
“البيت اللي عايشة فيه.”
شهقت.
“بيتي؟”
“أيوه.”
كريم حاول يتكلم.
“سارة الموضوع…”
صرخت:
“إنت بعت بيتي؟”
“ما بعتوش.”
الأستاذ سامح قال:
“كان بيتباع.”
بصيت لكريم.
“وكنت هتطردني منه؟”
“كنت هحل مشكلة الديون.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“ديونك؟”
“ديوننا.”
“لا.”
قربت منه.
“من النهاردة مفيش حاجة اسمها ديوننا.”
سكت.
“ولا فلوسنا.”
سكت.
“ولا بيتنا.”
بصيت له.
“ولا حتى جوازنا.”
وشه تغير.
“سارة.”
قلت:
“إنت كنت بتسرقني وأنا نايمة جنبك.”
رد بسرعة:
“أنا كنت بحاول أنقذنا.”
قلت:
“من إيه؟”
ما عرفش يرد.
الأستاذ سامح قال:
“سارة عندك قرار لازم تاخديه.”
بصيت له.
“إيه؟”
“والدك طلب إنك ما تستلميش أي شيء بنفسك النهاردة.”
استغربت.
“ليه؟”
“لأن عندك جلسة مع مجلس إدارة الشركات بكرة.”
قلت:
“أنا؟”
“أيوه.”
“بس أنا ما بفهمش في الشركات.”
ابتسم.
“والدك كان عارف.”
فتح ظرف جديد.
“علشان كده عين مستشارين يساعدوكي لمدة سنة كاملة.”
وبعدين حط قدامي مفتاح صغير.
“وده مفتاح خزنة.”
بصيت له.
“إيه اللي فيها؟”
قال:
“آخر شيء والدك سابهولك.”
رجعت البيت لوحدي.
ما رحتش مع كريم.
هو حاول يلحقني لكني قفلت الباب في وشه.
فضل يخبط.
“سارة افتحي.”
ما فتحتش.
“سارة أنا عارف إن اللي حصل شكله وحش بس اسمعيني.”
قعدت على الأرض ورا الباب.
كنت بسمع صوته.
“أنا غلطت.”
لأول مرة يقولها.
“بس مش بالشكل اللي إنتِ فاكرينه.”
فضلت ساكتة.
قال:
“أنا كنت مضغوط.”
ضحكت رغم دموعي.
“كل الناس بتتضغط.”
“أنا كنت خايف.”
قمت.
وقلت من ورا الباب:
“وأنا كنت واثقة فيك.”
سكت.
“وده كان غلطي.”
سمعت خطواته بتبعد.
تاني يوم الصبح رحت مع الأستاذ سامح للبنك.
الخزنة كانت في غرفة صغيرة.
دخلت المفتاح.
فتحت.
جواها كان فيه ملف.
وصورة ليا وأنا طفلة قاعدة على رجل أبويا.
وتحتها رسالة.
فتحتها.
“سارة…”
“لو وصلتي للخزنة دي يبقى أنا قدرت أخليكي تعرفي الحقيقة.”
“لكن فيه سر واحد أخفيته عنك طول حياتك.”
اتنفست ببطء.
“أخوك محمود مش أخوك بالكامل.”
إيدي ارتعشت.
كملت.
“هو ابن زوجتي الأولى.”
وقفت.
أبويا كان متجوز قبل أمي.
لكن ده ما كانش السر.
السر كان إن محمود كان عارف الحقيقة.
والأخطر؟
كان عنده نسخة من مستندات قديمة تثبت إن محمود مش من حقه أي نصيب من أملاك أبويا.
يعني كل اللي عمله كان علشان ياخد حاجة هو عارف أصلًا إنها مش بتاعته.
لكن في آخر السطر كانت المفاجأة.
“محمود مش هو اللي بدأ.”
قعدت على الكرسي.
“الشخص اللي بدأ كل ده موجود أقرب مما تتخيلي.”
قريت الجملة مرة.
واتنين.
وتلاتة.
الأستاذ سامح قال:
“لسه فيه صفحة.”
قلبتها.
وفيها اسم واحد.
اسم الشخص اللي كان أبويا بيخاف منه.
اسم الشخص اللي كان بيمول كريم ومحمود.
اسم الشخص اللي كان عارف كل تفاصيل حياتي.
أمي؟
لا.
أبويا كان كاتب:
“الشخص ده هو…”
وفجأة سمعنا صوت خبط قوي على باب الخزنة.
الأستاذ سامح قام بسرعة.
“مين؟”
ما حدش رد.
الخبط اتكرر.
قمت.
الأستاذ سامح قرب من الباب.
وفجأة سمعنا صوت محمود من الناحية التانية.
“سارة افتحي.”
رجعت لورا.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
رد:
“لازم نتكلم قبل ما تعرفي باقي الحقيقة.”
قلت:
“أنا خلاص عرفت.”
سكت.
“عرفت إنك مش أخويا بالكامل.”
قال:
“وده مش أهم سر.”
قلبي خبط.
“إيه الأهم؟”
قال:
“كريم ما كانش هو اللي زور إمضتك.”
بصيت للأستاذ سامح.
محمود كمل:
“ولا أنا.”
قلت:
“يبقى مين؟”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“الشخص اللي كان بيحركنا كلنا…”
“مين؟”
صوته اتغير.
“أبوكي نفسه.”
اتجمدت.
الأستاذ سامح بصلي.
وأنا ما فهمتش.
“إنت بتقول إيه؟”
محمود قال:
“والدك ما كانشبصيت للصورة مرة تانية وأنا حاسة إن إيدي بتترعش.
ما كنتش محتاجة أسأل الأستاذ سامح مين الراجل اللي واقف جنب أبويا.
أنا أعرفه.
حتى لو عدى على موته سنين.
حتى لو الصورة قديمة أو جديدة.
حتى لو الزمن نفسه حاول يخليني أنساه.
ده كان عمي فؤاد.
أخو أبويا الأصغر.
الراجل اللي كل العيلة قالت لي يوم وفاته إن حادثة عربية أنهت حياته من أكتر من خمسة عشر سنة.
الراجل اللي أبويا نفسه كان السبب في إن اسمه ما يتجابش قدامي تاني.
الراجل اللي كنت فاكرة إني حضرت جنازته وأنا طفلة.
قربت الموبايل من وشي.
“دي صورة إمتى؟”
الأستاذ سامح بص للصورة.
“الرسالة وصلت دلوقتي.”
“يعني الصورة جديدة؟”
“التاريخ الموجود في بيانات الصورة بيقول إنها اتاخدت من أقل من شهر.”
حسيت نفسي مش عارفة آخد نفس.
محمود كان واقف بره الباب.
قال:
“قلتلك يا سارة إن الحقيقة أكبر من كريم.”
فتحت الباب فجأة.
محمود رجع خطوة.
بصيت له.
“إنت كنت عارف إن عمي فؤاد عايش؟”
سكت.
صرخت:
“كنت عارف؟”
قال:
“آه.”
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
“من إمتى؟”
“من حوالي سنتين.”
“وأبويا؟”
“كان عارف.”
“وكريم؟”
محمود سكت.
فهمت.
“كريم كان عارف؟”
قال:
“مش في الأول.”
“وبعدين؟”
“عرف.”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
“يعني كل الناس كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي عايشة في فيلم تاني؟”
محمود حاول يقرب.
“سارة اسمعيني.”
رفعت إيدي.
“ما تقربش.”
وقف.
قلت:
“عايزة أعرف كل حاجة من أولها.”
الأستاذ سامح قفل الباب.
“تعالي نقعد.”
دخلنا المكتب تاني.
محمود قعد قدامي.
لكن المرة دي ما كانش متكبر.
كان شكله مرهق.
قلت:
“ابدأ.”
قال:
“عمك فؤاد ما ماتش.”
“عارفة.”
“أبوك أعلن وفاته علشان يحميه.”
“يحميه من مين؟”
محمود بص للأستاذ سامح.
الأستاذ سامح قال:
“من نفس المجموعة اللي والدك كان بيحاول يبعدها عن العيلة.”
قلت:
“مين المجموعة دي؟”
محمود قال:
“ناس كانوا شركاء مع أبوكي زمان.”
“وأنا مالي؟”
“إنتِ كل مالك.”
سكت.
كمل:
“بعد ما حصلت مشكلة كبيرة في شركة أبوكي، عمك فؤاد اكتشف إن فيه فلوس بتختفي من حسابات الشركة.”
“مين كان بيسرقها؟”
“شخص من جوه الشركة.”
“مين؟”
محمود قال:
“أبويا.”
اتصدمت.
“جدك؟”
هز راسه.
“والدنا.”
فضلت ساكتة.
كل اللي كنت أعرفه عن عيلتي بدأ يتكسر قدامي.
أبويا ما كانش رجل الأعمال المثالي اللي كنت فاكرة إنه كان.
كان داخل في مشاكل أكبر مني بكتير.
لكن ليه أنا؟
قلت:
“إيه علاقة ده بكريم؟”
محمود قال:
“كريم اتعرف على الشخص ده من خلال شغله.”
“مين الشخص؟”
سكت.
الأستاذ سامح قال:
“اسمه نبيل.”
“نبيل مين؟”
محمود رد:
“نبيل رشوان.”
الاسم كان غريب عليا.
لكن الأستاذ سامح فتح ملف قديم.
“كان مستشار مالي لوالدك.”
قلبت في الأوراق.
لقيت صورة قديمة.
رجل في أواخر الخمسينات.
شعره أبيض.
بدلة رمادي.
واقف جنب أبويا.
لكن الغريب إن عمي فؤاد كان واقف في الصورة برضه.
قلت:
“ده هو؟”
الأستاذ سامح قال:
“أيوه.”
محمود قال:
“نبيل هو اللي كان بيحرك كريم.”
“ليه؟”
“علشان يوصل لأصول والدك.”
“طب ليه ما ياخدهاش من أبويا مباشرة؟”
الأستاذ سامح رد:
“لأن والدك نقل ملكية معظمها قبل سنوات.”
“لمين؟”
بص لي.
“ليكِ.”
اتجمدت.
“أنا؟”
“أبوك بدأ ينقل الملكية باسمك من وقت ما كنتِ في الجامعة.”
“بس أنا ما وقعتش.”
“مش محتاج توقيعك في كل الحالات.”
فتح ورقة.
“بعض الأصول كانت في صناديق استثمار وترتيبات قانونية.”
محمود قال:
“وده السبب إن نبيل احتاج كريم.”
بصيت له.
“يعني كريم اتجوزني علشان فلوسي؟”
سكت.
السؤال كان واضح.
ومحمود ما قدرش يبص في عيني.
“رد.”
قال:
“في البداية كان ده السبب.”
غمضت عيني.
كل مرة كان بيقول لي “أنا بحبك” رجعت في دماغي.
كل مرة كان يشتريلي ورد.
كل مرة كان يقولي إن أبويا بيعامله كأنه ابنه.
كل مرة كنت بدافع عنه قدام أبويا.
وفجأة كل حاجة بقت مسمومة.
قلت:
“وأبويا كان عارف؟”
الأستاذ سامح قال:
“من أول سنة.”
شهقت.
“من أول سنة جواز؟”
“أيوه.”
“طب ليه ما قالليش؟”
الأستاذ سامح بص للورقة اللي قدامه.
“لأنه كان خايف لو قالك تسيبي كريم إنهم ينقلوا الخطة لمرحلة أخطر.”
“وأنا كنت عايشة مع واحد بيخطط يسرقني.”
محمود قال:
“أبوك كان بيراقبه.”
بصيت له بغضب.
“يراقبه؟ كان المفروض يحميني.”
“كان بيحميكي.”
“لا.”
ضربت بإيدي على الترابيزة.
“كان بيخليني عايشة وأنا مش عارفة الحقيقة.”
الأستاذ سامح قال:
“والدك كان عنده سبب.”
“إيه؟”
فتح التسجيل.
طلع صوت أبويا.
“سارة لو إنتِ غضبانة مني بعد ما تسمعي كل ده، يبقى من حقك.”
دموعي نزلت.
“أنا عارف إنك هتسألي ليه ما حذرتكيش.”
صوت أبويا كان هادي.
“لأن الشخص اللي كنا بنخاف منه كان قريب جدًا.”
سكت لحظة.
“ولو كنت حذرتك، كان هيعرف إني اكتشفت الحقيقة.”
صوته اتغير.
“وكان ممكن يأذيكي.”
حطيت إيدي على صدري.
أبويا كمل:
“أنا كنت محتاج أخليهم يعتقدوا إنهم كسبوا.”
التسجيل وقف.
قلت:
“يعني كل ده كان تمثيل؟”
الأستاذ سامح قال:
“جزء كبير منه.”
“ووفاته؟”
سكت.
بصيت له.
“قول.”
قال:
“والدك مات فعلًا.”
الدموع نزلت أكتر.
“بس كان عارف إنه هيموت.”
“أيوه.”
“والمرض؟”
“كان حقيقي.”
“والأدوية؟”
الأستاذ سامح قال:
“هنا المشكلة.”
محمود بص له.
الأستاذ سامح فتح ملف التحاليل.
“فيه دواء معين ظهر في جسمه بتركيز غير طبيعي.”
قلت:
“مين حطه؟”
“لسه التحقيق ما خلصش.”
بصيت لمحمود.
“وكريم؟”
قال:
“كريم اشترى الدواء.”
“يعني هو قتله؟”
محمود سكت.
الأستاذ سامح قال:
“ما نقدرش نقول كده قبل التحقيق.”
“بس هو جابه.”
“أيوه.”
فجأة تلفون محمود رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
“مين؟”
ما ردش.
مديت إيدي.
“هات.”
رفض.
“محمود.”
ناولني الهاتف.
رقم مجهول.
والرسالة:
“أنتوا لسه فاكرين إن فؤاد هو الحل؟ فؤاد هو اللي بدأ اللعبة.”
تحتها صورة تانية.
الصورة كانت لعمي فؤاد.
لكن المرة دي كان واقف مع كريم.
وشفت التاريخ.
من شهر واحد.
يعني كريم كان قابل عمي فؤاد.
من غير ما يقول لي.
قلت:
“إنت قابلته؟”
محمود قال:
“أنا لا.”
بصيت لكريم في الصورة.
“كريم قابله.”
الأستاذ سامح قال:
“لازم نعرف مكانه.”
محمود قال:
“أنا أعرف.”
بصيت له.
“فين؟”
سكت.
“فين يا محمود؟”
قال:
“في الفيلا القديمة.”
“أنهي فيلا؟”
“بتاعة أبوكي.”
اتسعت عيني.
“اللي في الساحل؟”
هز راسه.
الفيلا دي كانت مقفولة من سنين.
أبويا كان بيقول إنها اتباعت.
قلت:
“هي ما اتباعتش؟”
محمود قال:
“لا.”
الأستاذ سامح قال:
“والدك احتفظ بيها.”
“ليه؟”
محمود رد:
“علشان فؤاد.”
خرجنا من المكتب.
كنت قاعدة في العربية جنب الأستاذ سامح.
محمود كان سايق عربيته وراينا.
طول الطريق ما اتكلمتش.
كنت بحاول أستوعب إن عمي اللي دفنته وأنا طفلة ممكن يكون عايش.
وإن جوزي كان يعرفه.
وإن أبويا كان يعرف.
وإن أخويا كان يعرف.
وأنا؟
كنت آخر واحدة.
لما وصلنا الفيلا كان الجو بدأ يظلم.
الباب الخارجي كان مفتوح.
الأستاذ سامح وقف.
“محدش يدخل لوحده.”
محمود قال:
“أنا هسبقكم.”
قلت:
“لا.”
بص لي.
“أنا داخلة.”
دخلنا سوا.
البيت كان ساكت بشكل مرعب.
الغبار موجود في كل مكان.
لكن كان واضح إن حد عايش هنا.
في كوب شاي لسه موجود على الترابيزة.
قلت:
“حد هنا.”
محمود أشار ناحية السلم.
سمعنا صوت خطوات.
خطوة.
وبعدين خطوة.
وقفنا.
ظهر رجل من آخر الممر.
شعره كان أبيض.
وشه اتغير مع العمر.
لكن عينيه…
كنت أعرفهم.
كنت بشوفهم في صور قديمة.
الرجل وقف قدامي.
وقال:
“كبرتي يا سارة.”
ما قدرتش أتكلم.
هو قرب خطوة.
“أنا عارف إنك عندك ألف سؤال.”
قلت بصعوبة:
“إنت عمي فؤاد؟”
قال:
“أيوه.”
دموعي نزلت.
“إنت عايش؟”
ابتسم بحزن.
“كنت.”
الكلمة خوفتني.
“يعني إيه كنت؟”
بص للأستاذ سامح.
وبعدين رجع بص لي.
“أنا تعبان جدًا يا سارة.”
قلت:
“أبويا كان عارف.”
“أبوك هو اللي أنقذ حياتي.”
“طب ليه الناس قالت إنك مت؟”
“علشان لو الناس عرفت إني عايش، الشخص اللي كنا بنهرب منه كان هيقتلني.”
“مين؟”
فؤاد سكت.
وبعدين قال:
“نبيل.”
حسيت إن الاسم بقى أثقل من أي اسم سمعته قبل كده.
قلت:
“كريم كان شغال معاه.”
فؤاد هز راسه.
“كريم ما كانش أهم شخص.”
“مين؟”
فؤاد قرب مني.
وقال:
“إنتِ.”
اتجمدت.
“أنا؟”
“أيوه.”
“إزاي؟”
قال:
“نبيل ما كانش عايز فلوس أبوكي.”
سكت.
“كان عايز حاجة عندك إنتِ.”
“إيه؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية برا.
فؤاد بص ناحية الشباك.
وشه اتغير.
“وصل.”
محمود قال:
“مين؟”
فؤاد رد:
“نبيل.”
الأستاذ سامح قفل الباب.
أنا حسيت لأول مرة إننا كلنا محاصرين.
وبعدين صوت مفتاح اتحط في قفل الباب الخارجي.
فؤاد مسك إيدي.
وقال:
“اسمعيني كويس.”
“إيه؟”
“أبوك ما خباش عنك الفلوس.”
بصيت له.
“خبى عنك اسم أمك الحقيقي.”
اتجمدت.
“أمي؟”
قال:
“أمك ما ماتتش بالطريقة اللي قالهالك أبوكي.”
وفجأة الباب الخارجي اتفتح.
ودخل رجل من بعيد.
صوت خطواته قرب.
وفؤاد همس:
“لو عرف إنك عرفتِ الحقيقة دي… مش هيسيبك تعيشي.”
بصيت ناحية الباب.
وظهر نبيل.
لكن الصدمة مش إنه دخل.
الصدمة إنه ما كانش لوحده.
كان واقف جنبه كريم.
وكريم كان ماسك في إيده ملف بني.
ورفعه قدام عيني وقال:
“سارة… قبل ما تسمعي عمي، لازم تعرفي إن أبوكي هو اللي كتب الورقة دي.”
قرب خطوة.
“والورقة دي بتثبت إن كل اللي حصل من البداية كان جزء من خطة.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“وخطة أبوكي كانت إنك تتجوزيني.”
بصيت لكريم.
حسيت إن قلبي وقف.
لأن لو كلامه صحيح…
يبقى حتى جوازي نفسه كان جزءًا من سر أكبر.
لكن فؤاد صرخ:
“كداب!”
وفي نفس اللحظة طفى النور.
وسمعنا صوت حاجة وقعت.
وبعدين صرخة.
وبعدين صوت طلقة واحدة هزت البيت كله. ضحية.”
“كان بيختبرنا.”
وساعتها فهمت إن كل اللي حصل من يوم جنازة أبويا لحد اللحظة دي ما كانش النهاية.
كان مجرد أول طبقة من سر أكبر بكتير.
لأن لو كلام محمود صح…
يبقى أبويا كان عارف من البداية.
وعارف إن كريم هيخوني.
وعارف إن محمود هيحاول يسرقه.
وعارف إن أمه هتساعدهم.
وعارف حتى إنهم هيحاولوا يزوروا إمضتي.
والسؤال الوحيد اللي فضل في دماغي كان:
ليه أبويا سمح بكل ده يحصل وهو قادر يوقفهم من أول يوم؟
فتحت الصفحة الأخيرة من الخطاب.
وكان فيها سطر واحد بس:
“لأن الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه عدوك… هو الوحيد اللي كنتِ لازم تثقي فيه.”
بصيت لمحمود من خلال الباب.
وقلت:
“إنت؟”
ما ردش.
قلت:
“ولا كريم؟”
سكت.
وساعتها الأستاذ سامح قال جملة خلت الدم يهرب من وشي:
“سارة… أنا أعتقد إن والدك كان يقصد شخصًا ثالثًا.”
بصيت له.
“مين؟”
قبل ما يجاوب، تلفونه رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
ناولني الموبايل.
كان فيه رسالة من رقم مجهول:
“قولوا لسارة الحقيقة كلها قبل ما تعرفها بالطريقة الصعبة.”
وتحت الرسالة صورة حديثة.
صورة أبويا.
واقف قدام بيت ما أعرفوش.
وفي الصورة شخص واقف جنبه.
شخص كنت متأكدة مليون في المية إنه مات من سنين.
لكن لو الصورة حقيقية…
يبقى أبويا كان مخبي عني سرًا أكبر من كل الفلوس.
وأكبر من كريم.
وأكبر من محمود.
وأكبر من الوصية نفسها.
صوت الطلقة دوّى في الفيلا، وبعده ساد صمت مرعب.
أنا ما كنتش شايفة حاجة.
النور كان مطفي، وكل اللي سمعته صوت أنفاس متقطعة وحركة أقدام سريعة.
صرخت:
“عمي!”
حد مسك إيدي فجأة.
حاولت أقاوم وأصرخ، لكن الصوت اللي قال:
“أنا هنا.”
كان صوت الأستاذ سامح.
سحبني ورا الحيطة.
وبعد ثواني النور اشتغل.
بصيت قدامي.
فؤاد كان واقع على الأرض.
وكريم واقف بعيد عنه، والملف البني واقع من إيده.
أما نبيل فكان واقف جنب الباب، ووشه اتغير تمامًا.
محمود كان ماسك دراعه.
قال:
“الطلقة ما جتش فيه.”
الأستاذ سامح جري ناحية فؤاد.
كان مصاب في كتفه بس.
فؤاد فتح عينه وقال:
“أنا كويس.”
نبيل حاول يهرب.
لكن الباب كان اتقفل.
محمود وقف قدامه.
“رايح فين؟”
نبيل رجع خطوة.
“ابعد.”
محمود قال:
“المرة دي مش هتهرب.”
في اللحظة دي سمعنا أصوات عربيات شرطة برا.
نبيل بص لكريم.
وكريم بص للأرض.
الأستاذ سامح قال:
“أنا بلغت الشرطة قبل ما ندخل.”
نبيل بدأ يصرخ:
“إنتوا فاكرين إن الموضوع خلص؟”
بصيت له.
“أيوه.”
ضحك.
“لسه ما تعرفيش الحقيقة.”
قرب مني.
لكن الشرطة دخلت في اللحظة دي وقبضت عليه.
كريم فضل واقف مكانه.
بصيت له.
كان وشه منهار.
قال:
“سارة…”
ما رديتش.
“أنا ما كنتش عايز الموضوع يوصل لكده.”
قلت:
“بس وصل.”
“أنا كنت مديون.”
“كان ممكن تشتغل.”
“كنت خايف.”
“كان ممكن تقول لي.”
“كنت عارف إنك هتسيبيني.”
ضحكت بمرارة.
“كان عندك حق.”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا حبيتك.”
بصيت في عينيه.
“يمكن.”
سكت.
“بس الحب من غير أمان ملوش معنى.”
الشرطة أخدته هو كمان للتحقيق بسبب التزوير والتحويلات والمشاركة في الخطة.
محمود اتعاون مع التحقيق واعترف بكل حاجة.
وأم كريم اعترفت هي كمان بكل اللي تعرفه.
أما فؤاد فدخل المستشفى.
وبعد أسبوع زرته.
كان قاعد على السرير وبيبص من الشباك.
قال:
“أبوك كان عارف إنك هتكرهيه.”
قلت:
“أنا ما كرهتوش.”
سكت.
“أنا زعلانة منه.”
ابتسم.
“وده كان أكتر شيء خايف منه.”
قعدت جنبه.
“ليه خبى عني موضوع أمي؟”
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
“أمك ما ماتتش في الحادث.”
اتجمدت.
“إيه؟”
قال:
“هي اختفت.”
“اختفت؟”
“كانت شاهدة على حاجة خطيرة تخص نبيل.”
“طب فين؟”
بص لي.
“مش عارف.”
“وأبويا كان عارف؟”
“أيوه.”
“وكان بيدور عليها؟”
“طول السنين.”
دموعي نزلت.
“ليه ما قالليش؟”
“علشان كان خايف إنك تدوري وراها وتتعرضي للخطر.”
رجعت البيت بعد الزيارة وأنا مش عارفة أعيط ولا أفرح.
فتحت باب شقتي.
دخلت.
كل حاجة كانت زي ما هي.
صورتي مع أبويا.
صورتي مع أمي.
صورتي مع كريم.
وقفت قدام صورة جوازي.
وشفت البنت اللي كانت واقفة جنب كريم وهي مبتسمة.
حسيت إني ببص لحد غريب.
دخلت أوضة أبويا اللي كنت محتفظة بحاجاته فيها.
فتحت درج قديم.
لقيت صندوق خشب صغير.
جواه رسالة.
كان مكتوب عليها:
“لسارة… لو عرفتِ كل حاجة.”
فتحتها.
وكانت آخر رسالة من أبويا.
“بنتي سارة.”
“أنا عارف إنك هتسألي ليه خليتك تعيشي وسط ناس ما استحقوش ثقتك.”
“الحقيقة إني كنت بحاول أديكي فرصة تختاري بنفسك.”
“كنت أقدر أمنع كريم.”
“وأقدر أمنع محمود.”
“وأقدر أفضح نبيل.”
“لكن لو عملت ده من غير دليل، كانوا هيتفرقوا ويرجعوا من طرق تانية.”
“أنا آسف إنك دفعتي تمن قراراتي.”
“لكن فيه حاجة واحدة عمري ما شكيت فيها.”
“إنك أقوى مما أنا كنت متخيل.”
وقفت عن القراءة.
مسحت دموعي.
كملت.
“الميراث الحقيقي اللي سايبهولك مش الفلوس.”
“الميراث الحقيقي إنك ما تسمحيش لأي حد يخوفك من إنك تبدأي من جديد.”
“ولو يوم حسيتي إنك خسرتي كل حاجة، افتكري إنك لسه عندك نفسك.”
“وده أغلى شيء.”
حضنت الرسالة.
ولأول مرة من يوم وفاة أبويا حسيت إني قدرت أتنفس.
مرت الشهور.
انتهت التحقيقات.
ثبتت عمليات التزوير والتحويلات المالية.
كريم اتحاسب على اللي شارك فيه.
ونبيل اتحول للمحاكمة في قضايا مالية وجنائية تانية.
محمود خسر كل الامتيازات اللي كان فاكر إنها مضمونة.
أما أنا فرفضت أبيع أي شيء.
رجعت شغلي.
وبدأت أدير الشركات اللي أبويا سابها.
في الأول كنت خايفة.
لكن كل مرة كنت أفتكر جملته:
“إنتِ أقوى مما أنا كنت متخيل.”
بعد سنة كاملة، كنت واقفة في نفس القاعة اللي اتقرت فيها وصية أبويا.
لكن المرة دي ما كنتش بنت مكسورة قاعدة تسمع مين هياخد إيه.
كنت أنا اللي ماسكة مفاتيح المكان.
وكان فيه صورة كبيرة لأبويا.
وقفت قدامها وقلت:
“سامحتك.”
وبعدها بصيت للصورة.
“بس مش هكرر أخطائك.”
خرجت من القاعة.
وفي إيدي آخر ملف كان أبويا سايبهولي.
ملف أمي.
ما فتحتهوش.
مش لأنني مش عايزة أعرف.
لكن لأنني أخيرًا بقيت أختار بنفسي.
قفلته وحطيته في درج مكتبي.
وقلت لنفسي:
“لما أكون جاهزة… هفتحه.”
رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
صوت ست كبيرة قال:
“سارة؟”
قلبي وقف.
“أيوه.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“أنا أمك.”
ما قدرتش أتكلم.
دموعي نزلت.
الست قالت:
“أنا آسفة إني اتأخرت.”
قفلت عيني.
وبعد سنين من الأسرار والخوف والخيانة، فهمت أخيرًا إن النهاية الحقيقية ما كانتش يوم قبضوا على كريم.
ولا يوم انكشف نبيل.
ولا حتى يوم عرفت حقيقة أبويا.
النهاية الحقيقية كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن حياتي ما انتهتش لما خسرت الناس اللي وثقت فيهم.
حياتي بدأت من جديد يوم بطلت أخاف من الحقيقة.
ويومها بس…
عرفت إن أبويا ما كانش بيسيب لي ميراث.
كان بيسيب لي فرصة أبدأ حياة ما فيهاش كذب.



