
من أول يوم دخلت فيه البيت ده، كنت عارفة إن جوزي هو عين أمه اللي بتشوف بيها، ابنها الكبير وسندها، والراجل اللي شالت له في قلبها مكانة ميعلمش بيها إلا ربنا. حماتي لما ورثت من والدها زمان مبلغ محترم ومبلغ كويس جداً، ما فكرتش لحظة، لمت عيالها التلاتة؛ الاتنين الرجالة والبنت، ووزعت عليهم الورث بحق الله وزيادة، بس جوزي بالذات ميزته عن الكل وعطته بزيادة، بحجة إنه الكبير اللي هيشيل اسم العيلة ويكون ضهر للكل. وقتها الكل سكت، والدنيا مشيت عادي، ومرت الأيام والسنين، وكل واحد من العيال انشغل بحياته وببيته.
بعد ما بنتها اتجوزت وفضيت الشقة عليها، بقت عايشة لوحدها، والوحدة صعبة على الكبار، لحد ما بدأت صحتها تروح منها، والتعب يدب في عضمها. هنا جوزي ما ترددش لحظة، جه وقالي دي أمي اللي شالتني وربتني وميزتني عن الدنيا كلها، مش هسيبها للحيطان تاكل فيها، لازم تيجي تعيش معانا. أنا ساعتها ما نطقتش، جهزت لها أحسن أوضة في الشقة، فرشتها ورتبتها، وجت الست وقعدت وسطينا.
بس يا جماعة، من أول أسبوع حسيت إن في حمل تقيل جداً نزل على كتافي، حمل خانقني ومخليني حاسة إني هشيل ذنب كبير مش قده. الموضوع ما كانش مجرد خدمة ست كبيرة أو أكل وشرب، الموضوع كان أكبر من طاقتي بكتير. حماتي للأسف كان عندها تبول لا إرادي، وأنا بطبعي إنسانة
بقرف جداً جداً، قرف فوق الوصف، ومبستحملش حتى الهفوة. كان الموضوع بالنسبة لي كابوس يومي، في البداية يشهد عليا ربنا إني استحملت، والله والله كنت بتقي ربنا فيها على قد ما أقدر، وبحاول أغمض عيني وأقول دي في مقام أمي وليا أجر، بس مع الوقت، الشيطان بدأ يلعب في دماغي، وبقيت أحس إن تصرفاتها مش مجرد مرض وعجز، حسيت إنها قاصدة تعمل كدة وتكيدني، حاجة مقصودة منها عشان تذلني وتكسر نفسي في بيتي.
كنت أدخل لها الأوضة، أقعد جنبها وأقول لها بكل هدوء: يا ماما لما تعوزي تدخلي الحمام اندهي عليا في أي وقت، هزيني أو خبطي على الباب وأنا هاجي أجري أدخلك الحمام. أقسم بالله مفيش دقايق، أكون لسه محذراها ويدوب ألف ضهري وأخرج، ألاقيها عملت على نفسها وبهدلت الدنيا، السرير والمرتبة وهدومها ونفسها، والريحة تملى الشقة بطريقة وحشة جداً لا تطاق. الريحة كانت بتخنقني، وبدل ما أتعاطف، العصبية كانت بتعميني، ومن كتر القرف والغيظ من المنظر، كنت أحياناً بضطر إني أمد إيدي عليها وأضربها من غير ما أحس، كنت بضربها علشان بكون متضايقة ومغلولة من الريحة اللي مبتطلعش من مناخيري، والمصيبة إنها حتى بعد ما كنت أضربها، ترجع تعمل نفس العملة تاني يوم بتعمد غريب كان هيموتني من القهر.
فاض بيا الكيل ومبقتش قادرة أتنفس، صرخت في وش جوزي وقلت له: أنا
خلاص جبت آخري، مش عاوزاها تقعد معانا دقيقة واحدة، تعبت وزهقت والبيت ده يا أنا يا هي فيه، مش هكمل بالطريقة دي! جوزي وشه اتقلب، ولقى نفسه بين نارين، قالي: خلاص، هوديها عند أختي، هي بنتها وهتستحملها وتشيلها.
وفعلاً، أخدها ووداها عند بنتها، وأنا ساعتها حسيت إني اتنفست الصعداء وقلت الغمة انزاحت، بس الراحة مكملتش كام يوم، أخته برضه ما استحملتش بهدلتها، ورفعت السماعة عليه وقالت له بصوت باكي: تعالى خد ماما فوراً، أنا مش قادرة أتحمل الوضع ده. المشاكل ولعت بيني وبين جوزي، والخناقات ملت البيت، واضطر يجيبها ترجعلي تاني، كانت رجوعها كأنه حكم إعدام عليا.
بس الغريبة إنها المرة دي ما طولتش خالص، مجرد أسبوع واحد بس بعد رجوعها، وطلعت الروح لبارئها وماتت. يومها الكل بكى، وأنا مسحت دموع التماسيح وقلت خلاص العذاب خلص والبيت هيروق، بس مكنتش أعرف إن الموت كان بداية الحساب، وإن باب الجحيم الحقيقي هو اللي اتفتح على مصراعيه.
من يوم ما ماتت حماتي، واللعنة حلت علينا؛ ابني، حتة مني ومن قلبي، فجأة اتبدل حاله في رمشة عين، وقع في سكة ما يعلم بيها إلا ربنا، مشى مع أصحاب السوء، وفي غمضة عين، لقيت ابني الغالي مدمن وبيشرب “الزفت الأبيض”، وبقى مبهدلني وممرمط كرامتي وكرامة أبوه آخر بهدلة. عايشين ليل ونهار في غم وهم، يمكن الأيام
اللي حماتي كانت عايشاها معانا ما كانش فيها أي مشاكل غير تنضيفي وراها وقرفي منها، لكن من بعد ما اندفنت تحت التراب، بقت المصيبة الكبيرة والابتلاء اللي بيهد الحيل هو ابني اللي بيضيع قدام عينينا كل يوم.
لحد ما جت ليلة من أسبوع، سمعت فيها خبط ورزع مرعب في أوضة ابني وهو بيتشنج وبيصرخ بهستيريا، جريت عليه وفتحت الباب وأنا مرعوبة، لكن اللي شفته وقتها مش بس خلى ركبي تسيب، ده جمد الدم في عروقي وخلاني أتيقن إن حماتي مسبتناش، ولسه قاعدة في قلب البيت بتنتقم!
فتحت باب الأوضة وإيدي بتترعش، مش متخيلة إيه اللي ممكن ألاقيه جوة بعد الصوت المرعب ده. المنظر اللي شوفته هد حيلي وجمد الدم في عروقي؛ أحمد، سندي وفرحة عمري، كان مرمي على الأرض بين السرير والدولاب، بيتلوى زي الدبيحة، وشه محتقن وضارب لزرقة تخوف، وعينيه مقلوبة لفوق مش شايفني ولا حاسس بيا.
الواد كان بيتشنج بجسمه كله، وسنانه بتخبط في بعضها بصوت عالي كأنه بيقرش على زجاج، وبيطلع من بقه رغوة بيضا ممزوجة بلعاب سايل على خده ونازل على السجادة. المشهد كان أكبر بكتير من احتمالي، صرخت صرخة شقت سكوت الليل: «أحمد! فوق يا بني، رد عليا يا ضنايا!»، اتربيت على الأرض جنبه، وحاولت أرفع راسه وأحطها في حجري، بس جسمه كان متخشب بطريقة تفزع، عضلاته مشدودة كأنه بيقاوم قوة خفية
بتعصره عصر.




