روايات وقصص

خادمة الملك انجي الخطيب

القصر الملكي كله اڼفجر بالضحك، لما خدامة بسيطة قررت تحط إيديها في القفاز الكريستال القديم اللي الأمير بيختار بيه عروسته المستقبلية. واحدة من البنات الغنيّة بصتلها من فوق لتحت وقالت بسخرية بصي على إيديكي الأول يا حبيبتي! إنتِ إزاي تجرؤي تقربي من القفاز الملكي أصلًا؟! البنات الجميلة اتريقوا عليها، وكل واحدة فيهم كانت متأكدة إن خدامة زي دي مستحيل يكون ليها أي فرصة. لكن لما الخدامة أخيرًا مدّت إيديها وحاولت تدخلهم في القفاز الكريستال، حصلت حاجة خلت كل اللي في القاعة يتجمدوا مكانهم من الصدمة! من أسابيع، وقصر الملك في القاهرة كان عايش على قدم وساق، بعد ما الملك قرر إن ابنه الأمير أدهم لازم يتجوز ويختار بنت الحلال اللي هتشاركه حياته وتبقى ملكة مصر المستقبلية. الملك بعت دعوات لأكبر العائلات وأغناها، وطلب إن أجمل البنات من كل أنحاء المملكة يجتمعوا في القصر، وكل واحدة فيهم تحاول تثبت إنها الأجدر بقلب الأمير. بس الأمير أدهم كان عنده رأي تاني، وقرر إن اختيار عروسته مش هيكون بالجمال ولا بالفلوس ولا باسم العيلة، لكنه هيكون بطريقة غريبة محدش كان يتوقعها. العيلة الملكية كانت محتفظة من مئات السنين بقفاز كريستال نادر، متصمم بإتقان شديد، ومرصع بحواف من الدهب الخالص وحبات من الأحجار الكريمة اللي بتلمع تحت نور النجف الضخم في القصر. وكانت الحكايات القديمة بتقول إن القفاز ده مش مجرد قطعة أثرية غالية، لكنه سر من أسرار العيلة الملكية، وإن البنت اللي تقدر تدخل إيديها فيه من غير ما يحصل أي تغيير في حجمه، هي اللي القدر اختارها تبقى زوجة الأمير. اتحط القفاز فوق منصة رخامية كبيرة في نص القاعة الرئيسية، واتفتحت أبواب القصر لاستقبال بنات العائلات الكبيرة، اللي وصلوا بعربيات فخمة، ولبسوا فساتين غالية ومجوهرات ټخطف العين. كانت القاعة مليانة ضحك وهمسات، وكل بنت بتبص للتانية وبتقارن نفسها بيها، وكل واحدة جواها أمل إنها تكون هي العروسة اللي الأمير هيختارها. أول واحدة قربت من المنصة كانت بنت واحد من أغنى الباشوات في البلد، اسمها فرح. كانت لابسة فستان دهبي مطرز باللولي، وشعرها متصفف بعناية، وعلى وشها ابتسامة ثقة وهي بتمد إيديها ناحية القفاز. حاولت تدخل صوابعها مرة واتنين، لكن القفاز كان ضيق عليها

بشكل غريب، ومهما حاولت، إيديها ما دخلتش. رجعت لورا وهي متضايقة، وحاولت تخبي إحراجها بابتسامة مصطنعة. بعدها قربت بنت تانية اسمها جمانة، وبعدها بنت تالتة اسمها نادين، وبعدهم بنات كتير من عائلات معروفة. واحدة ورا التانية، كلهم حاولوا، لكن النتيجة كانت واحدة. ولا بنت قدرت تدخل إيديها في القفاز الكريستال! وبعد محاولات كتير، بدأت الهمسات تزيد في القاعة، والبنات بقوا يبصوا لبعض باستغراب، لأن محدش فيهم كان متوقع إن الموضوع يبقى بالصعوبة دي. وفجأة، جه صوت هادي من ناحية باب القاعة ممكن أجرب أنا كمان؟ كل الموجودين لفوا ناحية الصوت، وشافوا بنت شابة واقفة جنب الباب، لابسة فستان رمادي بسيط وطرحة قديمة متلفوفة حوالين شعرها. كانت اسمها مريم، خدامة في القصر، بتشتغل في المطبخ من الفجر لحد آخر الليل، تغسل الأطباق، وتنضف الحلل التقيلة، وتشيل الصواني، وتمسح أرضيات الرخام اللي البنات واقفين عليها بفخر. إيديها كانت حمرا من كتر الميه الباردة والصابون، وأطراف صوابعها فيها تشققات صغيرة من كتر الشغل، وكفوفها خشنة من التعب اللي شافته كل يوم. وقفت مريم في مكانها مستنية الرد، وهي حاسة إن كل العيون اتعلقت بيها. ولثواني، ساد الصمت في القاعة كلها. وبعدين، اڼفجرت البنات بالضحك! فرح حطت إيدها على بُقها وهي بتضحك باستهزاء، وقالت إنتِ بتتكلمي جد يا بت؟ إنتِ بصيتي على إيديكي قبل ما تطلبي الطلب الغريب ده؟! جمانة بصتلها من فوق لتحت وقالت بسخرية ده أنا إيدي الناعمة اللي عمري ما شلت بيها غير الشنط الغالية، معرفتش أدخلها في القفاز! أمال إنتِ اللي إيديكي متشققّة من غسيل المواعين هتدخليها إزاي؟! بنت تالتة ضحكت وقالت هي فاكرة نفسها هتبقى ملكة عشان تخلص من مسح الأرضيات وغسيل الحلل؟ يا عيني على الأحلام! الضحك زاد، وبعض البنات بقوا يشاوروا على إيدي مريم ويتريقوا على فستانها القديم. لكن مريم ما ردتش، وفضلت واقفة بهدوء، رغم إن كلامهم كان بيوجعها. هي ما كانتش بتحلم بالعرش ولا بالدهب ولا بالمجوهرات، كل اللي كانت عايزاه إنها تعرف إذا كانت الحكاية اللي سمعتها من زمان عن القفاز حقيقية ولا مجرد أسطورة. الملك محمود، اللي كان قاعد على كرسيه المزخرف في آخر القاعة، اتعصب من المنظر، وخبط بعصايته على الأرض وقال پغضب
كفاية مهزلة! إنتِ يا بنت، ارجعي المطبخ بتاعك فورًا، وإنتِ مالك أصلًا بالحاجات دي؟! مريم نزلت عينيها في الأرض، وحست إن كرامتها اټجرحت قدام كل الناس، وبدأت ترجع لورا عشان تنفذ أوامر الملك. لكن قبل ما تتحرك، الأمير أدهم وقف من مكانه وقال بصوت ثابت استنى يا بابا! الملك بص لابنه باستغراب، والأمير كمل كلامه وهو بيبص لكل الموجودين حضرتك بنفسك أعلنت إن أي بنت شابة مش متجوزة في المملكة من حقها تجرب القفاز، وقلت إن الاختيار هيكون من غير تفرقة بين بنت غنية وبنت فقيرة. إيه اللي يخلي مريم ممنوعة من المحاولة؟ الملك اتفاجئ من كلام ابنه، ووشه اتغير، لكنه ما قدرش يرد بسرعة، لأن الأمير كان عنده حق. الأمير بص لمريم وقالها بنبرة هادية اتفضلي يا مريم، جربي. مريم رفعت عينيها ببطء، وبصت للأمير للحظة، وبعدها اتحركت ناحية المنصة بخطوات مترددة. كل الموجودين سكتوا، والبنات اللي كانوا من شوية بيضحكوا بقوا مستنيين يشوفوا هتعمل إيه. مريم وقفت قدام القفاز الكريستال، ورفعت إيديها الخشنة بحذر، وهي بتفتكر كل يوم قضته في القصر، وكل مرة اضطرت فيها تتحمل الإهانة وتسكت عشان لقمة عيشها. مدّت إيدها الأولى ناحية القفاز، وبعدها رفعت إيدها التانية… وفي اللحظة اللي حاولت فيها تدخل إيديها جوه القفاز، حصلت حاجة محدش كان يتخيلها، حاجة خلت الضحكة تختفي من على وشوش البنات، والملك يقوم واقف من مكانه، والأمير أدهم يبص للقفاز بذهول، وكأنه مش مصدق عينيه! يا ترى إيه اللي حصل أول ما مريم لمست القفاز؟ وليه الملك نفسه اټصدم بالشكل ده؟
في اللحظة اللي مريم لمست فيها القفاز الكريستال، حصلت حاجة خلت القاعة كلها تسكت كأن الزمن وقف فجأة. القفاز اللي فضِل مئات السنين ثابت فوق المنصة الرخامية، واللي عشرات البنات حاولوا يلبسوه من غير فايدة، بدأ يلمع بنور ذهبي خاڤت، وبعدها النور زاد بالتدريج لحد ما انعكس على أعمدة القصر والنجف الضخم اللي كان متدلي من السقف. مريم شهقت پخوف وحاولت تسحب إيديها، لكنها اتفاجئت إن القفاز اتحرك لوحده، وانفتح الجزء العلوي منه بسهولة غريبة، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين طويلة. وفي ثانية واحدة، القفاز استقر على إيديها بالظبط، من غير ما يضغط على صوابعها أو يجرح جلدها، والأغرب من كده إن التشققات

السابق1 من 7
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى