
«فين؟»
«قبل ما أدخل المصعد.»
«كان بيعمل إيه؟»
«واقف جنب باب غرفة التحكم.»
«وشوفتي وشه؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
«تعرفيه؟»
«لأ.»
سكت ياسين لحظة.
ثم قال لرجاله:
«هاتوه.»
بعد دقائق، دخل رجل يرتدي بدلة سوداء.
كان هادئًا بشكل غريب.
بمجرد ما شافته إسراء، أشارت إليه.
«هو ده.»
الرجل ابتسم.
«أنا؟»
ياسين لم يرد.
ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
«اخرجوا.»
تردد الرجال.
«يا باشا…»
«قلت اخرجوا.»
خرج الجميع.
بقي ياسين وإسراء والرجل.
أغلق ياسين الباب.
«مين بعتك؟»
ضحك الرجل.
«مش عارف بتتكلم عن إيه.»
ياسين وضع قطعة المعدن على الطاولة.
«المصعد كان هيموتني.»
«حظ سيئ.»
«والكاميرات اتقطعت.»
«ممكن عطل.»
ياسين ابتسم لأول مرة، لكن ابتسامته لم تكن مطمئنة.
«إنت بتكدب كويس.»
الرجل لم يرد.
ياسين اقترب منه.
«بس عندك مشكلة.»
«إيه؟»
«أنا عارف الكذبة من طريقة النفس.»
صمت الرجل.
وفجأة، أخرج شيئًا من جيبه.
إسراء شهقت.
لكن ياسين كان أسرع.
انقض عليه، وأسقطه أرضًا.
دارت بينهم لحظات عنيفة، قبل ما يثبت ياسين ذراعه خلف ظهره.
«مين بعتك؟»
الرجل ضحك.
«إنت فاكر إن الموضوع عنك؟»
توقف ياسين.
«إيه؟»
الرجل رفع عينيه نحو إسراء.
«المشكلة بدأت قبل ما تدخل هي الفندق أصلًا.»
ياسين التفت إليها.
«إسراء… إنتِ تعرفي الراجل ده؟»
هزت رأسها بسرعة.
«والله ما أعرفه.»
الرجل ضحك مرة ثانية.
«قولي له الحقيقة.»
إسراء تراجعت خطوة.
«أنا بقول الحقيقة.»
«أبوك كان عارف.»
تجمدت في مكانها.
ياسين لاحظ التغير في وجهها.
«أبوك؟»
لم ترد.
«إسراء.»
وضعت يدها على فمها.
«أبويا مات من سبع سنين.»
الرجل قال:
«هو ما ماتش بسبب حادثة.»
الصمت نزل على الغرفة.
إسراء حدقت فيه.
«إنت بتقول إيه؟»
«أبوك كان ماسك ملف يخص عيلة المنصوري.»
نظر ياسين إليه بحدة.
«إيه الملف؟»
الرجل ابتسم.
«الملف اللي لو ظهر… هينهار نص إمبراطوريتك.»
ياسين أمسكه من ياقة بدلته.
«فين الملف؟»
«مش معايا.»
«فين؟»
الرجل نظر لإسراء.
«هي عندها.»
إسراء هزت رأسها بعنف.
«لأ! أنا ما عنديش أي حاجة.»
الرجل قال بهدوء:
«إنتِ عندك الحاجة الوحيدة اللي أبوك خبّاها قبل ما يموت.»
ياسين تركه ببطء.
ثم نظر إلى إسراء.
«إيه اللي سابهولك أبوكي؟»
بدأت تتنفس بصعوبة.
«مفيش حاجة.»
«إسراء.»
«مفيش!»
ثم تذكرت.
صندوق خشبي صغير.
كانت أمها محتفظة به في دولاب قديم، وطلبت منها ألا تفتحه مهما حصل.
لكن بعد وفاة أمها بشهرين، كانت إسراء قد فتحته.
ولم تجد بداخله سوى مفتاح قديم وورقة مكتوب عليها اسم واحد.
اسم لم تفهم معناه وقتها.
لكن الآن…
بدأت تفهم.
قالت بصوت مرتعش:
«كان فيه مفتاح.»
ياسين اقترب منها.
«مفتاح إيه؟»
«مش عارفة.»
«والورقة؟»
رفعت عينيها إليه.
«كان مكتوب عليها اسم عيلتك.»
اختفت كل ملامح الهدوء من وجه ياسين.
«إيه الاسم؟»
إسراء همست:
«المنصوري.»
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار الغرفة.
سمعوا صوت طلقة واحدة من الممر.
ياسين أمسك إسراء وسحبها خلفه.
ثم قال بصوت منخفض:
«من دلوقتي، مفيش أي حد في الفندق أقدر أثق فيه.»
ردت إسراء وهي ترتجف:
«وأنا أثق في مين؟»
نظر لها وسط الظلام.
«فيّا.»
ثم أضاف:
«حتى لو كان ده آخر شيء تعمليه.»
الطلقة اللي اتسمعت في الممر كانت بداية الفوضى.
رجال ياسين اندفعوا ناحية الباب، لكن ياسين كان أسرع.
شد إسراء خلفه، وقفل عليها بجسمه.
«ماتتحركيش.»
«بس—»
«إسراء، اسمعيني.»
كانت نبرته مختلفة.
حازمة، لكن فيها خوف حقيقي عليها.
بعد دقائق، سكتت الأصوات.
دخل أحد رجاله وقال:
«الراجل هرب.»
ياسين بص ناحية الرجل اللي كان ماسكه.
لكن المكان كان فاضي.
هرب وسط الفوضى.
إسراء قربت منه.
«هو كان بيقول الحقيقة؟»
ياسين لم يجب فورًا.
ثم قال:
«تعالي معايا.»
أخذها إلى مكتبه الخاص.
فتحت إسراء حقيبتها بإيد مرتعشة، وأخرجت المفتاح القديم.
ياسين ظل ينظر إليه.
«ده هو؟»
«أيوه.»
أخذ المفتاح، ثم فتح خزنة صغيرة مخفية خلف لوحة قديمة في الحائط.
المفتاح دخل بسهولة.
انفتح الباب.
في الداخل كان هناك ملف أسود، وصور، وتسجيل صوتي قديم.
ياسين أخذ التسجيل وضغط تشغيل.
جاء صوت رجل متعب:
«لو التسجيل ده وصل لياسين المنصوري، يبقى أنا فشلت.»
تجمد ياسين.
كان صوت والده.
تابع التسجيل:
«أبوك ماكانش اللي الناس فاكرينه. العيلة كانت بتشتغل في حاجات كتير، وأنا حاولت أوقفهم. والد إسراء ساعدني، ولما عرفوا، قتلوه.»
إسراء وضعت يدها على فمها.
ثم جاء الصوت:
«الفلوس اللي اختفت ماكانتاش مسروقة. كانت متخبية لحماية عائلات الناس اللي اتظلمت بسببنا.»
نظر ياسين إلى إسراء.
كل شيء بدأ يتضح.
لم يكن والدها خائنًا.
كان شاهدًا.
وكانت عائلته هي السبب في موته.
بعد ساعات، خرج ياسين من المكتب.
كان قد سلّم الملفات للشرطة، وأرسل نسخًا منها لمحاميه، وأصدر أوامر بإيقاف كل نشاط غير قانوني مرتبط بأفراد عائلته.
لكن إسراء كانت واقفة عند باب الفندق، تحمل حقيبتها.
قالت:
«أنا همشي.»
توقف ياسين.
«ليه؟»
«عشان حياتك مش حياتي.»
«إسراء.»
«أنا دخلت الفندق عشان أربعمية دولار.»
اقترب منها.
«وأنا لأول مرة من تلات سنين حسيت إني لسه عايش.»
رفعت عينيها إليه.
«كنت فاكر إني ههرب من كل حاجة.»
«وهتهرب؟»
هز رأسه.
«لأ.»
مد يده لها.
«بس مش هطلب منك تفضلي عشاني.»
نظرت إلى يده.
ثم أمسكتها.
«أنا مش بفضل عشانك.»
ابتسم.
«أمال؟»
«عشان لأول مرة حد صدقني.»
شد على يدها.
«وأنا لأول مرة ألاقي حد ما يخافش مني.»
مرت الشهور.
تفككت الإمبراطورية القديمة.
دخل المتورطون السجن، وعادت حقوق عائلات كثيرة.
أما ياسين، فبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل شيء بناه والده.
وإسراء؟
لم تعد خادمة.
افتتحت مشروعها الصغير، وكان ياسين أول شخص وقف أمام الباب يوم الافتتاح.
وبعد عام، في نفس الفندق الذي بدأت فيه حكايتهما، وقف ياسين أمامها وقال:
«فاكرة أول مرة دخلنا المصعد؟»
ضحكت.
«فاكرة إنك كنت مصاب وبتتصرف كأنك مش محتاج دكتور.»
«وفاكرة إنك مسكتي إيدي؟»
«إنت اللي مسكت إيدي.»
اقترب منها.
«من يومها وأنا عارف إن حياتي مش هترجع زي الأول.»
«ندمت؟»
هز رأسه.
«على تلات سنين ضاعوا؟ آه.»
ثم أمسك وجهها برفق.
«لكن على اليوم اللي قابلتك فيه؟ مستحيل.»
ابتسمت إسراء.
وفي تلك الليلة، لم يعد الرجل الذي كان الجميع يخاف منه ملكًا للمافيا.
كان مجرد رجل وجد أخيرًا المرأة التي جعلته يشعر من جديد.
والمرأة التي دخلت الفندق وهي لا تملك سوى اثني عشر دولارًا…
خرجت منه وهي تملك قلب الرجل الذي ظن لثلاث سنوات أنه فقد قلبه إلى الأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




