
رد بنبرة متعالية:ـ ألو.. مين معايا؟ـ ألو يا أستاذ وائل؟ معاك محضر محكمة الأسرة، بنبلغك بوجود دعوى اعتراض على إنذار الطاعة مرفوعة ضدك من زوجتك سهيلة، ومعاها قضايا نفقة زوجية وصغار، وإنذار رسمي بخصوص قائمة المنقولات الزوجية!الدم هرب من وشه فجأة، والتليفون كان هيقع من بين صوابعه، عيونه برقت برعب ولسانه اتقل، وبص لمراته اللي كانت بتبص له باستغراب وشك، وسألته بحيرة: “في إيه يا وائل؟
وشك اتخطف كده ليه ومين اللي على التليفون؟!”قفل الخط وهو حاسس إن ودانه بتصفر، والعيادة كلها بتلف بيه. بص لمراته الجديدة وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته طالع مهزوز :ـ السنيورة يا ستي.. مقدمة اعتراض على الطاعة ورافعة عليا قضايا نفقات وإنذار بقايمة العفش كلها!مراته رجعت ضهرها لورا واتبدلت ملامح الدلع لغضب أعمى وشرارة بتطق من عينيها:ـ اعتراض ونفقة وقايمة؟
! يعني الخطة اللي رسمتها بوظتها بغبائك؟! مش قولتلي إنها ملهاش ضهر وهتخاف وترجع تبوس إيدك؟!زعق بصوت واطي عشان الناس في العيادة، وهو حاطط إيده على دماغه:ـ وأنا هعرف منين إنها هتروح لمحامي وتعمل كل ده في يوم وليلة؟! دي بتطالب بنفقة زوجية ونفقة للواد بمبالغ الضهر، غير إنها حاطة القايمة في الزور!في اللحظة دي، نادت الممرضة عليهم تاني:ـ أستاذ وائل.. اتفضلوا للدكتور، وحضرتك محتاج تدفع مقدم العملية في الخزنة عشان نبدأ البروتوكول من النهاردة.
بصت له مراته الجديدة بنظرة جامدة كلها طمع وقسوة، وقالت بصوت مفيش فيه ذرة رحمة:ـ قوم ادفع يا وائل.. ملكش دعوة بقضاياها دلوقتي، العملية دي هتتعمل يعني هتتعمل، وفلوسي وحلمي بتوأم مش هيضيعوا عشان خاطرها، اتصرف وادفع من حسابك اللي في البنك!بص لها بذهول، كأنه أول مرة يشوفها على حقيقتها، وشاف الجشع اللي مالي قلبها وهي شايفة مصيبته ومش فارق معاها غير مصلحتها وفلوسها.وقف وهو متوتر، ومشي خطوتين ناحية الخزنة وطلع الفيزا وإيده بتترعش، وجواه نــ,,ـــــار بتاكل فيه وهو حاسس إنه بقى بين فكّين كماشة: مهدد بالحبس وخسارة كل مليم في المحاكم، ومربوط بست متطلبة مش شايفة فيه غير بنك متحرك يحقق لها رغباتها.
دفع المبلغ المطلوب في الخزنة وإيده بتترعش، وكل مليم كان بيتخصم من حسابه كان بيحسه كأنه بينتزع من روحه. الدكتور حدد لمراته جدول الحقن والمنشطات، وهي خارجة من العيادة طايرة من الفرحة ومبتسمة ابتسامة نصر، كأن الدنيا كلها ملك إيديها، ولا كأن الراجل اللي جنبها على شفا حفرة من الإفلاس .أول ما ركبوا العربية، بصت له ببرود وسألته:ـ هتعمل إيه بقى في المصيبة اللي سهيلة عملتها دي؟
لازم محامي شاطر يوقف المهازل دي فوراً، أنا مش هقبل إن نص فلوسك تروح لنفقات وقوايم وإحنا محتاجين كل قرش لولادي!رد عليها بنفاد صبر وخنقة مكتومة:ـ هشوف محامي.. هشوف محامي بكرة يلم الموضوع ده بأي شكل، إنتِ فاكرة القوايم والمحاكم دي لعب عيال؟! دي لو حكمت بحبس في القايمة هضيع فيها في نفس الوقت، كان الأستاذ ممدوح بيكلمني في التليفون بنبرة مريحة جداً:ـ اطمني يا مدام سهيلة.. موقفنا سليم مليون في المية، دعوى الاعتراض على الطاعة اتقيدت في الجدول ومعاد الجلسة اتحدد، ونزلنا بإنذار القايمة رسمي على يد محضر.
هو دلوقتي قدامه خيارين ملهومش تالت؛ يا يسلّم العفش سليم بالشوكة و، يا إما هيدخل في دوامة جنحة تبديد وعقوبتها الحبس.قفلت التليفون وبصيت لابني اللي كان بيلعب بسلام في الصالة، وأول مرة من فترة طويلة أحس براحة نفسية حقيقية وسلام داخلي، حسيت إني استرديت هيبتي وكرامتي اللي كان ناوي يدوس عليها.عدت أيام قليلة، وبدأت مراته تاخد كورس الهرمونات والمنشطات المكثفة استعداداً لسحب البويضات، بس مع الهرمونات دي بدأ وائل يشوف وش تاني خالص؛ العصبية، والطلبات اللي مابتخلصش، والصوت العالي على أتفه الأسباب. وفي نفس اليوم اللي راح فيه يقابل محامي عشان يدافع عنه في قضايايا، المحامي صدمه بالواقع وقاله بالحرف:ـ موقفك القانوني ضعيف يا أستاذ وائل.
. الاعتراض على الطاعة مدعوم بشهود على طردها وسوء العشرة، والقايمة مفيهاش ثغرة وممضية بيدك، والنفقة هتدفعها هتدفعها بحكم المحكمة وتحريات المباحث عن دخلك، مفيش مفر!رجع وائل شقة مراته الجديدة مهدود الحيل وضهره محني من الهموم، وأول ما فتح الباب، لقاها قاعدة قالبه وشها بسبب تعب الحقن، وبصت له وبدأت تزعق وتطالبه بمصاريف إضافية للتحاليل والأدوية. وقف قدامها يبصلها بذهول، والحسرة بتاكل في قلبه وهو بيفتكر سهيلة اللي كانت بتستحمل ظروفه الصعبة وتدعي له بالبركة، وبين الست اللي باع كل حاجة عشانها ومش شايفة فيه غير ماكينة فلوس ومصلحة!
زعقت في وشه وهي بتمسك بطنها بتمثيل وتأفف:ـ إنت واقف متنح كده ليه؟! روح انزل الصيدلية دلوقتي هات الحقن دي، دي تمنها بالشيء الفلاني والدكتور مأكد إنها لازم تتاخد في ميعادها بالدقيقة، ولا إنت ناوي تضيع تعبي والفلوس اللي اتدفعت في الأرض؟!بص للروشتة اللي رمتها في وشه بإهمال، لقى المبلغ المطلوب رقم يوجع القلب، ورصيده في البنك بينزف يوم بعد يوم.
بلع ريقه وصوته طلع مخنوق ومكتوم:ـ حاضر.. نازل.نزل السلالم وهو حاسس إن رجليه تقيلة زي الرصاص، ركب عربيته وقعد فيها شوية يبص في الفراغ. افتكر الأيام اللي كان يرجع فيها البيت يلاقي سهيلة مجهزة له اللقمة ومستنياه بابتسامة، تسأله عن تعبه وتدعي له بالرزق والصحة، وعمرها ما طلبت فوق طاقته ولا عايرته بقرش. المقارنة كانت بتكويه من جواه، بس كبرياءه الأعمى كان لسه مانعه يعترف لنفسه بالهزيمة.في الوقت ده، كان ميعاد أول جلسة في المحكمة بيقرب.
الأستاذ ممدوح اتصل بيا وبلغني إن تحريات المباحث عن دخل وائل اتعملت بدقة، وجابت كل مصادر رزقه وعمله، والمحكمة استقرت على فرض نفقة مؤقتة محترمة ليا ولابني تتخصم من حسابه مباشرة.المحامي بتاعه قعد معاه وفهمه الحقيقة الصادمة:ـ يا أستاذ وائل، القاضي حكم بالنفقة المؤقتة خلاص، وإنذار القايمة لو منزلتش تسلّم العفش في المعاد اللي حددته النيابة مع الخبير، هيتحول ضدك حكم بحبسك سنة مع الشغل والنفاذ، الحل الوحيد إنك تتنازل عن العناد ده وتروح تتصالح معاها بأي شكل وتخليها تسحب الشكاوى دي!
خرج من عند المحامي وهو كأن حد صب عليه جردل تلج. لقى نفسه محاصر من كل ناحية: قضايا ونفقات وحبس بيهدده، ومن الناحية التانية مراته الجديدة بتزن على دماغه ليل ونهار بمصاريف الحقن وتجهيزات الولاد اللي لسه مجوش.في لحظة يأس، طلع تليفونه وإيده بتترعش، وكتب اسم “سهيلة” اللي كان ممسوح من حساباته، ورن عليا وهو بيمني نفسه إني هحن وأرجع الست الغلبانة اللي بيضحك عليها بكلمتين. رن التليفون مرة واتنين، وفتحت الخط وسمعت صوته المهزوز لأول مرة وهو بيقول بلهجة مكسورة:ـ ألو.. سهيلة، إحنا لازم نقعد ونتكلم كفاية لحد كده!
سمعت صوته المكسور في السماعة، وحسيت بنشوة انتصار باردة مفيهاش أي شماتة رخيصة، بل راحة إنسانة شافت حقها بيرجع لها خطوة بخطوة.رديت عليه ببرود تام وصوت هادي ومستقر:ـ نقعد نتكلم في إيه يا وائل؟ الكلام اللي كان بيننا خلص من اللحظة اللي رفعت فيها إيدك وهددتني بابني ورميت يمينك. المحاكم والورق هما اللي بيتكلموا دلوقتي.اتنحنح وصوته طلع فيه نبرة استعطاف مصطنعة:ـ يا سهيلة بلاش القسوة دي، العِشرة اللي بيننا متهونش برضه، والواد محتاج أبوه وميصحش نتبهدل في المحاكم كده وندخل الغرب بيننا.. أنا غلطت وعصبيتي عمتني، تعالي نقعد ونتفاهم ونتصالح وتنزلي القضايا دي، وأنا مستعد أراضيكي باللي تطلبيه.
كلامها نزل على دماغه زي الميزان، لمعت في عينيه نظرة طمع وجبن، وحس إن كلامها فيه طوق النجاة لفلوسه ومظهره قدام الناس، متخيل إن كل حاجة هتمشي بالمسطرة والقلم زي ما خططوا في الضلمة.هز راسه بحماس ومسك إيد…




