاش قعدة العيلة دي، القعدات دي مبتجبش غير المشاكل يا سارة!
شلت إيدي من إيده بالراحة ووقفت قدامه:
لو جبت لي دهب الدنيا كله مش هيعوضني عن كلمة واحدة حماتك قالتها عليا في الشارع! إنت سامع هي بتقول إيه برة؟ بتقول مرات ابني أساءت لي! أنا مش نازلة أتخانق، ولا نازلة أقل أدبي على أمك، أنا نازلة أقول كلمتين اتنين بس قدام أبوك وعمامك، ووالله لو حد فيهم طلعني غلطانة، أنا اللي هشيل شنطة هدومي وأمشي من بيتك ومش هتشوف وشي تاني!
جوزي وشه احمر وعروق رقبته نفرت، بس سكت.. كان عارف إني مظلومة وعارف إن السكوت معناه إنه يدفن كرامته وكرامتي تحت رجلين أمه للأبد.
الساعة دقت واحدة ونص، بعد ما صلاة الجمعة خلصت، وصوت الدوشة تحت كان مالي العمارة.. العيلة كلها متجمعة في شقة حمايا الكبيرة.
قمت وقفت قدام المراية، لبست عبايتي السودة وطرحتي، وظبطت نفسي.. مكنتش رايحة وأنا ضعيفة ولا عيني مكسورة، كنت رايحة بحقي وشقى أهلي.
فتحت باب الشقة ونزلت السلالم.. وكل خطوة كانت بتنزل على قلبي. جوزي نزل ورايا بسرعة، وحط إيده على كتفي قبل ما أدخل باب الشقة، وهمس في ودني بصوت مقهور:
ربنا يسترها.. خليكي هادية عشان عيالنا.
زقيت الباب برجلي ودخلت الصالة.. الصوت هدي فجأة!
حمايا كان قاعد على الكنبة الكبيرة، وجنبه عمام جوزي، وإخوات جوزي الرجالة قاعدين على الكراسي، وعلى جنب كانت قاعدة حماتي، متلفحة بشالها وحاطة وش المسكنة، وسلايفي قاعدين حواليها.. وهبة سلفتي كانت قاعدة في أبعد ركن، عينيها في الأرض.
أول ما رجلي خطت الصالة، حماتي شهقت شهقة مسرحية ولطمت على صدرها:
أهي جات اهيه! شفتوا اللي مبتحترمش سن؟ جاية بوشها البارد تدخل بيتي بعد ما بهدلتني وشتمتني وطردتني من شقتها؟!
الرجالة كلهم اتلفتوا وبصوا لي، وعم جوزي الكبير اتنحنح وقال بصوت ناشف:
في إيه يا جماعة؟ عيب الكلام ده.. استهدي بالله يا حاجة، وإنتي يا بنتي تعالي اقعدي وافهمينا إيه اللي حصل ده.
بصيت لحمايا ولعمام جوزي بكل هدوء، ومبصتش لحماتي خالص.. وقفت في نص الصالة، ولسه بفتح بقي عشان أقول السلام عليكم…
لقيت باب الشقة الخارجي بيتفتح فجأة بعنف، ودخلت واحدة خلت الصالة كلها تتلجم.. دي كانت أمي!
أمي جاية وشايلة في إيدها شنطة قماش كبيرة، ووراها أبويا ساند على عكازه وماشي ببطء.. أمي بصت في نص الصالة، وشافتني واقفة، وراحت باصة لحماتي وقالت بصوت رج العمارة كلها:
السلام عليكم يا أهل الأصول.. جايين نرد الأمانة ولا جايين تاكلوا حق بنتي قدام الرجالة دول كلهم؟!
الصالة اتقلبت في ثانية، وحمايا وقف على حيله مذهول:
الحاجة أم سارة؟! في إيه يا جماعة؟ هو الموضوع وصل لكده؟!
أمي حطت الشنطة في نص الصالة على السجادة، وبصت لحماتي اللي وشها جاب ميت لون وبقت تفرك في إيدها بتوتر، وقالت بصوت مسموع للكل:
واصل وأكتر من كده يا حاج.. بنتي مش مقطوعة من شجرة عشان يتقال عليها في الحارة كلام يمس كرامتها عشان كيسين سكر وشوية مكرونة! أنا جاية وجايبة معايا الراجل اللي مشتريلكم السكر ده بإيده وبفاتورته، وجاية أقولكم مين اللي أخد الحاجة ومين اللي بياكل عرق الناس!
في اللحظة دي، جوز سلفتي وقف بغضب وزعق:
إيه الكلام ده يا حاجة؟! إنتي بتلمحي على مين؟ أمي ست شريفة!
وهنا.. سلفتي هبة وقفت فجأة من مكانها، وعينيها بتطق شرار وخوف في نفس الوقت، وصرخت بصوت عالي قطع كلام جوزها:
بس بقى حرام عليكم! كفاية ظلم لحد كده.. السكر أهو في مطبخي يا رجالة، وحماتي هي اللي جابتهولي بإيدها وقالت لي سلفتك مش عايزاه!
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة.. حماتي اتسمرت مكانها وعينيها جحظت، وكل رجالة العيلة لفت وشها وبصت لحماتي اللي لسانها اتشل ومبقتش عارفة تنطق بحرف واحد!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



