روايات وقصص

بيت عيله روماني مكرم

وقف سامح عند الباب المفتوح، عيونه جت في عيني، والدموع اللي كانت محبوسة في جفوني نزلوا مرة واحدة. ما كانتش دموع ضعف، كانت دموع  فرحان بالحق لما يظهر. حماتي وشيماء اتسمروا مكانهم، الوجوه اصفرت والضحك الماكر اللي كان مالي  من دقايق تحول لذهول وصدمة.

سامح قرب مني، مسك إيدي بتعب ورعشة خفيفة كان بيحاول يداريها، وبص لي وقال بصوت فيه كل الحنان اللي افتقدته في شهور الغربة:

* “سامحيني يا سمر.. سامحيني إني سبتك في وسط المعمعة دي لوحدك، وسامحيني إني شكيت فيكي لحظة واحدة لما صوتنا علي في التليفون.”

حماتي وقفت من على الكنبة، وعيونها بتطلع شرار، وصوتها طلع مبشوع من الكتمة:

* “أنت بتمسك إيدها قدامنا يا سامح؟ بتفضل وحدة غريبة على أمك وأختك اللي شالوك وربربوك؟ بقى بتسجل لأختك وتتصل بالبواب والجيران عشان تتأكد من كلامنا؟ نسيت خيرنا عليك؟”

سامح لف لها، وما كانش الزوج الهادي ولا الابن الساكت اللي متعودين يمشوا كلامهم عليه. كان راجل مجروح في أهله، بص لأمه بنظرة كلها حسرة وقال:

* “الخير اللي بتتكلمي عنه يا أمي ما يبيحش ليكي تخربي بيتي! أنا سافرت فرنسا وأنا شايل هم اللقمة وهم المستقبل، كنت فاكر إني سايب مراتي في وسط أهلي يحموها ويراعوها في غيابي، اتاريكم قاعدين لها بالمرصاد، بتصطادوا لها الغلطة، وبتستنوا أول خلاف تافه بيني وبينها عشان تحولوه لجحيم! عاوزين تطلقوني منها وتجوزوني عبير بنت خالتي؟ ليه؟ هي حياتي لعبة في إيديكوا؟”

شيماء حاولت تتدخل، وعلّت صوتها بتوتر:

* “يا سامح أنت فاهم غلط! إحنا كنا بنصلحتك، عبير بنت خالك هي اللي تصونك وتعرف قيمتك، دي بنت ناس ومتربية على غالي، إنما سمر…”

سامح رفع إيده في وشها، وبصوت هز حيطان الصالة:

* “اسكتي يا شيماء! كلمة كمان ومش هحسب إنك أختي! أنتي اللي دخلتي الشيطان بيني وبين مراتي، أنتي اللي كنتي بتنقلي لي الكلام متألف ومتزوق عشان تولعي النار. فاكرة إني مش فاهم؟ فاكرة إني لما قفلت السكة في وش سمر كنت ناسي إني بحبها؟ أنا قفلت السكة عشان كنت مضغوط في الشغل، لكن أنتي انتهزتي الفرصة عشان تكملي تمثيليتك الرخيصة!”

في اللحظة دي، تليفون حماتي رن بصوت عالي. الشاشة كانت منورة باسم “أم عبير”.

سامح بص للتليفون، وابتسم ابتسامة مكسورة فيها كل السخرية، وقال لأمه:

* “افتحي السبيكر يا أمي.. افتحي خليني أسمع بنت أخوكي ومرات خالتي وهي بتتشرط على طلاقي من مراتي!”

حماتي إيدها اتجمدت على التليفون وما قدرتش تمدها. سامح مد إيده وأخد التليفون بنفسه، فتح الخط وشغل المكبر.

صوت أم عبير جه فوراً، طافح بالطمع والاستعجال:

* “إيه يا أم سامح؟ ما قلتليش، سامح وصل من فرنسا ولا لسه؟ عبير بنتي جهزت حالها وقالت لي أسالك عشان نترتب على يوم كتب الكتاب بعد ما يرمي عليها اليمين فوراً.. طمنيني عملتم إيه مع السنيورة اللي فوق؟”

الصمت ساد الشقة، ما فيش غير صوت تنفس سامح العالي. حماتي وشيماء كانوا هيتموا أرضاً من الخزي.

سامح قرب التليفون من بوقه وقال بنبرة حادة زي السيف:

* “يا أهلاً يا مرت خالي.. سامح بنفسه معاكي على التليفون.”

أم عبير اتلجلجت وصوتها ارتبك:

* “سامح يا حبيبي! حمد الله على السلامة يا ابني، نورت مصر والله! أنا.. أنا كنت بس بظبط مع أمك…”

قطع كلامها سامح بقوة:

* “سمعت كل حاجة يا مرت خالي! سمعت وأنا في فرنسا، وسمعت لما نزلت.. وبنتك عبير على راسي من فوق، بس بنتك تفضل مكرمة في بيت أبوها، لأني مش هطلق مراتي، ولا فيه راجل في الدنيا يبيع واحدة صايناه وشايلاه في غيابه عشان يرضي طمع ونفوس مريضة. بلغي خالتي وعبير إن بيتي مقفول عليا وعلى مراتي، ومحدش له دعوة بحياتنا!”

أم عبير قفلت السكة فوراً من الصدمة والإحراج، والخط بقى يفيض بالسكون في الصالة.

سامح مسك إيدي جامد، وبص لأمه وقال:

* “يا أمي، أنتي أمي ورضاكي على راسي، وأختي شيماء هتفضل أختي.. لكن لحد بيتي ومراتي والخط الأحمر يبدأ. سمر مش هتقعد في البيت ده دقيقة واحدة بعد النهار ده. أنا أخدت لها شقة مفروشة قريبة من هنا لحد ما أخلص أوراق فيزتها، والإجازة دي مش هترجع فرنسا غير وهي في إيدي على أول طيارة!”

حماتي بصت له بصدمة وصصرخت:

* “هتسيب بيت عيلتك عشان خاطرها؟ هتخرج من طوع أمك؟”

رد عليها سامح وهو بياخدني من إيدي وبيطلع بيا على السلم:

* “أنا طالع من طوع الظلم يا أمي، ومش هسيب مراتي تتاكل في غيابي. أنا صنت بيتي وحميت مراتي، وده اللي ربنا يحاسبني عليه.”

طلعت معاه الشقة فوق، وأنا مش مصدقة إن الكابوس ده بدأ ينتهي. سامح فتح باب شقتنا، ودخلنا، وقفل الباب وراه.. قفل الباب على كل الغل والمؤامرات، وبدأنا نجهز شنطنا عشان نسيب المكان ده ونبدأ صفحة جديدة تماماً.

#الكاتب__رومانى__مكرم__

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
الجزء الرابع دخلنا شقتنا في الدور الثالث، وقفل سامح الباب وراه برفق لكن بقوة وكأنه بيبصم بالعشرة على نهاية مرحلة كاملة من القهر والظلم. أول ما الباب اتقفل، ركبي ما شالتنيش، قعدت على أقرب كرسي في الصالة وانفجرت في البكاء. دموع محبوسة من أشهر، من كلام يتقال في وشي وضحكات استهزاء كنت ببلعها وأسكت عشان البيت يفضل مفتوح وعشان سامح يركز في شغله في الغربة.

سامح جيه قعد قصادي على الأرض، مسك إيدي الاثنين وحطهم بين إيديه، وكانت عيونه ملبانة دموع وحسرة.

* “امسحي دموعك يا سمر.. الدموع دي غالية عليا أوي، وأنا السبب فيها إني سبتك هنا لوحدك تعاني من غير ما أكون سندك وظهرك.”

رفعت راسي وبصيت له وأنا بنهنه:

* “أنا ما كنتش خايفة على نفسي يا سامح.. أنا كنت خايفة عليك أنت! خايفة يغيروك عليا، خايفة يكرهوك فيا وأنت بعيد ومش شايف الحقيقة. المكالمة اللي سمعتها بين حماتي ومرت خالك كانت زي السكينة في قلبي، كنت حاسة إن بيتي بيتهد وأنا عاجزة.”

سامح باس إيدي وقال بنبرة مليانة إصرار:

* “بيتنا مش بيتهد يا سمر، بيتنا أعمق من غلهم وطمعهم. أنا لما سافرت كنت فاكر إن الأهل سكن وحماية، بس اكتشفت إن القرب أوقات بيكون سم قاتل لما النفوس تصدي. أنتي مش هتقعدي هنا دقيقة واحدة بعد النهارده.”

بدأنا نلم هدومنا وكراتيننا بسرعة، وفي كل قطعة هدوم بحطها في الشنطة، كنت بحس إن كابوس تقيل بينزاح عن صدري. لكن تحت في الدور الأول، المطبخ والبيت كله كان بيغلي. حماتي مش من النوع اللي يسلم بالهزيمة بسهولة، وشيماء أخته كانت حاسة إن كل خططها لسيطرة على البيت وعلى أخوها وعلى فلوس الغربة راحت في الوباء.

وفجأة، وأحنا بنقفل الشنط، سمعنا صوت صريخ ورزع عالي جاي من تحت!

صوت حماتي وهي بتصوت وتستغيث:

* “الحقوني يا ناس! تعالي يا شيماء الحقيني! قلبي بيقف.. ابنك اللي تعبت فيه يا سامح بيرميني وبيموتني!”

سامح اتنفض من مكانه، وبص لي بقلق. رغم كل اللي عملته، دي أمه، والدين والأخلاق ما بيسمحوش لراجل إنه يطنش أمه لو كانت في شدة.

* “تعالي معايا يا سمر، نشوف فيه إيه.”

نزلت معاه بسرعة، وبمجرد ما دخلنا الشقة تحت، لقين حماتي نايمة على الكنبة وبتفرك في صدرها وشيماء بتعيط جنبها وبتمثل الخوف، وعم سامح (الحاج متولي) اللي ساكن في البيت اللي جنبنا كان واقف، بعد ما شيماء جرت جابته عشان تشهده وتعمل تمثيلية جديدة!

عم متولي بص لسامح بحدية وقال:

* “جرى إيه يا سامح يا ابني؟ أنت نزلت من السفر عشان تجلط أمك؟ يصح كده ترمي كلام يقسّي قلبك على أمك وأختك عشان خاطر شوشرة نسوان؟”

حماتي بدأت تتكلم بصوت متقطع ومزيف:

* “شفته يا أخويا متولي؟ جاب الغريبة وقعدها على قلبي، ولما جيتأنصحه وأقول له صون قرشك ونضف بيتك، عايز ياخدها ويمشي ويسيبني أسامع الناس فيا! دي سمر اللي ملات دماغه عليا وعلى أخته!”

سامح وقف في نص الصالة، وبص لعمه متولي بكل احترام وثبات، وطلع تليفونه تاني من جيبه.

* “يا عمي متولي.. أنت راجل كبير العيلة، وأنا أحترمك وأشيلك على راسي. بس قبل ما تحكم عليا وعلى مراتي، اسمع الفيديو ده.”

سامح ما طلعش تسجيل صوت بس المرة دي.. ده طلع فيديو كان مجمعه من كاميرا المراقبة اللي هو كان حاططها بنفسه في صالة الدور الأرضي وفي مدخل البيت من أجهزة الأمان اللي كان بيتابع بيها البيت وهو في فرنسا!

شغل الفيديو على التليفون وحطه قدام عم متولي..

ظهرت فيه شيماء وحماتي وهما قاعدين يضحكوا ويكتبوا أرقام وحسابات، وشيماء بتقول بوضوح:

“إحنا لازم نخليه يحول الجمعية الجديدة باسمك يا أما، وسيبك من سمر دي خالص، إحنا لما نخلي سامح يطلقها ونجوزوه عبير بنت خالي، هنضمن إن كل جنيه بيجي من فرنسا يفضل تحت إيدنا، عبير هبلة وبتسمع الكلام وأمها هتضمن لنا كل حاجة!”

الصمت قطع الشقة كلها..

عم متولي بص للشاشة، ووشه اتغير تماماً، النظرة الحادة اللي كان باصص بيها لسامح تحولت لذهول وقرف. بص لأخته (حماتي) وقال لها بنبرة مليانة خيبة أمل:

* “ده الكلام اللي بتقوليه يا أم سامح؟ ده السكن والرحمة اللي بتبنوها لإبنكم في غربته؟ عاوزين تخربوا بيت ابنكم عشان القرش والعيلة؟”

حماتي اتلجمت وما عرفتش تنطق، وشيماء استخبّت ورا الكنبة ووشها أحمر من الخزي.

سامح مسك إيدي بثبات، وبص لعمه وقال:

* “يا عمي متولي، أنا طالع بأمي السماء في رضاها، وهفضل أبعت لها مصاريفها وحقها عليا كاملاً لحد ما أموت. لكن بيتي ومراتي خط أحمر. أنا أخدت شقة مفروشة، وخلال أسبوعين سمر هتكون معايا في فرنسا، والبيت ده مش هدخله تاني غير لما النفوس تنضف بجد.”

خرجنا من البيت وأحنا شايلين شنطنا، وشايلين معاها كرامتنا اللي كانت هتداس تحت أقدام الطمع والغل. ركبنا التاكسي وأنا حاسة إن الهوا اللي بتنفسه بقى أخيرًا نقي ومفيش فيه ريحة مكر.

بس يا ترى.. هل حماتي ومرت خال سامح وعبير هيسكتوا بعد ما تمثيليتهم اتكشفت قدام العيلة كلها؟ ولا السفر لفرنسا هيواجه عقبة جديدة مش في الحسبان؟

#الكاتب__رومانى__مكرم__

الجزء الخامس (قبل الأخير)

ركبنا التاكسي وأنا حاطة راسي على كتف سامح، حاسة بأمان افتقدته من يوم ما حط رجله في المطار وسافر. الشقة المفروشة كانت هادية، مفيش فيها نظرات غل ولا همسات مسمومة على السلم، بس قلبي كان لسه مش مطمن؛ لأن اللي ذقت مكرهم ثلاث سنين، عارفة كويس إنهم مش بيسلموا بالساهل، والضربة لما بتيجي من القريب بتبقى توجع أكتر.

مرت أول ثلاثة أيام في هدوء حذر. سامح كان بيجري في المصالح الحكومية والمجمع عشان يخلص أوراق الفيزا وتصاريح السفر الخاصة بيا، وأنا كنت بجهز نفسي لرحلة العمر اللي هتجمعني بيه بعيد عن كل الناس. بس السكون ده كان مجرد الهدوء اللي بيسبق العاصفة.

في اليوم الرابع، وبينما سامح برة البيت بيخلص ورق البصمات، التليفون الأرضي بتاع الشقة المفروشة رن! سامح كان سايب لي الرقم عشان لو حصلت حاجة. رفعت السماعة بالراحة، وجاني صوت مش غريب عليا خالص.. كان صوت “أم عبير”، بس المرة دي مش صوت الطمع المتكبر، كان صوت مليان تهديد ونفس أفيح بالشر.

قالت لي بصوت حاد وزي السكينة:

* “فاكرة نفسك كسبتي يا سمر؟ فاكرة إنك لما خدتيه وجريتي في شقة مفروشة تبقي طلعتي المنتصرة؟ وحياة كل حرف اتكال في حق بنتي عبير، ما هتهني بلقمة ولا هتلمسي أرض فرنسا دي!”

قلبي انقبض، بس مسكت نفسي وقلت لها بثبات:

* “أنتي عاوزة مني إيه يا أم عبير؟ سامح اختار بيته ومراته، وما أظنش إن ليكي أي حق تتدخلي بين راجل ومراته!”

ضحكت ضحكة شريرة وقالت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى