عام

حماتي ناديه حكايات صافي هاني

سكتت.

وبعدين قالت:

«الفستان».

بصيت لها باستغراب.

قالت:

«أنا آسفة».

مكنتش متوقعة أسمع الكلمة دي منها في يوم زي ده.

فضلت ساكتة، لأن كلمة «آسفة» منها كانت حاجة عمري ما توقعتها.

قالت:

«أنا عارفة إن اللي عملته كان غلط».

قلت لها:

«مش بس غلط يا ماما. إنتي حاولتي تجرحيني قدام الناس، وسكتي لما قولتي إن الفستان صغير عشان أخس».

قالت:

«كنت فاكرة إني بساعدك».

رديت عليها:

«لا، إنتي كنتي بتعاقبيني على حاجة أنا مش مذنبة فيها».

نادية نزلت عينيها وقالت:

«أنا كنت شايفة إن ابني يستحق واحدة أفضل».

الجملة دي وجعتني، رغم إنها قالتها بهدوء.

لكن قبل ما أرد، سمعت جوزي بيقول:

«ماما كفاية. دي مراتي، وأنا مش هسمحلك تكسريها عشان ترضي غرورك».

نادية بصت له وقالت:

«إنت كمان ضدي؟»

رد:

«أنا مش ضدك، أنا ضد اللي عملتيه».

وبعدين حصل شيء غريب.

واحد من الضيوف رجع بسرعة وقال لجوز نادية:

«فؤاد، لازم تمشي دلوقتي. فيه ناس برا بتسأل عليك».

نادية قربت منه وقالت:

«مين؟»

رد:

«محامين ومحاسبين، والظاهر إن الموضوع وصل لمرحلة خطيرة».

نادية مسكت في إيد جوزها وقالت:

«فؤاد.. قولي الحقيقة. هو إحنا هنخسر كل حاجة؟»

هو بص لها وسكت.

وساعتها فهمت إن الصدمة الحقيقية لسه مجتش.

**المشهد الثالث**

عدت الأيام اللي بعدها ثقيلة جدًا.

الخبر انتشر وسط العيلة.

شركة جوز حماتي دخلت في أزمة مالية كبيرة بسبب مخالفات في حسابات أحد الشركاء، وكان فيه تحقيقات ومراجعات لكل التحويلات والعقود.

لكن المفاجأة إن نادية اكتشفت إن حياتها كلها كانت مبنية على صورة أكبر من الحقيقة.

البيت الكبير اللي كانت بتتباهى بيه، والعربيات، والحفلات، والسفر، والمظاهر.. كل ده كان جزء كبير منه قائم على ديون والتزامات مالية ضخمة.

وفي يوم، جوزي رجع البيت وقال لي:

«ماما باعت جزء من حاجتها».

سألته:

«ليه؟»

قال:

«عشان تسدد التزامات عاجلة».

وبعدين سكت شوية وقال:

«بس فيه حاجة تانية».

قلت له:

«إيه؟»

قال:

«ماما سألت عن الفستان».

استغربت وقلت:

«فستان إيه؟»

قال:

«الفستان اللي اشترتهولك».

وبعدين طلع موبايله ووراني رسالة من محل الملابس.

اكتشفت وقتها إن نادية كانت فعلًا هي اللي اختارت المقاس الأصغر.

مش بالصدفة، ولا بسبب خطأ في المقاسات.

كانت متعمدة.

لكن الرسالة الأهم كانت من صاحبة المحل، بتقول إن نادية وقت الطلب سألت تحديدًا عن مقاس أصغر من مقاسي بأربع درجات.

وساعتها جوزي قال:

«أنا آسف إني سكت وقتها».

قلت له:

«إنت سكت عشان مكنتش عايز تخسر أمك».

قال:

«لكن أنا خسرت ثقتك».

قلت له:

«وأنا مقدرة إنك اعترفت بده».

في اليوم اللي بعده، نادية طلبت إني أروح لها.

روحت.

لقيتها قاعدة في بيتها لأول مرة من غير أي مظاهر.

مفيش خدم، مفيش ضيوف، مفيش حفلات.

حتى المجوهرات اللي كانت بتحب تلبسها اختفت.

قالت لي:

«اقعدي».

قعدت.

قالت:

«أنا كنت غلطانة».

سكت.

قالت:

«كنت كل ما أبصلك أشوف واحدة أخدت ابني مني، لكن الحقيقة إن ابني هو اللي اختارك. وأنا بدل ما أفرح له، كنت بحاول أثبت لنفسي إنك مش مناسبة».

دموعها نزلت وقالت:

«الفستان كان تصرف حقير مني، وأنا عارفة إن كلمة آسفة مش هتمسح اللي حصل».

قلت لها:

«مش هطلب منك تمسحيه. أنا بس عايزاكي متكرريهوش».

قالت:

«مش هكرره».

وبعدين قالت حاجة فاجأتني:

«إنتي فاكرة إن اللي حصل في الحفلة كان عقاب ليا؟»

بصيت لها.

قالت:

«لكن أنا اكتشفت إن العقاب الحقيقي كان إني بقيت وحيدة».

كل الناس اللي كانت بتيجي عشان الحفلات اختفت.

اللي كان بيحب الفلوس اختفى لما الفلوس قلت، واللي كان بيجاملني اختفى لما مبقاش عندي حاجة أديها له.

وبعدين مسكت إيدي وقالت:

«لكن إنتي جيتي.. رغم كل اللي عملته فيكي».

أنا اتأثرت جدًا وقلت لها:

«أنا جيت عشان إنتي أم جوزي، وعشان أنا مش عايزة أعيش عمري كله شايلة كره جوايا».

ساعتها نادية حضنتني.

وأول مرة أحس إن الحضن ده كان حقيقي.

مش تمثيل قدام الناس.

**المشهد الرابع والأخير**

بعد شهور طويلة، الأمور بدأت تستقر تدريجيًا.

جوز حماتي قدر يعيد ترتيب التزاماته، وبعض المشاكل المالية اتحلت بعد ما ظهرت حقيقة إن جزء كبير من الأزمة كان بسبب شريك سابق اتصرف بشكل غير قانوني.

لكن حياتهم اتغيرت للأبد.

نادية مبقتش تعمل الحفلات الضخمة، ولا بقت تهتم إن كل حاجة تكون أغلى من اللي عند غيرها.

بالعكس، بقت تدعو عدد صغير من الناس، وتعمل أكل بسيط، وتقعد بنفسها مع الضيوف.

وفي أول عيد بعد الأزمة، حصل موقف عمره ما هينساني.

نادية بعتت لي ظرف.

فتحته، لقيت جواه فستان أزرق، المقاس بتاعي بالظبط.

ومعه ورقة صغيرة مكتوب فيها:

«الفستان ده مش عشان تغيري نفسك. الفستان ده عشان تفتكري إنك جميلة زي ما إنتي».

دموعي نزلت من غير ما أحس.

وروحت لها.

لقيتها مستنياني.

قلت لها:

«إنتي اللي اخترتيه؟»

قالت:

«أيوه».

وقعدت جنبي وقالت:

«المرة دي سألت جوزك عن مقاسك».

ضحكنا إحنا الاتنين.

ومن يومها علاقتنا اتغيرت تمامًا.

مش معنى كده إن كل حاجة اتنسيت.

لأ.

أنا لسه فاكرة الوجع، ولسه فاكرة اليوم اللي وقفت فيه قدام المراية وأنا حاسة إني أقل من كل الستات اللي في الحفلة.

لكن اتعلمت حاجة مهمة جدًا:

إن كلام أي حد عن شكلي مش هو اللي بيحدد قيمتي.

وإن الإنسان ممكن يخسر فلوسه وبيته ومظاهر حياته، لكن لو عنده ناس بتحبه بجد، يقدر يبدأ من جديد.

أما نادية، فاتعلمت درس أصعب:

إنك ممكن تمتلك أغلى فستان في المكان، وتلبس أفخم مجوهرات، وتعمل أكبر حفلة، لكن لو قلبك مليان غرور وقسوة، كل ده مش هيخلي الناس تحبك.

وفي ذكرى جوازهم الحادية والأربعين، نادية قررت تعمل حاجة مختلفة.

مفيش مطعم فاخر.

مفيش مئات الضيوف.

مفيش شروط للبس.

جمعت أولادها وأحفادها وأقرب الناس ليها في بيتها.

وكانت السفرة بسيطة:

أكل بيتي، وكعكة صغيرة.

وفي آخر الليلة، قامت نادية وقالت قدام الكل:

«السنة اللي فاتت كنت فاكرة إن قيمة الإنسان في اللي يقدر يشتريه. النهارده عرفت إن قيمة الإنسان في اللي يفضل واقف جنبه لما كل حاجة تانية تقع».

وبعدين بصتلي وقالت:

«وأنا أكتر واحدة مدينة بالاعتذار للإنسانة دي».

الناس بصوا لي.

ابتسمت لها، ومسكت إيدها.

لأن وقتها فهمت إن أجمل انتصار مش إنك تشوفي الشخص اللي أذاكي بيتعاقب.

أجمل انتصار إنك تخرجي من أذاه من غير ما يتحول قلبك لنسخة منه.

ومن يومها، كل ما أشوف الفستان الأزرق في دولابي، بفتكر اليوم ده.

اليوم اللي حماتي حاولت تحسسني إني مش كفاية، لكن ربنا وراني إن قيمتي عمرها ما كانت في مقاس فستان، ولا في رأي حد، ولا في شكل جسمي.

قيمتي كانت في نفسي، وفي بيتي، وفي الإنسان اللي اختارني وفضل متمسك بيا.

والأهم، إني عرفت إن اللي بيحاول يكسر غيره عشان يحس إنه أعلى منه، غالبًا بيكتشف في النهاية إن المشكلة عمرها ما كانت في الشخص اللي قدامه.

المشكلة كانت جواه هو.

ودي كانت بداية جديدة لينا كلنا.

نادية بدأت تتغير، وأنا بدأت أثق في نفسي أكتر، وجوزي اتعلم إنه لازم يحط حدود واضحة بين حب الأم وحماية زوجته.

ومن يومها، مفيش حفلة اتعملت عندنا إلا وكان أهم شرط فيها:

إن كل واحد يدخلها وهو مرتاح.

مش مهم لابس إيه، ولا جسمه شكله إزاي، ولا معاه فلوس قد إيه.

المهم يخرج منها وهو حاسس إنه محبوب ومحترم.

وده كان أغلى درس اتعلمناه كلنا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى