روايات وقصص

ابني ياسين ٢ حكايات صافي هاني

صرخت: “إنتي عايزة تقولي إن البنت مش بنت جوزي؟”

بدأت حماتي تبكي. قرب سامح وقال: “دي كانت أكبر مشكلة”.

جوزي: “اسكت”. فسكت سامح.

بص جوزي لأمه: “قولي الحقيقة”.

حماتي: “يوم ما اتولدت حصلت مشكلة في المعمل”.

ـ “أي مشكلة؟”

ـ “عينات الدم اتبدلت”.

جوزي: “وإيه علاقة ده بالأبوة؟”

حماتي: “التحليل اللي اتعمل بعدها طلع إن فيه اختلاف”.

جوزي: “اختلاف إيه؟”

ـ “فصيلة الدم”.

رد جوزي بسرعة: “فصيلة الدم مش دليل على الأبوة”.

سامح: “صح”. وسكت ثم أضاف: “بس كان فيه تحليل تاني”.

جوزي: “إيه؟”

سامح: “تحليل DNA”.

حسيت إني هقع، قال جوزي: “عملتوا تحليل DNA من غير علمي؟”

حماتي: “أيوه”.

ـ “والنتيجة؟”

مردتش حماتي، قرب منها جوزي: “والنتيجة إيه؟”

قالت: “طلعت إنك مش والدها”.

السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل بشكل يخوف. بصيت لجوزي، كان واقف ساكت كأنه فقد القدرة على الكلام، وبعدين قال: “مين أبوها؟”

حماتي: “معرفش”.

صرخ: “إنتي بتكذبي!”

ـ “والله ما أعرف”.

سامح: “أنا أعرف”.

لف له جوزي: “مين؟”

سامح: “التحليل الأصلي موجود”.

جوزي: “فين؟”

سامح: “عند الشخص اللي أخد البنت”.

قربت منه: “يعني اللي خطفها معاه نتيجة التحليل؟”

ـ “أيوه”.

جوزي: “وليه؟”

بص له سامح: “لأنهم مش عايزين البنت نفسها”.

اتسمرت وقلت: “يعني إيه؟”

ـ “هما عايزين يعرفوا مين أبوها”.

جوزي: “ليه؟”

مردش سامح، وبعدين قال: “لأن أبوها الحقيقي كان مرتبط بحاجة خطيرة جداً”.

غطت حماتي وشها، فقال جوزي: “إنتي كنتي تعرفي؟”

حماتي: “أنا كنت أعرف جزء”.

ـ “جزء إيه؟”

ـ “أبوها الحقيقي كان عنده سر”.

ـ “سر إيه؟”

رفعت حماتي عينيها: “سر لو ظهر ممكن يدمر ناس كتير”.

وفجأة موبايل جوزي رن برقم مجهول. رد، ومحدش اتكلم ثواني، وبعدين صوت راجل قال: “عايز بنتك؟”

جوزي: “إنت مين؟”

الصوت: “متسألش مين”.

ـ “رجع بنتي”.

ـ “هترجع”.

ـ “إمتى؟”

ـ “لما نعرف الحقيقة”.

جوزي: “أي حقيقة؟”

الصوت: “إنت مش أبوها”.

سكت جوزي، فكمل الصوت: “وأمك عارفة مين أبوها الحقيقي”.

بصيت لحماتي، والصوت قال: “واسألها عن اسم محمود”.

حماتي أول ما سمعت الاسم وقعت على الكرسي.

جوزي: “محمود مين؟”

اتقفلت المكالمة. بصينا لحماتي وكانت بتبكي وبتقول: “لا”.

قرب منها جوزي: “مين محمود؟”

هزت راسها: “محمود مات”.

سامح: “لأ”.

بصتله حماتي، فقال سامح: “محمود لسه عايش”.

سكتت، وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن المصيبة لسه في أولها: “محمود هو أبوها الحقيقي”.

وفي نفس اللحظة وصل على موبايل جوزي فيديو قصير. فتحناه؛ ظهر فيه مكان مظلم، وبعدين ظهرت الطفلة في الصورة كانت نايمة وبجانبها رجل مجهول. وقبل ما الفيديو يخلص ظهر وجه الرجل للحظة، شهقت حماتي وقالت: “يا نهار أبيض”.

جوزي سألها: “تعرفيه؟”

هزت راسها: “أيوه”.

قلت: “مين ده؟”

بصت لنا والدموع في عينيها وقالت: “ده محمود”.

لكن الفيديو انتهى، وقبل ما الشاشة تسود ظهر سطر واحد:

“لو عايزين البنت ترجع.. تعالوا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.. المستشفى.”

مسك جوزي مفاتيحه وقال: “هنروح”.

صرخت حماتي: “لو رحتوا هناك مش هترجعوا!”

لكن جوزي فتح الباب وقال: “المرة دي مش هسيب بنتي”.

وخرجنا من غير ما نعرف إن أول ما نوصل المستشفى هنكتشف إن الشخص اللي كنا بندور عليه من أول الليل كان مستنينا هناك، والأخطر إنه كان مستني جوزي بالاسم.

وصلنا المستشفى قبل الفجر بشوية، أنا كنت قاعدة جنب جوزي في العربية وياسين في الكنبة اللي ورا، وطول الطريق محدش اتكلم. كنت ماسكة إيد ياسين بإيدي وهو كل شوية يبصلي ويسَالَ: “ماما هنرجع بأختي؟”

وأنا رغم إن قلبي كان بيترعش كنت بقوله: “إن شاء الله يا حبيبي هنرجع بيها”.

دخلنا المستشفى من الباب الجانبي، سامح كان معانا، وحماتي كانت قاعدة في العربية ورافضة تنزل. وقف جوزي قدام باب المستشفى وقال: “إحنا جايين ناخد بنتنا ونرجع”.

بص له سامح وقال: “خليك مستعد لأي حاجة”.

دخلنا؛ المكان كان هادي بشكل غريب، الممرات فاضية والأنوار نصها مطفي. وصلنا للدور اللي كانت فيه غرفة الولادة يوم ما اتولدت، وأول ما وصلنا لآخر الممر شفناه.. راجل واقف كان هو نفسه اللي ظهر في الفيديو؛ محمود.

وقف جوزي قدامه وقال: “بنتي فين؟”

محمود: “في أمان”.

ـ “رجعها”.

أشار محمود ناحية غرفة صغيرة. دخلنا بسرعة ولقيناها نايمة في سرير صغير، أول ما شفتها جريت عليها وشيلتها، كانت دافية وبتتنفس، فضلت أضمها وأبوسها وأنا بعيط.

قرب ياسين وقال: “أنا قلتلك إني هحميكي”.

بص محمود لياسين وسكت.

جوزي: “دلوقتي عايز أفهم كل حاجة”.

محمود: “هتفهم”. وبص لحماتي اللي كانت لسه داخلة مع سامح وقال: “بس أمك لازم تقول الحقيقة”.

انهارت حماتي وقالت: “أنا كنت غلطانة”.

جوزي: “قولي”.

ـ “محمود كان جوزي قبل ما أتجوز أبوك”.

اتصدمت، وفضل جوزي ساكت. كملت حماتي: “انفصلنا من سنين”.

محمود: “وبعدين اتجوزت أبو أحمد”.

حماتي: “وبعد سنين رجع محمود يظهر في حياتي”.

بصيت لها: “وهي؟”

سكتت وبعدين قالت: “هي بنت محمود”.

غمض جوزي عينه كأنه كان مستعد يسمع أي حاجة إلا دي.

محمود: “أنا معرفتش إنها بنتي غير بعد الولادة”.

جوزي: “وليه أخدتها؟”

رد محمود: “أنا مخدتهاش علشان أؤذيها”.

قلت: “أمال ليه؟”

ـ “علشان أحميها”.

وبعدين حكى إن الدكتور أحمد فوزي كان متورط في تزوير ملفات المرضى وبيع معلوماتهم واستغلالها، وكان ملف الطفلة من الملفات اللي اتعرضت للتلاعب. اكتشف محمود الحقيقة وحاول يوقفه، لكن الدكتور هدده، ولما عرف إن محمود هو الأب الحقيقي حاول يستخدم الطفلة للضغط عليه. خافت حماتي وبدل ما تواجه الحقيقة أخفت كل حاجة، وكانت بتديها مهدئ بجرعات غير موصوفة علشان تفضل هادية وقت غيابنا.

وهنا انفجر جوزي فيها وقال: “إنتي كنتي ممكن تقتليها!”

بكت حماتي: “أنا عارفة”.

محمود: “هي غلطت”. وبص لياسين: “بس ابنك أنقذها”.

قرب جوزي من ابنه وحضنه وقال: “أنا آسف يا ياسين إني ما صدقتش إن فيه حاجة غلط من الأول”.

ياسين: “أنا كنت خايف”.

جوزي: “وأنا كان لازم أسمعك”.

بعدها وصلت الشرطة والجهات المختصة وتم التحقيق في كل حاجة. اتقبض على الدكتور أحمد فوزي بعد ما ظهرت الأدلة، وسامح قدم الملفات الأصلية اللي كان محتفظ بيها، وتم إثبات إن فيه تلاعب حصل في مستندات المستشفى. أما حماتي فاضطرت تواجه نتيجة تصرفاتها وكل اللي أخفته عننا.

والأيام اللي بعدها كانت صعبة جداً، لكن أهم حاجة إنها رجعت بيتها ورجعت تنام في سريرها بأمان. وبطل ياسين ينام تحت السرير، لكن فضل كل ليلة يدخل عند أخته قبل ما ينام، يبوس راسها ويقول: “تصبحي على خير”.

وفي ليلة وأنا واقفة عند باب أوضتها شفته بيغطيها بالبطانية، وبعدين بصلي وقال: “ماما”.

قلت: “نعم؟”

ـ “دلوقتي أقدر أنام في سريري؟”

ضحكت وسط دموعي وقلت: “أيوه يا حبيبي”.

ـ “علشان إنتي بقيتي بتحرسيها”.

حضنته وقلت: “وإنت كمان مش هتسيبها لوحدها أبداً”.

ابتسم وقال: “أبداً”.

ومن يومها فهمت إن الأطفال أوقات بيشوفوا حاجات إحنا الكبار مش بنلاحظها، وإن كلمة صغيرة من طفل ممكن تكون إنذار لحاجة كبيرة. ياسين كان عنده سبع سنين ومع ذلك كان الوحيد اللي حس إن فيه حاجة غلط. كان ممكن أفسر تصرفاته بالغيرة، وكان ممكن أزعقله وأجبره ينام في أوضته، لكن الحمد لله إني سمعت صوته في الليلة دي، لأن لو كنت تجاهلته مكنتش عارفة إيه كان ممكن يحصل.

فكبرت وهي محاطة بالحب، وعرفت بعد سنين إن أخوها كان أول شخص وقف جنبها وأول شخص حاول يحميها. وأكتر حاجة بتضحكني لحد النهارده إنها لما كبرت شوية وبقت تعرف تحكي، كانت كل ما تسمع قصة ياسين عن نومه تحت سريرها تقول: “يعني إنت كنت حارسي؟” فيضحك ويقول: “أيوه”. فترد عليه: “طب أنا كمان هبقى حارساك لما تكبر”. وساعتها كنت أبص عليهم وأحمد ربنا، لأن البيت اللي دخلته ليلة مليانة خوف وأسرار خرجت منه بعيلة اتعلمت أهم درس: إن الحقيقة مهما كانت صعبة أرحم بكتير من سر بيتخبى ورا الخوف، وإن أحياناً أصغر صوت في البيت هو اللي بيحاول ينقذ الكل.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى