روايات وقصص

حكايات صافي هاني

قلبت الصفحة الأخيرة.

وكانت الصدمة.

فيها اسم طارق.

وتحته جملة واحدة:

“طارق مدين لي بمبلغ كبير، وقد حاول إخفاء جزء من أمواله.”

بصيت للمحاسب.

“هو كان مفلس قبل ما يتجوزني؟”

قال:

“تقريبًا.”

سكت.

وبعدين قال:

“والأسوأ إن والدك كان ناوي يواجهه.”

“واجهه؟”

هز رأسه.

“لكن قبل ما يعمل ده… حصلت حادثة والدك.”

وقتها اتجمدت.

لأن الحادثة اللي مات فيها والدي…

أنا طول عمري فاكرة إنها كانت حادثة عادية.

لكن المحاسب قال:

“أنا مش بقول إن طارق له علاقة.”

وسكت لحظة.

“لكن في ملف والدك ملاحظة غريبة جدًا.”

قربت منه.

“إيه؟”

قال:

“والدك كان كاتب قبل وفاته بيومين إنه اكتشف تحويلات مالية باسم شخص قريب جدًا من طارق.”

قلت:

“مين؟”

فتح آخر صفحة.

وشفت الاسم.

اتسعت عيني.

لأن الاسم كان…

كريمة.

حماتي.

فضلت ساكتة.

كل الصور اللي في دماغي بدأت تتجمع.

كريمة اللي كانت بتتحكم في فلوس البيت.

كريمة اللي كانت بتبرر كل حاجة.

كريمة اللي سابت بنتي في البلكونة.

كريمة اللي كانت عارفة تفاصيل دخلي وتحويلاتي.

كريمة اللي قالت لابنها:

“سيبها… هترجع لوحدها.”

وقتها فهمت.

أنا ما كنتش قدام عيلة استغلتني بالصدفة.

أنا كنت قدام منظومة كاملة…

من أول يوم دخلت بيتهم.

لكن اللي ما كانوا يعرفوه…

إن أبويا كان سايب وراه مفتاح.

والمفتاح ده كان في إيدي أنا.

رجعت البيت، وقعدت قدام خديجة وهي نايمة.

بصيت لها طويلًا.

وقلت:

“ماما مش هتسيب حقك.”

وفي صباح اليوم التالي، قدمنا الملف للمحكمة.

وبعدها بساعات…

وصلني تسجيل صوتي مجهول.

فتحته.

وكان صوت حماتي.

واضح.

بتقول:

“لو مريم عرفت اللي حصل زمان… كلنا هنروح في داهية.”

توقفت عن التنفس.

لأن التسجيل ما كانش قديم.

كان مسجل من أيام.

يعني…

حماتي كانت لسه بتتكلم عن السر.

ولسه خايفة.

ولسه فيه حاجة أكبر من موضوع الفلوس.

رفعت عيني عن الموبايل.

وابتسمت لأول مرة.

لأنهم كانوا فاكرين إني خرجت من بيتهم مكسورة.

لكن الحقيقة…

أنا خرجت منه ومعايا أول خيط للحقيقة.

والحساب لسه ما اتفتحش كله.

النهاية المؤقتة… لأن السر الحقيقي كان لسه مستخبي في آخر ملف عند أبويا.

الخاتمة

ما نمتش الليلة دي.

فضلت التسجيل شغال قدامي، وكل مرة أسمع صوت حماتي وهي بتقول: «لو مريم عرفت اللي حصل زمان… كلنا هنروح في داهية»، أحس إن قطعة جديدة من الصورة بتتركب قدامي.

تاني يوم، روحت لمحاميتي ومعايا كل المستندات.

قلتلها:

“أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت.”

بدأنا نراجع الملف من أوله.

والحقيقة كانت أقسى مما توقعت.

قبل جوازي من طارق بسنين، كان داخل في ديون ومشاكل مالية، وأبويا ساعده فعلًا، لكنه اكتشف بعد كده إن جزء من الفلوس اتصرف في معاملات مشبوهة.

حماتي كانت عارفة.

وولاء كانت عارفة.

وحتى طارق نفسه كان عارف إن أبويا اكتشف الحقيقة.

لكن أبويا ما كانش ناوي يفضحه.

كان ناوي يديه فرصة يرجع كل حاجة.

وعشان كده، قبل وفاته بأيام، كتب ورقة واحدة:

“أنا مش عايز أظلم حد، لكن لو طارق أذى بنتي أو استغلها، مريم لازم تعرف كل حاجة.”

المفاجأة إن الحادثة اللي مات فيها أبويا ما طلعش فيها أي دليل قانوني يثبت إن طارق تسبب فيها.

لكن التحقيقات القديمة كشفت إن طارق كان بالفعل على خلاف شديد معاه قبل الحادث.

وده كان كفاية بالنسبة لي عشان أفهم إن جوازي ما كانش قصة حب بريئة زي ما كنت فاكرة.

كان فيه مصالح اتخبّت وراها سنين.

واجهت طارق في المحكمة.

كان واقف قدامي لأول مرة من غير غرور.

قال:

“مريم، أنا غلطت.”

بصيت له وقلت:

“غلطت لما أهملت بنتك؟ ولا لما عشت بفلوسي؟ ولا لما حاولت تخفي ديونك؟”

سكت.

قلت:

“أنت ما خسرتنيش يوم ما لقيت خديجة في البلكونة.”

وبصيت له في عينه.

“أنت خسرتني يوم ما شفت بنتك جعانة، واخترت تسكت عشان العزومة تكمل.”

نزل عينه للأرض.

أما كريمة، فاضطرت تواجه كل التحويلات اللي كانت بتاخدها، وكل المصاريف اللي اتدفعت من فلوسي.

وولاء اضطرت ترجع جزء كبير من المبالغ اللي ثبت إنها أخدتها من غير حق.

أما الشركة، فبعد مراجعة الحسابات، قدرت أحافظ على حقي فيها، وأنهيت أي سيطرة لطارق على الأموال اللي كنت أنا صاحبة النصيب الأكبر منها.

لكن أهم حاجة بالنسبة لي ما كانتش الفلوس.

كانت خديجة.

بعد شهور، صدر الحكم بالطلاق، واتحدد حق خديجة في الرعاية والحماية، وبقيت أنا المسؤولة عن حياتها بشكل كامل.

أخدتها يومها وخرجنا من المحكمة.

كانت ماسكة إيدي وبتنط على السلم.

قالت:

“ماما… إحنا هنروح بيتنا؟”

ضحكت وقلت:

“أيوه يا حبيبتي.”

“وفيه أكل؟”

ضحكت أكتر.

“فيه أكل كتير.”

سكتت لحظة وبعدين قالت:

“ومش هتقعديني في البلكونة؟”

وقتها دموعي نزلت.

نزلت لمستواها وحضنتها.

“أبدًا يا خديجة… طول ما ماما عايشة، محدش هيحرمك من حاجة.”

بعدها بس فهمت إن العزومة اللي بدأت كل الحكاية ما كانتش مجرد عزومة.

كانت آخر مرة أنفق فيها جنيه واحد على ناس ما استحقوش.

وأحيانًا…

أقسى رد على اللي استهانوا بيك، إنك ما تنتقميش منهم.

تكتفي إنك توقف عنهم كل حاجة كانوا فاكرين إنها حق مكتسب.

أما خديجة…

فكل ليلة قبل ما تنام، كنت أغطيها وأبوس جبينها.

وأفتكر نص رغيف العيش الناشف اللي كان في إيدها يوم رجعت.

وأقول لنفسي:

“الحمد لله إني رجعت بدري.”

لأن لو كنت وصلت بعدها بساعات…

يمكن كنت هلاقي بنتي لسه في البلكونة.

ويمكن كنت هكمل حياتي وأنا فاكرة إن اللي حواليا بيحبوني.

لكن ربنا كشفهم في الوقت المناسب.

ومن يومها، بقت عندي قاعدة واحدة:

اللي يستهين بوجعك مرة، ما تديلوش فرصة يوجعك مرتين.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى