
اتصلت بيها فورًا.
ردت بعد أول رنة.
قلت
“مريم إنتِ تقصدي إيه؟”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
“إنت ماكنتش تعرف؟”
“أعرف إيه؟”
قالت بصوت منخفض
“أنا مش فاهمة أنت ليه ماقولتش الحقيقة.”
“حقيقة إيه؟”
قالت
“إن جوازك الأول مش هو المشكلة.”
“أمال إيه؟”
سكتت تاني.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم اتجمد في عروقي
“روح اسأل مراتك الأولى عن الورقة اللي أبوك كان سايبها عندها.”
قفلت المكالمة.
فضلت ماسك الموبايل وأنا مش فاهم.
أبويا؟
ورقة؟
إيه علاقة نادية بالموضوع؟
وفي اللحظة دي دخل ابني كريم من أوضته.
قال
“بابا؟”
بصيتله.
قال
“ماما كانت بتسأل عليك من الصبح.”
وبعدين بص في وشي وقال
“إنت متخانق مع حد؟”
قلت
“لا.”
قال
“طب ليه ماما كانت بتعيط النهارده؟”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
نادية كانت عارفة حاجة.
ومريم كانت عارفة حاجة.
وأنا الوحيد اللي مش عارف.
ولأول مرة حسيت إن السر اللي كنت مخبيه عن مراتي مش أكبر سر في البيت.
يمكن كان فيه سر تاني مستخبي من سنين.
سر له علاقة بأبويا.
وبجوازي الأول.
وبالسبب الحقيقي اللي خلّى مريم توافق تتجوزني من البداية.
المشهد الثاني
تاني يوم الصبح، ماقدرتش أستحمل.
كنت صاحي من قبل الفجر.
نزلت قعدت على القهوة لوحدي.
طلبت شاي ومقدرتش أشربه.
اتصلت بسامح.
رد بعد وقت.
“إيه يا محمود؟”
قلت
“إنت كنت تعرف؟”
“أعرف إيه؟”
“مريم.”
سكت.
قلت
“إنت كنت تعرف حاجة عن مريم؟”
قال
“يا عم اهدا. مالها مريم؟”
قلت
“هي قالتلي إني أسأل نادية عن ورقة أبويا.”
الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية.
عرفت إنه بيخبي حاجة.
قلت
“سامح رد عليا.”
قال
“أنا معرفش حاجة.”
“إنت اللي عرفتني عليها.”
“وأنا جبتلك عروسة يعني مش جبتلك مصيبة.”
صرخت فيه
“أمال ليه هي بتقول إنك كنت عارف؟”
قفل المكالمة.
اتصلت بيه تاني.
مردش.
رجعت البيت.
لقيت نادية في المطبخ.
وقفت قدامها.
قلت
“نادية.”
بصتلي.
“نعم؟”
“أبويا كان سايب عندك ورقة؟”
إيديها وقفت.
السكينة اللي كانت في إيدها فضلت ثابتة.
بصتلي شوية.
وقالت
“مين قالك؟”
اتوترت.
قلت
“يعني فيه؟”
حطت على الرخامة.
وقالت
“أيوه.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
“إيه الورقة دي؟”
قالت
“مش وقتها.”
“لأ وقته.”
“محمود إنت الأول قولي أنت كنت فين امبارح.”
سكت.
قالت
“إنت فاكر إني غبية؟”
ماعرفتش أرد.
كملت
“فاكر إني مش شايفة إنك من شهرين مش طبيعي؟”
قعدت على الكرسي.
قلت
“نادية أنا…”
قاطعتني
“اتجوزت.”
قلبي وقف.
رفعت عيني عليها.
قالت بهدوء غريب
“أيوه. إنت اتجوزت.”
قلت
“مين قالك؟”
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.
“مش مهم مين قاللي.”
قلت
“نادية أنا كنت هقولك.”
قالت
“إمتى؟ بعد سنة؟ بعد ما أخلفت منها؟ ولا لما هي كانت هتيجي تخبط على بابي؟”
قلت
“أنا غلطت.”
قالت
“إنت مش غلطت يا محمود. إنت اخترت.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي خناقة.
قلت
“أنا كنت فاكر إنك هتتقبلي.”
قالت
“وأنا كنت فاكرة إنك راجل أعرفه.”
سكتنا.
وبعدين دخلت أوضتها.
رجعت بعد دقائق وهي ماسكة ظرف قديم.
حطته قدامي.
وقالت
“دي الورقة اللي أبوك سايبها.”
فتحت الظرف.
طلعت ورقة قديمة.
خط أبويا كان واضح.
قرأت أول سطر.
“إلى ابني محمود…”
إيدي بدأت ترجف.
كملت القراءة.
“لو وصلت الورقة دي ليك بعد ما أموت فاعرف إن فيه حاجة لازم تعرفها عن زواجك…”
وقفت.
بصيت لنادية.
قالت
“كمل.”
كملت.
“أنا عارف إنك في يوم من الأيام ممكن تتخانق مع نادية وتفتكر إنك تقدر تعيش من غيرها. عشان كده كتبت الكلام ده.”
بلعت ريقي.
“نادية مش مجرد مراتك. نادية هي البنت اللي أنا اخترتها ليك بعد ما عرفت أبوها وأهلها. لكن السبب الحقيقي إني وافقت على جوازكم إن أبوها وقف جنبي في أصعب وقت في حياتي.”
قريت أكتر.
“وأنا عارف إنك ممكن تفتكر إن الجواز مجرد ورقة. لكنه عندي عهد. ولو في يوم غرّتك الدنيا وخليتك تبص لغيرها، افتكر إن اللي واقف جنبك وقت الشدة مش بيتقاس بجمال ولا بسن ولا بفلوس.”
وقفت عن القراءة.
بصيت لنادية.
قالت
“لسه فيه باقي.”
رجعت للورقة.
“وفي حاجة تانية لازم تعرفها. مريم اللي إنت اتجوزتها…”
توقفت.
الاسم كان مكتوب.
لكن باقي السطر كان ممزق.
رفعت الورقة.
“الباقي فين؟”
قالت نادية
“أنا معرفش.”
“مين قطعها؟”
قالت
“أنا.”
اتصدمت.
“إنتِ؟”
قالت
“أيوه.”
“ليه؟”
بصتلي وقالت
“لأني لما قريتها بعد وفاة أبوك خفت عليك.”
“خفت من إيه؟”
قالت
“من الحقيقة.”
قبل ما أسألها، سمعنا خبط شديد على الباب.
فتحته.
لقيت مريم واقفة.
وشها كان باين عليه التعب.
وأول ما شافت نادية، قالت
“أنا آسفة.”
نادية بصتلها.
مريم قالت
“أنا ماكنتش عارفة إنه مش عارف.”
قلت
“عارف إيه؟”
مريم بصتلي وقالت
“إن أبويا وأبوك كانوا شركاء.”
اتجمدت.
قالت
“وإن أبويا مات بعد ما خسر كل حاجة بسبب صفقة حصلت بينهما.”
بصيت لنادية.
قالت
“كملي.”
مريم قالت
“وأنا اتجوزتك عشان كنت فاكرة إن أبوك ظلم أبويا.”
سألتها
“يعني إيه؟”
قالت
“كنت فاكرة إنك عارف الحقيقة.”
قلت
“إنت اتجوزتيني عشان تنتقمي؟”
دموعها نزلت.
“في البداية.”
سكتنا.
وبعدين قالت
“لكن بعد ما عشت معاك اكتشفت إن الموضوع أكبر من كده.”
المشهد الثالث
كنت حاسس إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.
بصيت لمريم.
“يعني إيه في البداية؟”
قالت
“أنا اتجوزتك عشان أوصل للحقيقة.”
نادية قالت
“وأنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط.”
بصيت لنادية.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
قالت
“مش كل حاجة.”
مريم قعدت.
وقالت
“أبويا قبل ما يموت كان دايمًا بيقول إن شريكه خانه. وكان اسم أبوك هو الاسم الوحيد اللي بيفضل يتكرر.”
قلت
“أبويا عمره ما حكى الكلام ده.”
قالت
“عشان هو ماكانش الخاين.”
اتصدمت.
“أمال مين؟”
مريم بصتلي.
“سامح.”
سكتنا كلنا.
حسيت إن وداني بتطن.
سامح؟
صاحبي اللي كان بيقنعني أتجوز؟
اللي كان بيقولي إن الحياة هتبقى أحسن؟
اللي عرفني على مريم؟
قلت
“مستحيل.”
مريم قالت
“أبويا كان عنده مستندات تثبت إن سامح هو اللي زور أوراق الشركة وحط الخسارة على أبوك.”
نادية قالت
“وعشان كده أبو محمود كان سايب الورقة.”
قلت
“بس ليه سامح يعمل كده؟”
مريم قالت
“عشان الفلوس.”
سكتنا.
أنا افتكرت كل حاجة.
سامح كان دايمًا يعرف تفاصيل عن حياتي.
كان عارف إن علاقتي بنادية فيها مشاكل.
كان عارف إن نفسي أغير حياتي.
وكان هو اللي وراني صور مريم.
وقتها كنت فاكر إنه صاحبي وبيساعدني.
دلوقتي بدأت أشوف الموضوع من زاوية تانية.
هو كان بيدفعني بعيد عن بيتي.
ليه؟
عشان يوقعني؟
مريم قالت
“أنا لما وافقت أتجوزك كنت فاكرة إنك شريك في اللي حصل لأبويا.”
قلت
“وإنتِ عرفتي إمتى إني بريء؟”
قالت
“بعد شهر من جوازنا.”
“إزاي؟”
قالت
“لقيت مستند في حاجتي القديمة.”
طلعت من شنطتها ملف.
فتحته.
كان فيه صور أوراق قديمة.
إيصالات.
توقيعات.
تحويلات بنكية.
وفي الآخر صورة لعقد شراكة.
التوقيع كان توقيع سامح.
قلت
“إنتِ متأكدة؟”
قالت
“أيوه.”
نادية قربت من الورق.
قالت
“إنتِ كنتِ بتدوري على الحقيقة طول الفترة دي؟”
مريم هزت راسها.
“أيوه.”
“طب ليه ماقولتيش لمحمود؟”
قالت
“لأني اكتشفت حاجة تانية.”
بصيتلها.
“إيه؟”
قالت
“إن سامح هو اللي كان بيتصل بيا قبل الجواز.”
أنا اتخضيت.
“إيه؟”
قالت
“هو اللي كان بيقول لأهلي إن محمود عنده شغل كويس وإنه راجل قادر يصون بنتهم.”
نادية قالت
“يعني هو اللي رتب الجواز؟”
مريم قالت
“تقريبًا.”
بدأت أربط كل الخيوط.
سامح هو اللي عرفني عليها.
سامح هو اللي شجعني.
سامح هو اللي قاللي إنها هتكون سعيدة معايا.
سامح هو اللي كان كل شوية يسألني عن البيت.
سامح هو اللي كان بيحاول يخليني أخبي الجواز.
وفي نفس الوقت كان فيه سر قديم بينه وبين أبويا وأبو مريم.
قلت
“لازم أواجهه.”
نادية قالت
“مش لوحدك.”
بصيتلها.
قالت
“لو هو فعلًا وراء كل ده يبقى أكيد مش هيسيبك تواجهه بسهولة.”
مريم قالت
“أنا عندي دليل.”
قلت
“فين؟”
قالت
“في مكان ماحدش يعرفه.”
“فين؟”
قالت
“عند خالي.”
وبالفعل خرجنا التلاتة.
كان موقف غريب جدًا.
أنا ماشي بين مراتي الأولى ومراتي الثانية وأنا مش عارف أصلح حياتي ولا حتى عارف أبدأ منين.
لكن كان عندي إحساس إن الحقيقة أهم من أي حاجة.
وصلنا لخال مريم.
راجل كبير اسمه الحاج عبدالحميد.
أول ما شافني قال
“أبوك كان راجل محترم.”
بصيتله باستغراب.
قال
“واللي حصل بينه وبين أبو مريم كان بسبب واحد تالت.”
قلت
“سامح؟”
رفع حاجبه.
وقال
“إنت عرفت؟”
حسيت بقشعريرة.
قلت
“يعني كلام مريم صح؟”
قال
“صح.”
وبعدين دخل أوضة قديمة.
رجع بصندوق خشب صغير.
فتحه.
طلع منه فلاشة وملف.
قال
“أبوك سلّمهولي قبل ما يموت.”
قلت
“ليه ماقالليش؟”
قال
“لأنه كان خايف إنك تتورط.”
فتحت الملف.
لقيت صور مستندات.
وفي آخر الملف كان فيه تسجيل صوتي.
شغلناه.
وصوت أبويا طلع واضح.
“لو محمود سأل يومًا عن اللي حصل بيني وبين شريكي القديم فقولوله الحقيقة. سامح هو اللي سرق الفلوس وزور التوقيعات. وأنا رفضت أفضحه عشان مايتسجنش، لكنه رد الجميل بأنه شوه سمعتي.”
سمعت صوت تاني.
صوت سامح.
كان بيتكلم مع أبو مريم.
التسجيل كان قديم.
وفيه اعترافات واضحة.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
مريم كانت بتعيط.
قالت
“أبويا مات وهو فاكر إن أبوك هو السبب.”
نادية حطت إيدها على كتفها.
وقالت
“ربنا يرحمهم كلهم.”
لكن لسه المصيبة الأكبر ماخلصتش.
الحاج عبدالحميد بصلي وقال
“في حاجة أخطر.”
قلت
“إيه؟”
قال
“سامح مش كان عايز ينتقم من أبوك وبس.”
“أمال؟”
قال
“كان عايز يوقعك إنت كمان.”
المشهد الرابع
رجعت البيت وأنا حاسس إن حياتي كلها كانت مسرحية.
سامح ماكانش صاحبي.
كان شخص عارف نقطة ضعفي.
وكان بيستغلها.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني
ليه؟
تاني يوم الصبح، سامح اتصل.
رديت.
قال
“إنت زعلان مني؟”
قلت
“تعالى.”
“فين؟”
“البيت.”
سكت.
وبعدين قال
“ليه؟”
قلت
“عايز أشوفك.”
جالي بعد ساعة.
دخل وهو بيضحك.
“يا عم مالك؟”
قعد.
بصيتله.
قلت
“إنت ليه جوزتني مريم؟”
اتغير وشه.
ثواني.
وبعدين ضحك.
“إنت لسه بتفكر في الموضوع ده؟”
طلعت التسجيل وحطيته قدامه.
أول ما سمع صوته، وشه اتغير تمامًا.
قال
“إنت جبت ده منين؟”
قلت
“يعني مش هتنكر؟”
سكت.
قلت
“أبويا كان بريء.”
قال
“أبوك كان ضعيف.”
“إنت اللي خنته.”
صرخ
“أنا كنت باخد حقي!”
قلت
“حقك؟”
قال
“أبوك خد كل حاجة.”
“إنت اللي سرقت.”
قال
“أنا كنت شريكه.”
“وبعدين زورت.”
سكت.
وبعدين قال
“كنت فاكر إنك هتبقى أسهل.”
قلت
“يعني إيه؟”
قال
“إنت طول عمرك طيب وبتصدق بسرعة.”
ابتسم ابتسامة مستفزة.
“ولما شوفتك متضايق من حياتك قلت لنفسي ليه ماستغلش ده؟”
حسيت بالغضب.
قلت




