علم

زهرة الربيع

​صعبت عليا في اللحظة دي، بس رجعت قولت لنفسي: “سيبها تتعب.. خليها تشرب المر شوية وتعرف إن الله حق، يمكن لما تتهد في الشغل توافق وترجع الولد لأبوه وتخلص من الشيلة دي.”

​وراحت فعلاً اتفقت مع صاحبة عمرها، وصاحبتها دي توسطت لها واشتغلت معاها في مشغل خياطة. بقت تصحى من أذان الفجر، تشيل الولد على كتفها وهو نايم، وتروح بيه المشغل. كانت ترجع بالليل مهدودة، ضهرها مكسور من الوقفة والقعدة على المكن، والولد ينكد عليها ويعدي اليوم بعافية. وصاحبة المشغل شرطت عليها: “إياكي العيل ده يبكي ولا يطلع صوت، أنا ما بحبش دوشة العيال، ولو عمل قلق هقطع عيشك وعيش صاحبتك!”

​كانت عايشة في عذاب، طالعة نازلة بالولد، ناهيك عن المهددة كل شوية إنها تتطرد. بس كانت ساكتة وصابرة، وبدأ الموضوع يهدى شوية وقولنا العيشة همشي.. لحد بعد عدتها ما خلصت.

​اتقدم لها عريس.. راجل ميسور ومحترم وما يتعيبش في حاجة، بس كان ليه شرط واحد قالها: “أنا عايز نعيش لوحدنا، ومش عايز عيل راجل تاني يتربى في بيتي.”

​أنا قولت خلاص الدنيا هتتعدل! بس اتفاجئت بيها بترفض وبمنتهى البساطة بتقول: “مش هسيب ابني.. ومش هبدي راجل في الدنيا على ضنايا!”

​هنا العقل طار مني. ومسكتش. بقيت أزعق فيها وأصرخ طول الليل: “ده رماكي واتجوز وعايش حياته ومتهني! انتي كمان ارميله ابنه واتجوزي وشوفي دنيتك! هتضيعي شبابك عشان عيل بكره يكبر ويسيبك؟!”

لكن هي كانت زي الجبل، رافضة تماماً ومش راضية تسمع. لما لقيت كل محاولاتي فشلت، العصبية عمتني وحلفت لها بأغلظ الأيمان: “لو مودتهوش لأبوه ورجعتي لعقلك، ما أنتي قاعدة معايا في البيت ده دقيقة واحدة! شيلي شيلتك وروحي دوري لك على مكان تاني يلمك انتي وابنك!”

​البنت اتصدمت.. بصتلي بصة عمري ما هنسى كسرتها، عينها كانت بتقول “حتى انتي يا أمي؟”، وبكت بكاء يقطع القلب، ودخلت أوضتها وقفلت على نفسها وما ردتش بكلمة.

​تاني يوم الصبح بدري، قامت بنتي عشان تجهز وتروح المشغل، وكان الولد في إيدها. وقفت في طريقها وقولتلها بصوت ناشف: “استني عندك.. انزلي هاتي عيش من الفرن اللي على أول الشارع عشان ما عندناش عيش للفطور، وهاتي من العيش الكويس.”

لسه بتاخد الولد في إيدها عشان تنزل بيه، مسكت الولد من إيدها بحدة وقولتلها: “سيبيه معايا هنا عشان تجري على طول وترجعي بسرعة وما تتأخريش على شغلك.”

​أول ما بنتي خرجت اخدت الولد في إيدي من غير ما أفكر ثانية واحدة، ونزلت بيه جري. أخدت توك توك وطلعت بيه على بيت أبوه.

وصلت هناك وخبطت على الباب، خرجلي طليقها وهو مستغرب. زقيت الولد في وشه وقولتله بقسوة: “أم الولد هتتجوز خلاص وجايلها عريس، خد ابنك عندك خليه يتربى في أحضانك، جوزها الجديد مش عايز عيال غريبة في بيته والولد هيتبهدل!”

​طليقها أول ما سمع كلمة “هتتجوز”الشرار طار من عينه. أخد الولد بحدّة وقال بغضب مكتوم وغل: “هتتجوز؟! وأنا مش هسيب ابني لراجل تاني يربيه وقولي لبنتك ما تحلمش تلمح ضفر الولد ده تاني طول ما انا عايش!”

امه جات من جوه سمعتنا وقالت بغضب….تلمح مين ده لو جات بس تتطل عليه هكسر رجلها”

​رديت عليهم ببرود وقولتلهم: “ابقو خليكم قد كلمتكم بقى ومترجعهوش تاني!”

وسبتهم ومشيت وأنا حاسة بإنجاز.. حاسة إني عملت الصح اللي هيعدل حياتها، ورجعت البيت وأنا مطمنة إن بنتي خلاص هتضطر توافق على العريس.

​أول ما دخلت البيت، لقيت بنتي راجعة بالعيش، وبتبص حواليها وبتدور .. وسألتني بصوت مرعوب: “أمال فين محمد فين ابني يا أما؟ فين الولد؟”

بصلتلها ببرود وقولتلها: “رجعته لابوه خلاص.. وهكلم العريس وأهله يجوا النهاردة عشان نقرأ الفاتحة.”

​أول ما الكلمة طلعت من بقي.. العيش وقع من إيدها على الأرض، وجريت زي المجنونة برة البيت، من غير ما تنطق ولا كلمة، ولا حتى تعاتبني ​واللي حصل بعد كدة كان كابوس. هدّ حياتي وخلاني ألعن اليوم اللي اتولدت فيه، وأتمنى الموت كل لحظة على الحركة السودة اللي عملتها في حق بنتي وضناها…

#زهرة_الربيع

صلي على رسول الله

 

المشهد الأول

 

أول ما بنتي خرجت من البيت وهي بتجري من غير ما تقول كلمة وأنا واقفة مكانها مش فاهمة هي رايحة فين ولا هتعمل إيه حسيت لأول مرة إن في حاجة غلط

 

أنا كنت متخيلة إنها هتعيط شوية وترجع وتسلّم بالأمر الواقع

 

كنت متخيلة إنها لما تعرف إن محمد عند أبوه وإن العريس مستنيها توافق هتقول خلاص يا أمي يمكن دي فرصتي أبدأ من جديد

 

لكن بنتي مريم ما رجعتش

 

عدت ساعة واتنين وتلاتة وأنا قاعدة جنب الشباك وكل شوية أبص في الشارع

 

وبعدين المغرب أذن

 

ومريم لسه مرجعتش

 

بدأ قلبي يخبط

 

مسكت الموبايل ورنيت عليها

 

الموبايل كان مقفول

 

قولت يمكن بطاريتها خلصت

 

استنيت شوية ورنيت تاني

 

مقفول

 

وقتها بدأت أحس بالخوف

 

مش عليها بس

 

على محمد كمان

 

الولد اللي أنا بنفسي أخدته من إيد أمه وسلمته لأبوه

 

أنا اللي كنت شايفة إني بعمل مصلحة بنتي

 

لكن فجأة افتكرت عيني مريم وهي بتسألني

 

“فين محمد يا أما؟”

 

افتكرت العيش وهو واقع من إيدها

 

وافتكرت إنها خرجت تجري من غير حتى ما تغير هدوم الشغل

 

بدأت ألوم نفسي

 

لكن كنت لسه بكابر

 

قلت لنفسي

 

أكيد راحت لأبو محمد

 

أكيد هتعمل مشكلة وتاخده منه

 

وبكرة هترجع

 

عدت الساعة عشرة بالليل

 

والباب خبط

 

جريت عليه وأنا فاكرة إن مريم رجعت

 

لكن لما فتحت لقيت صاحبتها سعاد واقفة

 

وشها أصفر وعينيها مليانة خوف

 

قالتلي

 

“مريم عندك؟”

 

قلت لها

 

“لأ خرجت من الضهر ومجتش”

 

سعاد حطت إيدها على راسها وقالت

 

“يا نهار أسود”

 

قلبي وقع

 

قلت لها

 

“في إيه؟”

 

قالت

 

“أنا كنت في المشغل ولسه مروحة لقيتها جاية عندي وهي بتصرخ وبتقول محمد اتاخد منها وإنك إنتي اللي وديتيه لأبوه”

 

اتكسفت من نفسي

 

لكن كابرت وقلت

 

“أيوه أنا عملت كده عشان مصلحتها”

 

سعاد بصتلي بصة غريبة

 

وقالت

 

“مصلحتها؟”

 

قلت

 

“أيوه مصلحتها تتجوز وتعيش حياتها بدل ما تضيع عمرها في شغل وطفل”

 

سعاد سكتت شوية وبعدين قالت

 

“هي راحت لأبوه”

 

قلت

 

“عارفة”

 

قالت

 

“لا مش زي ما إنتي فاكرة”

 

قربت منها

 

“يعني إيه؟”

 

قالت

 

“مريم راحت هناك وكانت عايزة تاخد ابنها”

 

“وبعدين؟”

 

“أبو محمد وأمه طردوها”

 

حسيت إن نفسي اتقطع

 

قلت

 

“بس أنا قلت لهم ما يرجعوش الولد”

 

قالت

 

“هم ما رجعهوش فعلاً”

 

وسكتت

 

قلت

 

“ومريم؟”

 

سعاد بصتلي في عيني

 

“مريم اختفت”

 

رجلي ما شالتنيش

 

قعدت على الكرسي

 

“اختفت إزاي؟”

 

قالت

 

“قالتلي إنها مش هتسيب ابنها وإنها هتروح تجيبه مهما حصل وبعدها خرجت وأنا مش عارفة راحت فين”

 

فضلت ساكتة

 

وفي اللحظة دي رن الموبايل

 

رقم غريب

 

رديت

 

جالي صوت راجل

 

“حضرتك أم مريم؟”

 

قلت

 

“أيوه”

 

قال

 

“أنا من مستشفى…”

 

اللحظة دي الدنيا اسودت قدام عيني

 

مش فاكرة بعدها غير إني وقعت على الأرض.

 

لما فوقت كنت في المستشفى نفسها

 

وسعاد قاعدة جنبي

 

أول حاجة سألت عنها

 

“مريم؟”

 

سعاد مسكت إيدي

 

“مريم عايشة”

 

تنفست

 

لكنها كملت

 

“بس تعبانة أوي”

 

جريت ناحية أوضتها

 

لقيتها نايمة على السرير ووشها شاحب وذراعها متجبس

 

قعدت جنبها

 

“يا بنتي”

 

فتحت عينيها

 

وأول ما شافتني لفت وشها للناحية التانية

 

الكلمة دي قتلتني أكتر من أي حاجة

 

“محمد فين؟”

 

ما عرفت أرد

 

قالت

 

“خدتيه مني ليه؟”

 

دموعي نزلت

 

“كنت عايزة مصلحتك”

 

ضحكت ضحكة موجوعة

 

وقالت

 

“مصلحتي؟”

 

سكتت لحظة

 

وبعدين قالت

 

“إنتي مش بس خدتي ابني يا أمي… إنتي أخدتي مني الحاجة الوحيدة اللي كانت مخلية عندي سبب أعيش.”

 

فضلت أبكي

 

لكن اللي قالته بعدها كان أقسى

 

“محمد مش عند أبوه.”

 

رفعت راسي

 

“يعني إيه؟”

 

قالت

 

“أبوه سلمه لجدته.”

 

قلت

 

“ما هو عندهم”

 

هزت راسها

 

“لأ”

 

وبصوت مرتعش قالت

 

“أبو محمد وأمه أخدوه وسافروا بيه عند أهلهم من غير ما يقولولي.”

 

ساعتها حسيت إن الدم وقف في عروقي.

 

لأول مرة فهمت حجم اللي عملته.

 

أنا سلمت حفيدي بإيدي لناس بنتي كانت طول عمرها بتحكيلي إنهم أذوها.

 

وأنا اللي كنت فاكرة نفسي بنقذها.

 

كنت بفتح عليها باب جهنم.

 

 

—

 

المشهد الثاني

 

تاني يوم الصبح خرجت من المستشفى مع مريم بعد ما الدكتور طمنا عليها

 

رجعنا البيت

 

لكن البيت ما بقاش هو البيت

 

كل حاجة فيه كانت زي ما هي

 

الكرسي اللي كانت مريم بتقعد عليه

 

المكنة الصغيرة اللي كانت بتحط عليها هدوم محمد

 

لعبته البلاستيك اللي كان مرمي جنب الكنبة

 

كل حاجة كانت بتصرخ في وشي

 

أنا السبب

 

مريم دخلت أوضتها

 

ولقيت عربية محمد الصغيرة تحت السرير

 

طلعتها وقعدت على الأرض

 

وضمتها لصدرها

 

وأنا واقفة على الباب مش عارفة أقول إيه

 

قالت من غير ما تبصلي

 

“عايزة أروح أجيبه”

 

قلت

 

“هروح معاكي”

 

ردت

 

“لأ”

 

“ليه؟”

 

“عشان المرة اللي فاتت لما روحتي معايا ما كنتش عارفة إنك هتسلميه بإيدك.”

 

اتوجعت

 

لكن استحملت

 

قلت

 

“أنا غلطت”

 

قالت

 

“غلطتي مش صغيرة يا أمي”

 

وبعدين بصتلي

 

“بس أنا مش هضيع وقت في اللوم”

 

“هعمل إيه؟”

 

قالت

 

“هرجع ابني”

 

ومن هنا بدأت رحلة ما كنتش متخيلة إنها هتغير حياتنا كلنا.

 

روحنا بيت طليقها

 

خبطنا كتير

 

ما حدش فتح

 

سألنا الجيران

 

قالوا إنهم سافروا

 

رجعنا البيت

 

مريم اتصلت بطليقها عشرات المرات

 

كان بيقفل الخط

 

وفي الآخر بعتلها رسالة قصيرة

 

“الولد عند أمه ومش هتشوفيه.”

 

مريم انهارت

 

لكن بدل ما تستسلم قالت

 

“يبقى لازم أتصرف بالقانون.”

 

لأول مرة سمعتها تقول الجملة دي

 

“هرفع قضية.”

 

أنا بصتلها

 

“بس إنتي ممعاكيش فلوس”

 

قالت

 

“هبيع دهبي”

 

أنا عارفة إن دهبها كان مجرد دبلة وسلسلة صغيرة

 

لكنها شالتهم من درجها

 

وحطتهم قدامي

 

“دول يجيبوا محامي.”

 

قلت

 

“طب لو ما كفوش؟”

 

قالت

 

“هشتغل زيادة.”

 

سعاد قالت إنها هتساعدها

 

وبالفعل بدأنا ندور على محامية تساعدها في القضية

 

وبعد يومين لقينا محامية اسمها الأستاذة نهى

 

شرحت لمريم إن موضوع حضانة الطفل مش بيتحدد بمجرد إن الأب أو الأم عايز ياخده

 

وإن مصلحة الطفل هي الأساس

 

لكن كان لازم نعرف مكانه الأول

 

بدأنا نتحرك

 

ونسأل

 

ونجمع الورق

 

وفي وسط كل ده حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

 

جالنا اتصال من رقم غريب

 

مريم ردت

 

“ألو؟”

 

صوت ست كبيرة

 

“مريم؟”

 

مريم سكتت

 

قالت

 

“أيوه”

 

الست قالت

 

“أنا خالتك سلوى”

 

مريم استغربت

 

“خالتي؟”

 

قالت

 

“أخت أبوكي”

 

أنا افتكرتها

 

أخت أبوها كانت ساكنة في محافظة تانية ومقطوعة أخبارها من سنين

 

قالت لمريم

 

“سمعت اللي حصل”

 

مريم بدأت تبكي

 

قالت

 

“محمد اتاخد مني”

 

سلوى قالت

 

“أنا عرفت هو فين.”

 

مريم انتفضت

 

“فين؟”

 

قالت

 

“عند جدته من ناحية أبوه في قرية قريبة من بلدهم.”

 

مريم قامت من مكانها

 

“إنتي متأكدة؟”

 

“أيوه”

 

وبعدين قالت جملة خلتنا كلنا نسكت

 

“بس في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي.”

 

مريم سألت

 

“إيه؟”

 

قالت

 

“الولد مش كويس.”

 

الدنيا وقفت.

 

“يعني إيه مش كويس؟”

 

قالت

 

“من يوم ما خدوه وهو بيعيط ورافض الأكل وبيسأل على أمه.”

 

مريم شهقت

 

“محمد!”

 

وخرجت تجري من البيت

 

لحقتها أنا وسعاد

 

روحنا للموقف

 

ركبنا عربية

 

وطول الطريق مريم كانت ماسكة صورة محمد في موبايلها

 

كل شوية تبوس صورته وتقول

 

“استناني يا حبيبي… ماما جاية.”

 

وأنا كنت قاعدة جنبها

 

صامتة

 

وأول مرة في حياتي أدعي ربنا دعاء من قلبي

 

“يا رب رجعلي حفيدي… ولو لازم تاخد عمري كله خد عمري بس رجعه.”

 

وصلنا البلد

 

وسألنا عن البيت

 

لما وصلنا وقفنا قدام باب كبير

 

مريم نزلت من العربية

 

قبل ما تخبط سمعت صوت طفل بيعيط من جوه

 

عرفته فوراً

 

ده كان محمد.

 

مريم بدأت تخبط بجنون

 

“محمد!”

 

الصوت سكت

 

وبعدين سمعنا خطوات

 

الباب اتفتح

 

وكان طليقها واقف.

 

أول ما شاف مريم وشه اتغير

 

قال

 

“إنتي جاية هنا ليه؟”

 

مريم ردت

 

“عايزة ابني.”

 

ضحك

 

“ابنك؟”

 

قالت

 

“أيوه ابني.”

 

قال

 

“الولد عندنا.”

 

مريم قالت

 

“أنا أمه.”

 

رد ببرود

 

“وأنا أبوه.”

 

وقبل ما الكلام يكبر خرجت أمه

 

وبصت لمريم وقالت

 

“إنتي لو دخلتي البيت ده هبلغ عنك.”

 

مريم قالت

 

“بلغي عني عشان جاية أخد ابني.”

 

وفجأة ظهر محمد من خلف الستارة.

 

أول ما شاف أمه صرخ

 

“ماما!”

 

مريم حاولت تدخل

 

لكن طليقها وقف في طريقها.

 

محمد بدأ يجري ناحية الباب

 

وهو بيصرخ

 

“ماماااا!”

 

مريم وقعت على الأرض من العياط

 

وأنا حسيت إن قلبي بيتقطع.

 

الطفل وصل للباب

 

لكن أبوه شده بعيد

 

ومريم صرخت

 

“محمد!”

 

الولد فضل يصرخ

 

“ماما خديني معاكي!”

 

ومريم كانت بتحاول تدخل

 

لكن أمه قفلت الباب في وشنا.

 

وقتها مريم وقعت على الأرض

 

وأنا قعدت جنبها

 

وهي بتقول

 

“ده ابني يا أمي…”

 

وبعدين بصتلي

 

“إنتي عملتي فيا كده ليه؟”

 

ما لقيتش جواب.

 

لأن مفيش جواب يبرر اللي عملته.

 

 

—

 

المشهد الثالث

 

الأيام اللي بعدها كانت أصعب أيام في حياتنا.

 

مريم ما كانتش بتنام

 

كل ليلة كانت تصحى مفزوعة

 

وتقول

 

“محمد بيناديني”

 

وفي الحقيقة أنا كمان كنت بسمعه

 

مش عارفة هل ده صوت حقيقي ولا ضميري

 

بقيت ألوم نفسي على كل كلمة قلتها

 

“رجعيه لأبوه”

 

“اتجوزي”

 

“هتضيعي شبابك”

 

“بكرة يكبر ويسيبك”

 

كل كلمة كانت بتضربني في دماغي.

 

وفي يوم الأستاذة نهى اتصلت وقالت

 

“لازم نتحرك بسرعة.”

 

بدأنا الإجراءات

 

وكان لازم نثبت إن مريم هي الحاضنة وإن الطفل محتاج وجودها

 

وفي نفس الوقت كان لازم نثبت مكان الطفل

 

لكن المفاجأة كانت إن طليقها قدم طلب إنه هو اللي يحتفظ بالولد بحجة إن الأم بتشتغل ومش قادرة ترعاه

 

مريم لما سمعت الكلام انهارت

 

قالت

 

“هو اللي مش قادر يرعاه!”

 

وفعلاً كان واضح إن كلامه مجرد محاولة يضغط عليها.

 

لكن اللي كشفه كان أقسى.

 

الأستاذة نهى قدرت توصل لمعلومة إن الولد موجود في بيت جدته

 

وإنه مش مع أبوه طول الوقت

 

وإن أبوه بيروح شغله ويسيب الطفل هناك.

 

مريم قالت

 

“يبقى لازم آخده.”

 

لكن الإجراءات كانت محتاجة وقت

 

وفي الوقت ده وصلنا خبر إن طليقها ناوي يسافر بالطفل لبلد تانية عند عمه.

 

ساعتها الدنيا اتقلبت.

 

المحامية قالت

 

“لازم نتحرك فوراً.”

 

مريم كانت مرعوبة

 

“لو سافروا بيه مش هشوفه تاني.”

 

وفي نفس الليلة ركبنا عربية وروحنا هناك

 

لكن لما وصلنا لقينا البيت مقفول.

 

الجيران قالوا

 

“سافروا من الصبح.”

 

مريم صرخت

 

“سافروا فين؟”

 

قالوا

 

“قالوا رايحين عند قريبهم في الميناء.”

 

قعدت على الأرض

 

وأنا حسيت إن روحي بتطلع مني.

 

لكن سعاد قالت

 

“استني”

 

طلعت موبايلها

 

وقالت

 

“أنا كنت مصورة العربية اللي كانوا راكبينها.”

 

وبالفعل كانت واخدة صورة بالصدفة قبل ما نتحرك

 

رقم العربية ظهر في الصورة.

 

المعلومة دي ساعدتنا نوصل لمكانهم

 

وبعد ساعات من القلق عرفنا إنهم كانوا في الطريق لمحطة القطار

 

جرينا هناك

 

لكن القطار كان اتحرك.

 

مريم انهارت

 

وأنا قلت لها

 

“متخافيش”

 

بصتلي

 

“إنتي اللي عملتي ده.”

 

الكلمة دخلت في قلبي

 

لكن المرة دي ما زعلتش منها

 

قلت

 

“عارفة.”

 

قالت

 

“لو كنتي سيبتي محمد معايا من الأول…”

 

قاطعتها

 

“عارفة.”

 

“لو كنتي سمعتي كلامي…”

 

“عارفة.”

 

“لو كنتي صدقتيني…”

 

قلت

 

“عارفة يا بنتي.”

 

وسكتت

 

وبعدين حضنتها

 

لأول مرة من يوم المشكلة

 

وهي سابت نفسها في حضني

 

وبكت

 

وأنا بكيت معاها.

 

بعد يومين قدرنا نوصل لمكان الطفل

 

وكانت المفاجأة إن طليقها رجع به للبيت بعد ما عرف إن الموضوع دخل في إجراءات رسمية.

 

وبدأت جلسات المحكمة.

 

مرت أسابيع طويلة

 

وفي كل جلسة كانت مريم بتدخل وهي ماسكة صورة محمد

 

وأنا أقعد برا وأدعي.

 

وفي يوم صدر قرار مؤقت يسمح لمريم تشوف ابنها في مكان مخصص للزيارة.

 

أول زيارة كانت يوم مش هنساه طول عمري.

 

دخل محمد

 

وأول ما شاف مريم جري عليها

 

رما نفسه في حضنها

 

وقال

 

“ماما أنا زعلان منك.”

 

مريم شهقت

 

“ليه يا حبيبي؟”

 

قال

 

“عشان سبتيهم ياخدوني.”

 

مريم بكت

 

“ماما ما سابتكش.”

 

قال

 

“بس جدتي قالت إنك مش عايزاني.”

 

مريم حطت إيده على قلبها

 

“أنا لو عندي روح أديهالك.”

 

أنا كنت واقفة بعيد

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى