
وفي لحظة، الشارع كله اتملى بالناس، أحمد أخو بنتي ما استناش لما الشومة تنزل على راس أبونا المريض؛ في ثانية كان طاطا وجري زق مجدي بكتفه بكل قوته، أوقعه على الأرض والشومة طارت من إيده. البلطجية اللي كانوا مع مجدي جم يتدخلوا يضربوا، لكن الشارع بتاعنا ما كانوش واقفين يتفرجوا.
شباب بلدنا ورجالتها، أول ما شافوا المنظر وجرأة الغريب إنه يرفع سلاح على كبارات البلد في عقر دارهم، نزلوا عليهم زي السيل! في دقائق معدودة، البلطجية اترموا على الأرض وانضربوا علقة موت، والشوم اتكسر على ضهورهم، ومجدي كان تحت إيدين أحمد وأخوه الصغير، وشه اتملى تراب ودم، وأمه في أول الشارع بتلطم على خدودها وتصرخ:
* “الحقوني يا ناس! هيقتلوا ابني! يا ناس يا ظالمين!”
شيخ البلد جرى في وسط المعمعة، وحجز بين الناس بالعافية، ومسك أحمد وقال بصوت عالي:
* “أوعى يا أحمد! أوعى تعصي ربنا وتودي نفسك في داهية عشان حتة عاطل! سيبه، القانون هو اللي هيجيب حقكم، والبوليس على وصول!”
فعلاً، جارنا الصغير كان طلب النجدة أول ما الحادثة بدأت. وما هي إلا دقائق، وسمعنا سرينة بوكس الشرطة نازلة تجري في الشارع. الظابط والعساكر نزلوا، ولموا مجدي والبلطجية اللي معاه وأمه، وأخدوا أحمد وأبويا عشان يعملوا المحضر.
في نقطة الشرطة، مجدي كان واصل لقمة الجبن والخواف، قعد يعيط قدام الظابط ويقول:
* “أنا مجني عليّ يا باشا! أنا كنت رايح أزور ابني وهما اتجمعوا عليّ وضربوني وأخدوا حاجتي!”
لكن الظابط بص له بقرف، وكان أهل المنطقة والجيران نازلين شهدوا في المحضر بالتفصيل: إن مجدي جه ببلطجية وسلاح، وشتم وهدد باقتحام البيت، ورفع الشومة على راجل مريض كبر في السن.
الظابط كتب المحضر بنفسه: “شروع في اقتحام منزل، وتهديد بالسلاح، واستعراض قوة، وبلطجة.”
وأمر بتحويل مجدي والبلطجية للنيابة فوراً متكلبشين!
أمه قعدت تحت رجلين أبو بنتي في النيابة تبكي وتترجاه:
* “سامحنا يا حاج! اعفُ عن ابني عشان خاطر ابنكم الصغير يوسف! والله ما هنقرب لكم تاني، وهنعمل كل اللي أنتم عايزينه!”
أبو بنتي بص لها بثبات وقسوة أول مرة أشوفها في عينيه، وقال لها بكل ثقة:
* “لما كان ابنك بيرميني أنا ومراتي وبنتي في الشارع وهيا بتولد، ما افتكرش إن فيه ربنا ولا افتكر يوسف! القانون هو اللي بيننا، والشرع هو اللي يحكم.”
النيابة أمرت بحبس مجدي والبلطجية أربعة أيام على ذمة التحقيق، وأتجددت لهم أربعطاشر يوم كمان.
وفي أثناء ما كان مجدي محبوس ومربوط في حكايته، جه القرار المنتظر من المحامي العام: تمكين بنتي رسميًا من شقة الزوجية هي وصغيرها يوسف، مع إجبار المحكمة لمجدي بالتنفيذ بواسطة القوة الجبرية!
الخبر نزل على أم مجدي زي الصاعقة. الشقة اللي كانت بتحارب عشانها وتذلنا بيها، بقت بحكم القانون ملك لبنتي وابنها تقعد فيها وتعيش معززة مكرمة، ومجدي محبوس على ذمة قضية بلطجة وشروع في اعتداء.
أنا وبنتي وقيدنا بنستعد ليوم التنفيذ، أخدت بنتي في حضني وقعدت أهدس في أذنها:
* “شفتي يا بنتي؟ حقك جه لحد عندك من غير ما نطيح ولا ننسى أصولنا.. بكرة تنزلي شقتك وراسك مرفوعة للسما.”
لكن قبل يوم التنفيذ بليلة واحدة بس، التليفون رن، والمحامي كلمنا بصوت مستعجل وفيه مفاجأة أخيره ما كانتش على بال حد خالص!
صوت المحامي كان على التليفون فيه نبرة تعجب وذهول، قال لأحمد أخو بنتي بصوت حاسم:
* “يا أحمد، كلمني محامي مجدي من جوه، مجدي ومحاميه طالبين الصلح والتنازل عن قضية البلطجة بأي شكل.. ومستعدين ينفذوا كل شروطكم بالحرف الواحد الليلة دي قبل ما يتعرض بكرة على القاضي في التجديد، لأن مجدي مهدد بالحبس سنة على الأقل مع الشغل والنفاد!”
أبو بنتي سمع الكلام، وبص لينا كلنا وقال بنبرة راجل مجرب الدنيا وعارف أصولها:
* “نروح ونسمع.. إحنا أصحاب حق، ومش هواة أذية، بس الشروط تكون حاسمة وبتضمن حق الصغير وأمه لل أبد، وما نسيبش ثغرة يفكر يلعب منها تاني.”
في صباح اليوم التالي، وفي مكتب المستشار المحامي، قعدنا كلنا. مجدي كان جاي مع حراسة الشرطة من المحبس، متكلبش، وشه أصفر وشاحب، عينيه في الأرض ومش قادر يرفع عينيه في عين أبو بنتي ولا إخواتها. أمه كانت قاعدة في الزاوية، منطوية ودموعها نازلة على خدودها، قاسية زمانها بقت مكسورة ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة من اللي كانت بتذلنا بيها!
المحامي طرد كل الأوهام وفتح الملفات، وبدأ يملي شروطنا بصوت جهوري:
* “أولاً: تنازل مجدي التام والنهائي عن أي اعتراض على تمكين الزوجة وابنها من شقة الزوجية بكافة محتوياتها وقايمتها.
ثانياً: دفع كافة المصاريف الطبية وفواتير المستشفى والولادة كاش وفوراً قبل التوقيع.
ثالثاً: كتابة التزام كتابي وتعهد رسمي بنفقة شهرية ثابتة للصغير وأمه تُخصم مباشرة من مرغباته في الشركة.
رابعاً: الطلاق البائن في التو واللحظة عند المأذون، دون أي مساس بحقوق البنت أو القايمة أو مؤخر الصداق!”
مجدي بص لأمه بعين مكسورة، ورجع بص للمحامي ونطق بصوت مرعوش ومبحوح:
* “أنا موافق على كل الشروط.. موافق على أي حاجة بس اخرج من هنا وما أضيعش مستقبلي وشغلي!”
أمه قامت وبصت لأبو بنتي وقالت وهي بترتعش:
* “سامحنا يا حاج.. إحنا ظلمنا بنتك وحسبناها غلط، وافتكرنا إنها مقطوعة من شجرة. اعفُ عن ابني يخرج لبيته وشغله وهنعمل كل اللي طلبتوه وزيادة.”
أبو بنتي وقف بثبات وقار، وبص لمجدي وقال له كلمتين نزلوا عليه زي الساطور:
* “أنا مش هسجنك عشان خاطر ابنك الصغير لما يكبر ما يتقالش أبوه كان محبوس في بلطجة.. لكن الطلاق هيتم، وحق بنتي وابنها تاخده بالقانون والشرع، عشان تتعلم إن بنات الناس مش لعبة، وإن اللي يظلم مراته وأم ولده، ربنا بيخليه يركع تحت رجلين اللي ظلمهم!”
وتمت الإجراءات كلها في ساعات؛ اندفعت المصاريف بالكامل، واتوقعت الأوراق وتعهدات النفقة، وأتم المأذون الطلاق البائن وسط صمت ذهول من مجدي وأمه. خرجنا من المحكمة ورؤوسنا مرفوعة للسماء، وبنتي شايلة يوسف في أحضانها، وعينيها بتلمع بنور الحرية والكرامة اللي اتعادت لها بعد طول عذاب.
رجعت بنتي لبيتنا، معززة مكرمة، شقتها محفوظة بقوة القانون، ونفقتها ونفقة ابنها بتوصل لها لحد باب بيتها كل شهر من غير ما تشوف وشه ولا تبص في عينيه. يوسف كبر بين أهله، في بيت جده، بين رجالة بجد علموه الأصول والحق والشهامة.
الحكمة:
> إن الظلم ظلمات يوم القيامة، وبنات الناس ليسبن سلعة تُباع وتُشترى ولا عقبات تُستباح. من ظن أن طيبة أهل العروس وأصلهم ضعفٌ فهو واهم، فالخير والأصل إذا قوبلا بالإهانة والجشع، تحولا إلى حصنٍ من فولاذ وقوة لا تُقهر بالقانون والشرع.
> يا كل زوج ويا كل حماة: اتقوا الله في بنات الناس، فالحمل والولادة ميثاق غليظ ورسالة ربانية، ومن يتخلى عن زوجته وابنه في أضعف لحظاتهم من أجل جشع المادة أو طاعة أعمى للباطل، خسر الدنيا والآخرة، ورده الله صاغراً خائباً ولو بعد حين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


