
محمد شافني
وقال
“تيتا”
أنا ما قدرتش أتكلم.
قرب مني
لكن وقف قبل ما يحضني.
سأل
“إنتي اللي وديتيني لبابا؟”
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت
“أيوه يا حبيبي.”
قال
“ليه؟”
دموعي نزلت
“كنت غلطانة.”
قال
“بابا قاللي إن ماما مش عايزاني.”
صرخت
“لأ!”
مريم مسكت إيدي
وقالت
“سيبيه يا أمي.”
لكن محمد فضل باصصلي
فقلت
“ماما كانت غلطانة يا حبيبي… بس ماما عمرها ما كانت عايزة تبعدك عن أمك.”
الولد قرب مني
وحضن رجلي
وقال
“ما تودينيش بعيد عن ماما تاني.”
وقتها أنا انهرت.
قعدت على الأرض وحضنته
وقلت
“والله ما هعمل كده تاني.”
وكان دي أول مرة أقول وعد وأنا عارفة إني مستعدة أدفع عمري كله عشان أوفيه.
—
المشهد الرابع
بعد شهور طويلة صدر الحكم النهائي.
الحضانة لمريم.
ولما الأستاذة نهى اتصلت وقالت لنا الخبر
مريم ما صدقتش نفسها.
قعدت تبكي
وأنا بكيت معاها
لكن كان لازم نستنى تنفيذ القرار.
وفي اليوم اللي محمد رجع فيه البيت
مريم كانت واقفة عند الباب من بدري
عاملة له أوضته الصغيرة
حاطة السرير
واللعب
والملابس
حتى اشترت له بدلة صغيرة.
لما العربية وقفت قدام البيت
محمد نزل
وجري ناحية مريم
وهي شالته
وضمت جسمه الصغير لصدرها
وهو قال
“أنا رجعت.”
مريم ردت
“إنت عمرك ما خرجت من قلبي.”
أنا وقفت بعيد
مش عارفة أقرب.
محمد شافني
وجري عليا
“تيتا!”
حضنته
وبكيت
لكن في اللحظة دي طليق مريم وقف قدام الباب.
قال
“أنا عايز أتكلم معاكِ يا مريم.”
مريم ردت
“قول.”
قال
“أنا غلطت.”
مريم سكتت.
قال
“أمي كانت بتقوللي إن الولد لازم يفضل عندنا وإنك مش هتعرفي تربيه.”
مريم قالت
“وإنت صدقتها؟”
سكت
وبعدين قال
“أنا كنت خايف أخسر ابني.”
مريم ردت
“وأنا كنت خايفة أخسره أكتر منك.”
بص لها
“ممكن أشوفه؟”
مريم سكتت
وبعدين قالت
“ابنك له حق يشوفك.”
أنا اتفاجئت.
بعد كل اللي حصل
لسه مريم عندها الرحمة دي.
لكنها كملت
“بس مش هتخليه يكرهني عشان ترضي أمك.”
هز راسه
“وعد.”
ومشي.
وقتها بصيت لمريم
وقلت
“أنا فخورة بيكي.”
ردت
“وأنا مش زعلانة منك زي الأول.”
قلت
“لسه؟”
قالت
“لسه جوايا وجع.”
نزلت عيني
قالت
“بس إنتي أمي.”
وبعدين حضنتني.
الحضن ده كان بالنسبة لي أغلى من الدنيا كلها.
لكن القصة ما خلصتش.
بعد فترة صغيرة وصلني خبر إن العريس اللي كنت بحاول أضغط عليها عشانه اتجوز واحدة تانية.
ولأول مرة ما حسيتش بالندم إنه راح.
بالعكس
حمدت ربنا.
لأن مريم كانت هتتنازل عن ابنها عشان راجل أنا كنت فاكرة إنه طوق نجاة.
وفي يوم رجعت من الشغل لقيت مريم قاعدة مع محمد بتذاكر له
محمد كان بيرسم صورة لعيلة صغيرة
أب وأم وطفل
وسألته
“إنت راسم مين؟”
قال
“أنا وماما وتيتا.”
ضحكت
وقلت
“فين بابا؟”
قال
“بابا يرسم نفسه.”
ضحكت مريم
وأنا ضحكت معاها.
لكن بعدها محمد سألني سؤال بسيط
“تيتا هو إنتي ليه وديتيني لبابا؟”
الضحكة اختفت من وشي.
قعدت جنبه
وقلت
“عشان كنت فاهمة غلط.”
“يعني إيه؟”
قلت
“كنت فاكرة إن الكبير دايماً بيعرف الصح.”
قال
“وإنتي مش عارفة؟”
ضحكت وسط دموعي
“أهو اتعلمت.”
وبعدين قلت له
“اتعلمت إن اللي بيحب حد ما يقررلوش حياته غصب عنه.”
وبصيت لمريم
“واتعلمت إن الأم مش بتكون أم عشان خلفت وبس… الأم بتحارب عشان ولادها.”
مريم ابتسمت
وأنا حسيت إن ربنا اداني فرصة أصلح جزء من اللي كسرته.
لكن بعد أيام
حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
مريم رجعت من المشغل وقالت
“يا أمي أنا هسيب الشغل.”
قلت
“ليه؟”
قالت
“لقيت شغل جديد.”
“فين؟”
قالت
“في مصنع ملابس كبير.”
سألتها
“مرتب أحسن؟”
قالت
“أحسن بكتير.”
فرحت
لكنها كملت
“وهقدر آخد محمد حضانة قريبة من الشغل.”
قلت
“طيب وإنتي هتعملي إيه؟”
ابتسمت
“هكمل تعليمي.”
بصيت لها بدهشة
“بعد كل السنين دي؟”
قالت
“آه.”
ضحكت
“عايزة أتعلم.”
قلت
“وأنا هساعدك.”
قالت
“إنتي؟”
قلت
“أيوه.”
وسكتت شوية
وبعدين قالت
“بس بشرط.”
قلت
“إيه؟”
قالت
“ما تدخليش في حياتي تاني إلا لما أطلب منك.”
ضحكت
وقلت
“حقك.”
وكان ده أهم درس اتعلمته.
—
المشهد الخامس والأخير
مرت سنتين.
سنتين غيروا كل حاجة.
مريم كملت تعليمها
واشتغلت
وبقت مسؤولة عن بيتها وابنها
ومحمد كبر وبقى طفل جميل متعلق بأمه بشكل كبير.
وأنا كمان اتغيرت.
بقيت قبل ما أقول رأيي أسأل
“إنتي عايزة إيه؟”
وبقيت أفهم إن المساعدة مش معناها إنك تمسك حياة اللي قدامك بإيدك وتحركها زي ما إنتي شايف.
وفي يوم كنت قاعدة في البيت
لقيت مريم داخلة
وفي إيدها ظرف.
قالت
“خدي ده.”
فتحته
لقيت فلوس.
قلت
“إيه ده؟”
قالت
“جزء من مرتبي.”
زعقت
“إنتي بتعملي إيه؟”
ضحكت
“بدفع مصاريف البيت.”
قلت
“إنتي بنتي.”
قالت
“وأنا مش عايزة أكون حمل عليكي.”
دموعي نزلت.
قلت
“إنتي عمرك ما كنتي حمل.”
سكتت
وبعدين قالت
“عارفة.”
محمد دخل يجري
“تيتا!”
حضنته
وبصيت له
لقيته كبر
وبقى أطول
وبدأ ينطق كلام كبير
قال لي
“تيتا أنا عندي مفاجأة.”
قلت
“إيه؟”
طلع من وراه ورقة
كانت رسمة
فيها أنا ومريم وهو
وإحنا ماسكين إيد بعض.
وتحتنا بيت كبير.
قال
“ده بيتنا.”
ضحكت
“إحنا عندنا بيت.”
قال
“لأ ده بيت جديد.”
مريم ضحكت وقالت
“محمد نفسه لما يكبر يبني لنا بيت.”
قعدت أبص لهم
وأفتكر اليوم اللي أخدته فيه من أمه.
اليوم اللي كنت فاكرة إني بصلح حياتها
والحقيقة إني كنت بهدها.
وقتها فهمت حاجة عمرها ما كانت هتدخل دماغي غير بعد اللي حصل.
مش كل قرار بنخده باسم الحب بيكون حب.
ومش كل نصيحة بنقولها لحد بتكون لمصلحته.
وأحياناً أكبر غلطة ممكن يعملها الإنسان إنه يفتكر إنه أدرى بحياة غيره من صاحب الحياة نفسه.
أما مريم
فما نسيتش اللي حصل
لكنها سامحتني.
وفي ليلة كانت قاعدة جنبي وقالت
“يا أمي”
قلت
“نعم؟”
قالت
“أنا ساعات بزعل لما أفتكر اليوم ده.”
نزلت عيني
“حقك.”
قالت
“بس تعرفي أكتر حاجة خلتني أسامحك؟”
بصيت لها
“إيه؟”
قالت
“إنك لما عرفتي إنك غلطانة ما كملتيش في الغلط.”
قلت
“أنا كنت خايفة أموت وأنا شايلة الذنب ده.”
ابتسمت
“ربنا لسه مديلك عمر عشان تصلحي.”
مسكت إيدها
وقلت
“أنا كل يوم بشكر ربنا إنه رجع محمد ليكي.”
قالت
“وربنا رجعلي أمي كمان.”
حضنتها
وفضلت أبكي.
أما طليقها فمع الوقت بدأ يلتزم بمواعيد رؤية ابنه
وبطل يسمع كلام أمه في كل حاجة
وبقى يتعامل مع مريم باحترام.
ما رجعوش لبعض
ومريم رفضت فكرة الرجوع تماماً
وقالت
“أنا مش عايزة أرجع لنفس الحياة.”
وكان قرارها صح.
هي اختارت نفسها وابنها.
وأنا أخيراً فهمت إن ده مش أنانية.
ده حقها.
وبعد كل اللي حصل
بقيت كل ما أشوف محمد نايم جنب أمه أفتكر اليوم اللي أخدته فيه من إيدها.
وأقول لنفسي
“يا رب سامحني.”
وأفتكر إني في يوم كنت بتمنى الموت من شدة الندم.
لكن ربنا علمني إن الندم الحقيقي مش إنك تعاقب نفسك
الندم الحقيقي إنك تصلح اللي تقدر تصلحه
ومتكررشي نفس الغلطة تاني.
ومن يومها
كل ما واحدة تحكيلي عن مشكلة بنتها
ما بقيتش أقول
“اعملي كذا.”
بقيت أقول
“إنتي عايزة إيه؟”
لأن مريم علمتني إن الإنسان ممكن يكون محتاج حضن مش حكم
ومحتاج حد يسمعه مش حد يقرر مكانه.
أما محمد
فكبر وهو عارف إن أمه اختارته
وإنها حاربت عشانه
وإن حتى تيتا اللي أخطأت في يوم
قضت باقي عمرها تحاول تصلح خطأها.
وفي آخر ليلة من السنة
كنت واقفة في البلكونة
ومريم ومحمد جوه بيضحكوا
وسمعت محمد بيقول
“ماما تعالي شوفي تيتا!”
دخلت
لقيته ماسك صورة قديمة لنا من أيام ما كان صغير.
بص للصورة وقال
“دي أنا؟”
قلت
“أيوه يا حبيبي.”
قال



