روايات وقصص

زوجي مسافر لروماني مكرم

طفيّت التليفون خالص.

رفعت راسي للسما.. وأخدت نفس عميق. كنت خايفة، ووحيدة، ومعاييش غير فلوس بسيطة وباسبوري.. بس كان عندي يقين إن الخروج من المزرعة دي كان أول خطوة لاسترداد كرامتي.

مشيت خطوتين في الشارع الضلمة، لحد ما شفت أضواء فندق صغير في أخر الشارع.. سحبت شنطي ومشت ناحيته، وأنا بكرر في سري كلمة واحدة: “المعركة يلا بدأت يا إبراهيم.. وحق السنتين دول هخده منك حرفاً بحرف”.

الجزء الرابع

مشيت في الشارع وخطواتي كانت أتقل من الشنط اللي بسحبها ورايا. صوت عجل الشنطة وهو بيخبط في الرصيف الإسفلتي كان هو الصوت الوحيد اللي بيشق سكون الشارع الفاضي. البرد كان بيلسع وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تدفي بلد كاملة.

وصلت للوجو المنور بتاع الفندق الصغير اللي شفته من بعيد. كان فندق بسيط نجمتين، مدخله هادي. دخلت وأنا حاسة إن كل عيون اللي في الرسبشن متسلطة عليا.. ست مجرورة بشنطها في نص الليل، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد السهر والوجع.

قربت من الموظف اللي كان قاعد ورا المكتب، حطيت الباسبور قدامه وبصوت هادي ومستقر بالحرص:

* “عايزة أوضة ليلة واحدة من فضلك.”

الموظف بصل بفضول، بس احترافية الشغل خلاته يسجل البيانات بسرعة. استلمت المفتاح، طلعت الأوضة، وأول ما دخلت وققلت الباب ورايا بالمفتاح.. انهرت.

سندت ضهري على الباب واتزحلقت لحد ما قعدت على الأرض. ضميت ركبتي لصدري، والدموع اللي كنت حابساني ومقوية نفسي بيها قدام إبراهيم ونيفين نزلت زي السيل. بكيت على سنتين من عمري اتسرقوا في الوهم.. بكيت على الكعوب اللي اتطحنت في المجمعات والقنصلية.. على الفرحة اللي كانت مالية قلبي إمبارح وأنا بلم الهدوم.. على قيد العيلة وشهادة الميلاد الموثقة اللي كانت مكتوب فيها إني زوجة لراجل بيتقاسم مع غيري من ورا ضهري.

فضل العياط يخنقني لحد ما حسيت إن صدري اتفرغ تماماً من أي طاقة. مسحت وشي، وقفت بصيت لنفسي في مراية الدولاب.. عيني كانت حمرا، بس كان فيها لمعة جديدة. لمعة الست اللي أدركت إن البكاء مش هيسترد حقها، وإن اللي اتكسر إمبارح مش هينفع يترقع، بس ينفع يتدفن وتتبنى مكانه حقيقة تانية خالص.

فتحت التليفون.. أول ما الشبكة جمعت، التليفون اترمى بسيل من الرسائل والإشعارات. 35 مكالمة مفقودة من إبراهيم، و12 رسالة منه:

“سمر ارجعي الشقة عشان خاطري!”

“أنا نيفين من الشقة بره، تعالي نتفاهم!”

“أنتِ فين؟ أنا قالب عليكِ الشوارع وممكن أبلغ الشرطة!”

“ما تضيعيش بيتنا يا سمر!”

ابتسمت بسخرية ومرارة.. “ما تضيعيش بيتنا!”.. هو هو اللي ضيعه وهدمه بيده، وجاي دلوقتي يتهم الضحية إنها بتضيع البيت!

الرسالة اللي استوقفتني كانت من رقم غريب.. فتحتها لقيتها من نيفين!

“برافو عليكِ عملتي شو حلو وخرجتي في دور الضحية.. بس حابة أقولك إن إبراهيم معايا دلوقتي في شقتي الثانية، وبيترجاني ما أزعلش! افهمي حجمك يا سمر، أنتِ مجرد مرحلة وانتهت في حياته.”

مسكت التليفون وإيدي ثابتة.. ما اتنرفزتش، ما اتعصبوش. نيفين كانت فاكرة إن الرسالة دي هتقهرني أو ترجعني أصرخ وأترجاهم، لكنها بقلة عقلها إديتني أكبر سلاح: إثبات ثاني على خيانتهم واستمرارهم، مع اعتراف ضمني بوجودها. أخدت “سكرين شوت” للرسالة، وحفظتها في ملف خاص على التليفون مع التسجيلات والرسائل القديمة.

قفلت التليفون، وقعدت على السرير وطلعت الدوسيه الأزرق.. أوراق السفر، عقد الزوجية المصري، كشف الحساب البنكي الصغير اللي كنت حوشت فيه جزء من فلوسي قبل ما أسافر، وأوراق إقامتي اللي استلمتها في المطار.

قعدت أخطط.. أنا في بلد غريبة، صحيح، بس مش عاجزة. معايا إقامة رسمية قانونية بصفتي زوجة، ومعايا حق شرعي وقانوني في مصر وهنا. إبراهيم فاكر إني هضعف وأرجع مصر مكسورة الخاطر والناس تأكل وشي بتقاويل “سافرت لجوزها وطلقها في أسبوع”. لا.. أنا مش هرجع مكسورة، أنا هرجع وأنا واخدة حقي منه تالت ومتالت!

ثاني يوم الصبح..

صحيت الساعة تمانية، استحميت بمية باردة تقوي جسمي، لبست هدومي، ولميت الشنط وحطيتها في أمانات الفندق. خرجت على العنوان اللي كنت بحثت عنه بالليل على النت: مكتب محاماة مصري-عربي معتمد في العاصمة بره.

دخلت المكتب، قابلت المحامي.. راجل خمسيني ملامحه جادة وواثقة اسمه الأستاذ طارق. قعدت قدامه، وشرحت له القصة بالكامل من أول المكالمة التي لم تُغلق، لحد الشال الأحمر ورسالة نيفين اللي على التليفون.

الأستاذ طارق سمعني بهدوء، وكان بيكتب ملاحظات في أجندته. لما خلصت، حط القلم على الترابيزة وبص لي:

* “يا مدام سمر.. موقفك القانوني هنا قوي جداً، وأقوى بكتير مما تتخيلي.”

* “إزاي يا متر؟”
* “أولاً: القانون هنا بيعاقب على الجمع بين زوجتين في عقود غير معلنة أو التزوير في إقرارات الحالة الاجتماعية إذا كان ثبت إنه سجل إقامتك هنا بصفتك الزوجة الوحيدة عشان يجيب لك الفيزا.

ثانياً: العقد اللي بينه وبين نيفين، إذا كان عقد عرفي أو موثق مدنياً من غير علمك ودون إخطارك الرسمي حسب القانون المصري، ده يمنحك حق رفع دعوى طرر وشقاق فورية في المحاكم المصرية والأجنبية، ومطالبته بكامل مؤخر صداقك، والمتعة، ونفقة السكن، وجزء من ممتلكاته اللي اتأثثت في فترة الزواج.”

مقالات ذات صلة

زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 3
منذ 40 دقيقة

زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 1
منذ 48 دقيقة

حكايات اسما السيد 2
منذ 5 ساعات

حكايات اسما السيد 1
منذ 5 ساعات
حسيت بنور بسيط بيطلع في أخر النفق المظلم:

* “أنا مش عايزة منه فلوس أعيش بيها يا متر.. أنا عايزة حقي وحق كرامتي اللي اتداست.”

* “الحق والكرامة في القانون بيترجموا لورق وفلوس ومواقف يا مدام سمر. إحنا هنلعبها صح.. مش هنواجهه بغضب، هنواجهه بالقانون.”

اتفقنا على الخطة:

الأستاذ طارق هيعمل إجراءات القضايا الرسمية، ويوجه له إنذار على يدي محضر بالشقة، يطالبه بتوفير مسكن مستقل فوراً وإثبات الحالة الاجتماعية، وفي نفس الوقت هنحفظ كافة حقوقي المالية.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن ظهري اتفرد.

مسكت التليفون وفتحت الخط.. لقيت إبراهيم بيرن في نفس اللحظة!

فتحت عليه الصوت.. المرة دي نبرتي كانت هادية جداً، أبرد من الثلج:

* “ألو.. إبراهيم.”

صوته طلع متلهف ومشتت:

* “سمر! أنتِ فين؟ حرام عليكِ اللي بتعمليه ده! أنا قعدت طول الليل ألف في الشوارع زيك! تعالي الشقة نتكلم.. والله العظيم نيفين مش موجودة، وأنا أعدك إن كل حاجة هترجع زي الأول!”

ضحكت ضحكة خفيفة وصغيرة:

* “ترجع زي الأول؟ هو إيه اللي يرجع يا إبراهيم؟ السنتين اللي ضاعوا؟ ولا الكدب؟ ولا ريحة نيفين اللي في الشقة؟”

* “سمر، أنا بحبك أنتِ! نيفين كانت نزوة وغلطة وغربة! افهمي بقى!”

* “لو كانت نزوة، ما كنتش تسيبها تهينني في بيتك وتتطاول عليا وأنت واقف زي الشاهد الأطرش! عموماً يا إبراهيم.. أنا مش هضيع وقتي في كلام ملوش لازمة.”

* “يعني إيه؟ أنتِ فين دلوقتي؟”

* “أنا في بلد الله الواسعة.. وبقولك إنك خلال 48 ساعة هيوصلك إخطار رسمي من محاميّ هنا ومحاميّ في مصر. حق السنتين، ومؤخري، ونفقتي، وحقي في الشقة والأثاث اللي اتدفع فيه شقايا، هتاخده بالقانون.”

إبراهيم صوته اتغير فوراً، والتحول المرعب في نبرته ظهر.. الخوف تحول لشر والغضب اتفجر فيه:

* “محامي؟! أنتِ بتجرجريني في المحاكم يا سمر؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ هنا في بلدي وفي منطقتي، ومتقدراتك كلها في إيدي! الباسبور والفيزا أنا اللي ضامنهم، ولو رفعتِ قضية واحدة أنا هعملك إلغاء إقامة وأرحّلك مصر في ظرف 24 ساعة بلبسك اللي عليكِ!”

التهديد ده كان الكرت الأخير اللي كان فاكر إنه هيقسرني بيه.. يهددني بالترحيل والكسرة قدام أهلي.

ابتسمت بثبات وقلت له:

* “اعمل اللي تقدر عليه يا إبراهيم.. بس افتكر كويس، التهديد ده متسجل، وأوراق المحامي اتسلمت للجهات المختصة من ساعة بالظبط. وأعلى ما في خيلك أنت وست نيفين بتاعتك.. اركبه.”

قفلت السكة في وشي من غير ما أستنى أسمع صراخه.

في اللحظة دي بالظبط، التليفون رن تاني.. بس المرة دي كان رقم مصر.

رقم أمي!

أخدت نفس طويل، وحاولت أظبط نبرة صوتي عشان ما تحسش بحاجة.. فتحت الخط:

* “ألو.. أيوا يا أمي، صباح الخير.”

صوت أمي طلع بيبكي ومش طبيعي خالص:

* “سمر! الحقيني يا بنتي! أخوكي حاتم مع أهل إبراهيم هنا في المنطقة والبوليس جه أخد إبراهيم الكبير وأخوكي في القسم!”

دمي اتجمد في عروقي.. المشكلة ما بقيتش بس بيني وبين إبراهيم في الغربة.. المأساة كبرت ووصلت لبيتنا وأهلي في مصر

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى