
في يوم، جالي إيميل رسمي في الشركة لطلب مقابلة بخصوص مشروع فيلا جديدة في التجمع. لما دخلت قاعة الاجتماعات، لقيت تامر واقف قدامي لوحده، وشه شاحب وباين عليه الانكسار. أول كلمة قالها بصوت واطي: “أنا آسف.. اتأخرت سنتين عشان أفهم الحقيقة، بس أنا طلقت نهى من شهر بعد ما شفت وشها الحقيقي”.بصيتله بهدوء تام، ومن غير أي شماتة أو غضب، حسيت وقتها بس إني اتعافيت تماماً من الوجع. قولتله بنبرة باردة وواثقة: “الاعتذار ملوش مكان هنا يا باشمهندس، اللي فات مات ومبقاش يفرق معايا أصلاً، ولو جاي بخصوص شغل فالمكتب جاهز يدرسه، غير كده مفيش كلام يتقال”.
سبته وخرجت، وأنا حاسة بانتصاري الحقيقي؛ مش عشان هي خسرت أو هو ندم، لكن لأني فهمت إن أنضف رد على الغدر هو إنك تكبري وتنجحي وتسيبي الأيام ترجع لكل واحد حقه بالمللي.تامر فضل واقف مكانه مذهول، مكنش مصدق البرود اللي بتكلم بيه ولا القوة اللي بقيت فيها. كان فاكر إنه لما ييجي يعتذر ويقولي إنه طلقها، هجري أعاتبه أو أفتح معاه صفحة قديمة، بس هو مكنش فاهم إن اللي اتكسر زمان مسبش وراه غير ركام، وأنا بنيت فوق الركام ده جدار عالي مبيعديش منه الهوا.
اعتذر بهدوء وانسحب من الشركة، وأنا حولت ملف مشروعه لمهندس تاني في فريقي، لأن حتى فلوسه وشغله مبقتش حابة يدخلوا دايرتي.الخبر انتشر في بلدنا زي النــ,,ـــــار في الهشيم؛ طلاق نهى بعد سنة وشوية، واعتراف تامر الصريح قدام عيلته وعيلتها إنه اكتشف كدبها وتلفيقها لكل القصص القديمة، بما فيها ليلة الفرح اللي كانت هي السبب في خرابها من أول دقيقة.وفجأة، زي ما انقلبوا عليا زمان، انقلبت الآية تماماً. بدأت تجيلي رسايل من قرايبها وصحابنا القدام اللي شتموني وصدقوا تمثيلها، رسايل كلها ندم واعتذارات مبطنة بكلمات زي “حقك علينا” و”مكناش فاهمين الحقيقة”. حتى مامة نهى حاولت تكلم مامتي كذا مرة وتفتح كلام عشان يصلحوا الأمور، وكانت الحجة إن “نهى كانت مريضة نفسياً وغيورة ومش واعية للي بتعمله”.
ردي كان الصمت التام. لا رديت على رسالة، ولا قبلت مكالمة، وطلبت من أهلي يقفلوا الباب ده بالضبة والمفتاح وميسمحوش لأي حد من العيلة دي يدخل بيتنا تاني. اتعلمت إن الناس اللي صدقت فيك السوء برمشة عين مبيستاهلوش حتى شرف العتاب، وإن البراءة اللي بتيجي متأخرة مش محتاجة تصفيق من حد.بعدها بشهور، نزلت البلد في إجازة سريعة أزور بابا وماما. صدفة وأنا نازلة من العمارة، لمحت نهى واقفة في البلكونة بتاعتهم.
كانت باهتة، ملامحها منطفية، وعينيها مليانة حزن وكسرة شافتني بيها وأنا راكبة عربيتي الجديدة ولابسة شياكتي ورايحة مشواري. بصيتلها للحظة واحدة بس من غير كره ولا شماتة، بصة غريب بيشوف حد عابر ميعرفوش، ودورت العربية ومشيت.في اللحظة دي، حسيت بنسمة هوا نضيفة بتدخل ، وتأكدت إن دايرة العدالة كملت، وإن ربنا دايمًا بيعوّض الصابرين بنجاح يعمي عيون الحاقدين، وراحة بال متتقدرش بتمن.




