منوعات

ولاده قيصريه حكايات صافي هاني

— فاكرة كل حاجة… وعايزة أرجع أشتغل من أول النهارده.

 

سكت ثواني وقال:

 

— واضح إن الموضوع كبير.

 

بصيت لمليكة وقلت:

 

— أكبر مما تتخيل.

 

وقبل ما أقفل، وصلني إيميل جديد.

 

إخطار قانوني ببدء إجراءات مطالبة مالية باسمي.

 

أمي بصتلي.

 

— هتعملي إيه؟

 

قفلت اللابتوب بهدوء وقلت:

 

— ولا حاجة… لحد ما هم يجمعوا كلهم بكرة.

 

— وبعدها؟

 

ابتسمت:

 

— بعدها هنخليهم يسمعوا الحقيقة كاملة.

 

—

 

المشهد الثاني: غداء العيلة

 

يوم الأحد، من الساعة الظهر، كان بيت حاجة صبحي مليان عربيات.

 

أعمام هشام، وخالاته، وأخواته، وضيوف من بره العيلة.

 

حاجة صبحي كانت واقفة في الصالة بفستان جديد، بتوزع التعليمات كأنها صاحبة فندق.

 

— حطوا السفرة هنا!

 

— خلي القهوة بعد الأكل!

 

— فين هشام؟

 

رد عليها واحد من إخواته:

 

— لسه بيكلم مراته.

 

ابتسمت ابتسامة ساخرة.

 

— مراته؟ دي لو كانت بتحترم بيت جوزها كانت جات من بدري.

 

وفجأة جرس الباب رن.

 

دخل هشام.

 

الكل بص وراه مستني يشوفني.

 

لكن اللي دخل بعده ماكانتش أنا.

 

كان محامي ومعاه موظف توثيق، وشخص آخر يحمل ملفاً كبيراً.

 

حاجة صبحي عقدت حواجبها.

 

— مين دول؟

 

هشام اتوتر.

 

— أمي… دول جايين معايا.

 

بصت له باستغراب:

 

— معاك ليه؟

 

قبل ما يرد، الباب اتفتح تاني.

 

ودخلت أنا.

 

لابسة عباية واسعة، ماسكة مليكة، وأمي ماشية جنبي.

 

البيت كله سكت.

 

حاجة صبحي قالت:

 

— أخيراً! اتأخرتي ليه؟ يلا ادخلي المطبخ، الضيوف مستنيين.

 

ابتسمت لها.

 

— أنا مش جاية أخدم.

 

وشها اتغير.

 

— أمال جاية ليه؟

 

حطيت مليكة في حضن أمي، وطلعت ملف من الشنطة.

 

— جاية أرجعلك حاجة تخصك.

 

قالت بعصبية:

 

— تخصني إيه؟

 

حطيت الملف على الترابيزة.

 

— دي كل العقود اللي استخدمتي فيها اسمي واسم أمي كضمان.

 

الوجوه اتغيرت.

 

أخو هشام قرب من الورق.

 

— إيه الكلام ده؟

 

قلت:

 

— الكلام إن المعرض عليه ديون، وإنكم حطيتوا اسمي واسم أمي كضامنين من غير علمنا.

 

هشام حاول يقاطعني:

 

— إحنا هنحل الموضوع بينا.

 

بصيت له.

 

— لأ يا هشام. الموضوع خرج من بينا من أول لحظة اتعمل فيها توقيع مزور باسمي.

 

حاجة صبحي صرخت:

 

— إنتِ بتتهميني بالتزوير؟!

 

رديت بهدوء:

 

— أنا ما اتهمتش حد. أنا جبت مستندات، والمحامي هو اللي هيشرح.

 

المحامي فتح الملف وقال:

 

— عندنا طلب رسمي لفحص التوقيع الإلكتروني، وسجل الدخول، وعنوان الجهاز اللي تم منه اعتماد المستندات.

 

وش حاجة صبحي اصفر.

 

وأكمل:

 

— والأهم إننا لقينا إن الحساب المستخدم في إصدار بعض المستندات مرتبط بجهاز موجود في مقر المعرض.

 

الكل بص لأخو هشام.

 

هو ارتبك وقال:

 

— أنا ماليش دعوة!

 

ابتسمت.

 

— عشان كده أنا ساكتة ومش بتهم حد.

 

حاجة صبحي خبطت بإيدها على الترابيزة.

 

— إنتِ جاية تفضحينا وسط الناس؟!

 

قلت:

 

— لا.

 

وقفت لحظة.

 

— أنا جاية أمنعكم تفضحوني بورق مزور.

 

—

 

المشهد الثالث: السر اللي هشام خباه

 

هشام شدني ناحية الممر وقال بصوت منخفض:

 

— إنتِ عايزة تدمري البيت؟

 

بصيت له باستغراب.

 

— البيت؟

 

ضحكت بمرارة.

 

— البيت اللي كنت فيه خدامة؟ ولا البيت اللي كنت فيه آخر واحدة تعرف إن اسمها مستخدم في ديون؟

 

قال:

 

— أنا كنت هحل الموضوع.

 

— إمتى؟

 

سكت.

 

— بعد ما يطالبوني بالملايين؟

 

خفض عينه.

 

وقتها أمي دخلت وقالت:

 

— اسأليه سؤال أهم.

 

بصيت له.

 

— ليه أول ما سألتك امبارح إذا كنت تعرف، وشك اتغير؟

 

هشام بلع ريقه.

 

— أنا… عرفت من فترة.

 

حسيت إن الكلام نزل عليا أثقل من أي حاجة.

 

— من فترة قد إيه؟

 

قال:

 

— من حوالي أربعة شهور.

 

سكت.

 

أربع شهور.

 

يعني وأنا حامل.

 

يعني وأنا بتعب، وهو عارف إن في كارثة مالية باسمي.

 

قلت:

 

— وأنت كنت ساكت؟

 

قال بسرعة:

 

— أمي قالت إنها هتحلها.

 

ضحكت.

 

— وأنت صدقتها؟

 

رد:

 

— كنت خايف على المعرض.

 

بصيت له طويلاً.

 

— وأنا؟

 

ماعرفش يرد.

 

دخلت الصالة تاني، والكل سكت.

 

حاجة صبحي قالت:

 

— هشام ابني مش هيبيع أمه عشان واحدة داخلة علينا من تلات سنين!

 

أمي ردت لأول مرة بصوت حاسم:

 

— بنتي مش سلعة تتباع عشان تنقذ معرض.

 

قلت:

 

— أنا مش هطلب منكم تعوضوني عن السنين اللي فاتت.

 

وبصيت لهشام.

 

— لكن من النهارده، كل واحد مسؤول عن اللي عمله.

 

المحامي حط ورقة جديدة على الترابيزة.

 

— دي مطالبة بإيقاف استخدام اسم موكلتي في أي التزام جديد، مع إخطار رسمي للدائنين إن الضمانات محل نزاع، وطلب التحقيق في مصدر التوقيعات الإلكترونية.

 

حاجة صبحي بصت للورقة.

 

— يعني المعرض هيتقفل؟

 

المحامي قال:

 

— لو مفيش تسوية قانونية وسداد من أصحاب الدين الحقيقيين، ممكن يحصل حجز على بعض الأصول.

 

البيت كله انفجر كلام.

 

أخو هشام اتخانق مع أمه.

 

وأخته قالت:

 

— أنا قلتلكم من الأول بلاش تدخلوا اسمها!

 

حاجة صبحي بصتلها بصدمة.

 

— إنتِ كنتِ عارفة؟!

 

سكتت.

 

وهنا فهمت إن المصيبة أكبر من اللي كنت متخيلة.

 

—

 

المشهد الرابع: الظرف الثاني

 

وسط الخناقة، أمي مدت إيدها لشنطتها وطلعت ظرف أبيض.

 

حطيته قدامي.

 

— ده بقى أهم من كل اللي فات.

 

فتحته.

 

لقيت فيه نسخة من مستندات قديمة، ومعاها عقد شراكة.

 

قرأت أول سطر.

 

وبعدين رفعت عيني.

 

— أمي… ده عقد ملكية؟

 

قالت:

 

— أيوه.

 

حاجة صبحي قربت.

 

— ملكية إيه؟

 

أمي ردت:

 

— نص المكان اللي المعرض مبني عليه.

 

الكل اتجمد.

 

هشام بص لأمه.

 

— إزاي؟

 

أمي قالت:

 

— الأرض كانت بتاعة أبويا، وجدكوا استأجرها زمان. وبعد سنين حصلت شراكة مكتوبة، وفيه نسبة من قيمة المكان مسجلة باسمي.

 

أنا بصيت للورق وأنا مش مصدقة.

 

— وإنتِ كنتِ مخبية ده ليه؟

 

ابتسمت أمي.

 

— عشان عمري ما حبيت أستخدم فلوسي أو أملاكي عشان أذل حد.

 

وبصت ناحية حاجة صبحي.

 

— لكن لما حد يحاول يستخدم بنتي عشان يحمي نفسه، ساعتها لازم يعرف إن الهدوء مش ضعف.

 

حاجة صبحي وقعت على الكرسي.

 

— يعني إيه؟

 

المحامي قال:

 

— يعني إن أي تصرف في العقار أو المعرض من غير موافقة المالكة ممكن يكون محل نزاع قانوني.

 

هشام بص لي.

 

— إنتِ كنتِ عارفة؟

 

هزيت رأسي.

 

— لا.

 

وبعدين قلت:

 

— بس واضح إن أمي كانت عارفة إمتى تتكلم.

 

حاجة صبحي بدأت تبكي.

 

— إحنا عيلة واحدة.

 

بصيت لها بهدوء.

 

— العيلة مش اللي تقول لواحدة لسه والدة: “تعالي اخدمي الضيوف حتى لو هتحبي على رجلك”.

 

سكتت.

 

— العيلة مش اللي تستخدم اسم حد من وراه.

 

— العيلة مش اللي تخبي الحقيقة عن جوزها ومراته.

 

وبصيت لهشام.

 

— وأنا أكتر حاجة وجعتني مش ديون المعرض.

 

دموعي نزلت رغم إني حاولت أمنعها.

 

— أكتر حاجة وجعتني إني كنت شايفة راجل المفروض يحمي بيته، واكتشفت إنه كان بيحمي سر أمه على حسابي.

 

هشام قرب مني.

 

— أنا غلطت.

 

رجعت خطوة.

 

— آه، غلطت.

 

سكت لحظة.

 

— بس الغلط له تمن.

 

أخدت مليكة من حضن أمي.

 

وقبل ما أمشي، بصيت لحاجة صبحي وقلت:

 

— كنتِ فاكرة إن الجرح اللي تحت العباية هيخليني ضعيفة.

 

ابتسمت رغم دموعي.

 

— لكنك لمستي المكان الوحيد اللي خلاني أبطل أخاف منك.

 

وخرجت.

 

—

 

الخاتمة

 

بعدها بأسابيع، بدأت التحقيقات الرسمية في المستندات والتوقيعات.

 

واتضح إن جزءاً من الأوراق اتعمل بطريقة غير قانونية، وتم استبعاد اسمي واسم أمي من بعض الالتزامات بعد ثبوت إننا ماوافقناش عليها.

 

أما المعرض، فاضطروا يدخلوا في تسوية مالية حقيقية بدل ما يحملوا الديون لغيرهم.

 

هشام حاول يصلح اللي اتكسر.

 

جالي بيت أمي، وقف قدام الباب وقال:

 

— أنا مش جاي أطلب منك ترجعي دلوقتي. أنا جاي أقولك إني فهمت متأخر إني كنت بخاف من أمي أكتر ما كنت بخاف على بيتي.

 

بصيت له.

 

— وأنا فهمت حاجة أهم.

 

— إيه؟

 

— إن الزوج اللي يحب زوجته مش لازم يحارب أمه عشانها… لكن لازم على الأقل مايسمحش لحد يظلمها.

 

هز رأسه.

 

ومشيت.

 

ماعرفتش وقتها إذا كان زواجنا هيرجع ولا لأ.

 

لكن عرفت حاجة واحدة أكيدة:

 

أنا مش نفس الست اللي خرجت من غرفة العمليات من أربعة أيام، وهي فاكرة إن أكبر معركة في حياتها هي وجع الجرح.

 

أكبر وجع كان إنسانة وثقت فيها، وراجل وثقت فيه، حاولوا يحولوا اسمي إلى ضمان لإنقاذ نفسهم.

 

وأكبر انتصار ماكانش الظرف.

 

ولا المحامي.

 

ولا المستندات.

 

ولا حتى سقوط هيبة حاجة صبحي.

 

أكبر انتصار كان إني لأول مرة أقول:

 

“لا.”

 

وأعرف إن كلمة صغيرة زي دي ممكن ترجع للإنسانة كرامتها وحياتها كلها.

 

أما مليكة، فكانت نايمة في حضني وقتها، وإيدها الصغيرة ماسكة صباعي.

 

بصيت لها وقلت:

 

— أوعدك يا بنتي… عمرك ما هتشوفي أمك بتقبل الإهانة عشان ترضي حد.

 

وضميتها لصدري.

 

ومن يومها، بدأت حياة جديدة.

 

حياة ماكانش فيها مكان للخوف…

 

ولا للخدمة بالإجبار…

 

ولا للأسرار…

 

ولا لأي حد يفتكر إن الست لما تسكت يبقى مالهاش حق تتكلم.

 

تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى