روايات وقصص

زوجي مسافر لروماني مكرم

قلبي ضرب ضربة جنونية، وجسمي كله قشعر. فضلت باصة للتليفون وهو بيرن.. الرنة الأولى خلصت.. فتح الثانية.. والثالثة.

أخدت نفس طويل جداً، مسحت وشي بإيدي اللي كانت بتموت من البرودة، ومسكت التليفون.

حاولت أظبط صوتي، أضغط على حنجرتي عشان ما تبانش المأساة اللي أنا فيها. فتحت الخط.

* “ألو.. صباح الخير يا سمر.”

صوته كان عادي جداً! دافئ، حنون، خالي من أي أثر للجريمة اللي ارتكبها إمبارح.

بلعت ريقي بالعافية وقلت بصوت هادي، زي الميت:

* “صباح النور يا إبراهيم.”

* “إيه يا حبيبتي، صحيتي؟ صوتك مالك كده؟ متغير ليه؟ إنتي تعبانه؟”

سؤال النفاق ده خرج منه بمنتهى السهولة.. “صوتك مالك؟”!

قلت له وأنا بأكد على كل كلمة:

* “لا.. مفيش. بس ما نمتش كويس إمبارح.. أصل الجو كان مكتوم شوية.”

سكت ثانية، وقال بضحكته المعتادة:

* “معلش يا حبيبتي.. هانت خلاص، أيام وتكوني معايا هنا وفي حضني والتعب ده كله يروح. عملتي إيه؟ نازلة القنصلية النهاردة؟”

في اللحظة دي، كان قدامي طريقين:

إما أصرخ في وشه، أقوله أنت خاين ومنافق، وأسمعه الصوت اللي سمعته إمبارح وأقفل السكة وأطلب الطلاق..

أو ألبس القناع، وألعب الملعوبة اللي لازم تتلعب عشان أعرف الحقيقة كاملة ومضيعش حقي.

لو صرخت دلوقتي، هيقفل عليا، هيغير أرقامه، هيتحامى في غربته، وأنا هفضل هنا في مصر مضحوك عليا، مكسورة، ومحدش هيصدقني أو يقف معايا من غير دليل قاطع.

أنا لازم أروح له! لازم أحط رجلي في بيته بره، وأشوف الست دي بوشي، وأعرف كل حاجة بنفسي!

غيرت نبرة صوتي فوراً، وخليت فيها شوية لهفة مزيفة:

* “أه طبعاً يا إبراهيم.. أنا قائمة أهو ألبس عشان ألحق الدور في القنصلية. خلاص فاضل البصمة والفيزا تتختم، ومش فاضل غير أسبوع وتكون الشنطة مقفولة وأنا عندك.”

سمعت تنهيدة منه.. تنهيدة مش عارفة كانت راحة ولا توتر:

* “ربنا يوفقك يا سمر.. خلصي وكلميني أول ما تخرجي. وتخففي على نفسك يا حبيبتي متضغطيش على روحك.”

* “حاضر يا إبراهيم.. مع السلامة.”

قفلت المكالمة.. وقفت قدام المراية. بصيت لوشي.. كان شاحب، وتحت عيني سواد، بس عيني نفسها كان فيها شرار غريب. الخوف والتعب اللي كانوا فيا إمبارح تحولوا لجمود.

نزلت الشارع.. مشيت وسط الناس وأنا مش حاسة بالزحمة ولا بالحر. دخلت القنصلية، وقفت في الطابور، قدمت الأوراق، بصمت، واستلمت الميعاد النهائي لاستلام الباسبور بالفيزا. كل خطوة كنت بعملها، كنت بحس إنها خطوة نحو كشف المستور.

بعد أسبوعين كاملين.. أسبوعين كنت بعيش فيهم تمثيلية مرعبة. بكلمه كل يوم، أضحك معاه، أطمنه على الشنط، أسمعه كلام الحب المزيف وهو يرد بنفس الحب المزيف.. وأنا في داخلي بغلي، كل كلمة حلوة كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار.

جاء يوم السفر.

أمي وإخواتي كانوا معايا في المطارات، يزغرطوا ويبكوا من الفرحة: “مبروك يا سمر.. ربنا يسعدك يا بنتي مع جوزك ويجبر بخاطركم”.

كنت ببص لهم وأنا ببتسم ابتسامة باهتة.. لو يعرفوا أنا مسافرة لإيه! أنا مش مسافرة لبيت الزوجية.. أنا مسافرة لمواجهة

ركبت الطيارة.. الطيارة أعلنت الإقلاع. بصيت من الشباك على مصر وهي بتبعد تحت الغيم.. وحسيت إن حياتي القديمة هي اللي بتبعد، وإن اللي جاي مش معروف.

بعد أربع ساعات طيران.. وصلت المطار بره.

خلصت إجراءات الجوازات، أخدت الشنط، وخرجت للممر الخارجي.

من بعيد.. شفته!

كان واقف مستني، لابس القميص الكحلي اللي بحبه، وبيدور بوشه بين المسافرين بلهفة. أول ما شافني، وشه ينور ورفع إيده يلوح لي.

مشيت ناحيته ببطء.. خطوة.. ورا خطوة.. الشنط تقيلة في إيدي، بس ثقل قلبي كان أتقل بكتير.

أول ما قربت منه، فتح دراعاته عشان يحضنني:

* “سمر! الحمد لله على السلامة يا حبيبتي.. نورتي الدنيا!”

وقف في مكاني.. أخدت خطوة لورا بسيطة وتفاديت الحضن، ومسكت إيده ببرود:

* “الله يسلمك يا إبراهيم.. الحمد لله على الوصول.”

بص لي بستغراب، وشه اتغير شوية من جفاء رد فعلي:

* “مالك يا سمر؟ تعبانة من السفر ولا إيه؟”

* “تعبانة شوية.. يلا بينا على الشقة.”

أخد الشنط مني، ومشينا ناحية العربية. طول الطريق في العربية، كان بيحاول يفتح كلام.. يكلمني عن الشقة، عن الشغل، عن الأيام اللي جاية.. وأنا ردودي كانت كلمة وبتغطاها سكتة.

وصلنا العمارة.. عمارة فخمة في حي هادي. أخد الأسانسير وطلعنا الدور الثالث. وقف قدام الباب، طلع المفتاح من جيبه، وقال بابتسامة:

* “اتفضلي يا سمر.. بيتك ومطرحك.”

دخلت الشقة.. المكان كان هادي، الإضاءة خافتة، وريحة بخور هادية مالية المكان.

أول ما حط الشنط في الصالة، وقفت في نص الشقة، وبصيت حواليا. كان فيه جزامة صغيرة جنب الباب.. وعلى الجزامة، كان فيه جزمة حريمي أنيقة جداً لونها أحمر، وشال حريمي مرمي بإهمال على الكنبة في الصالة!

إبراهيم لاحظ عيني وهي بتبص على الشال والجزمة.. وشه اتخطف بسرعة، واندس التوتر في ملامحه، وقال بارتباك واضح:

* “أه.. ده.. ده شال بتاع مدام الجيران كانت هنا إمبارح بتساعدني أنضف عشان استقبالك ونسيته!”

لفيت وشي ليه ببطء.. حطيت شنطة إيدي على الترابيزة، وبصيت في عينيه بثبات مرعب، وقلت له بصوت واطي وواضح:

* “ومدام الجيران دي يا إبراهيم.. هي اللي قالتلك إمبارح إني لما أجي هنسى وجودها، وأن لها فيك حق زي ما ليا بالظبط؟”

البيت كله دخل في صمت قاتل.. وجه إبراهيم تحول للون الأبيض تماماً، وشفايفه بدأت اترعش وهو يبص لي ومش قادر ينطق بحرف واحد!
الجزء الثالث

كانت اللحظة زي اللي نزلت قطعت صمت الشقة. كلمة واحدة من سؤالي كانت كفيلة إنها تطير الألوان كلها من وش إبراهيم. عينيه اتسعت على الآخر، وبدأ يحرك شفايفه من غير ما يطلع منها صوت مفيد، كأنه واحد أكل مفاجأة على دماغه وشلّت تفكيره.

السكوت فضّل يخنق المكان لثواني طويلة، ريحة البخور اللي كانت مالية الصالة تحولت في نظري لريحة ومكيدة متحبكة بعناية.

* “إنتي.. إنتي بتقولي إيه يا سمر؟”

خرجت منه الكلمة متقطعة، ومصحوبة بضحكة صفرا مهزوزة يحاول يداري بيها :

* “إنتي أكيد تهزي.. أو تعبانة من السفر والطيران ومخك مأثر عليكِ!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى