روايات وقصص

تنضيفة العيد.اماني السيد.

أحمد بصلها وقال بنبرة جدية عشان يداري موقفه: “لأ مش تعبانة.. الشقة عندها متبهدلة وعايزاكي تنظفيها لها، وتغسلي السجاجيد عشان العيد، وبالمرة تعملي لنا لقمة نتغدى بيها كلنا هناك!”

رانيا لفت وشها ليه وصدمة مالت عينيها، وقامت وقفت وقالت له بصوت مش مصدق: “إنت بتتكلم جد يا أحمد؟! غسيل سجاجيد وتنضيف شقة كاملة دلوقتي؟ وأنا راجعة مش شايلاني من التعب؟!”

بص لها أحمد، وحاول ينزل من حدة نبرته عشان يهدي الأمور، وقرب منها وقال بصوت فيه محايلة: “رانيا، افهميني بس، أمي تعبانة وما فيش حد غيرنا، وأنا بجد مش قادر أسمع صوتها وهي بتعيط في التليفون.. خدي بكره إجازة من الشغل، وروحي لها.. والله ما هنسى لك الوقفة دي أبداً، هي محتاجاني ومحتاجة حد معاها دلوقتي.”

رانيا بصت له وعينيها مليانة استفهام ووجع، وقالت له بصوت مرتعش: “أحمد، أنت عارف إني بقالي شهر مضغوطة في الشغل ومحتاجة يوم الإجازة ده عشان أرتاح، وبعدين فين إخواتك؟ ليه هما دايماً بره الصورة؟ هما مش ولادها برضه؟ ولا هي جت عليا أنا بس؟”

أحمد اتنهد تنهيدة طويلة، وبص في الأرض عشان يتفادى نظراتها، وقال لها بصوت هادئ: “إخواتي… إخواتي مشغولين يا رانيا، كل واحد فيهم لاهي في بيته وتجهيزات سفره للعيد، ومحدش فاضي يشيل الهم ده.. ما تضغطيش عليا أكتر من كدة، أرجوكي، الموضوع مش مستاهل.”

رانيا سكتت تماماً، ملامح وشها اتغيرت من الاستغراب للذهول.. حست إنها لوحدها في مواجهة مش بس حماتها، لكن كمان جوزها اللي بدأ يتخلى عن إنصافها عشان يرضي أمه.

رانيا ضحكت ضحكة كلها مرار، وهزت راسها مش مصدقة وقالت له: “لاهيين في بيوتهم وتجهيزات سفرهم؟ يعني إخواتك ولاد بطنها لاهيين في الفسح والخروج، وأنا الغريبة اللي المفروض أنزل أتهد في غسيل السجاجيد والترويق في يوم إجازتي الوحيد؟”

أحمد ملامحه اتشدت تاني وقال بزعل وعصبية مكتومة: “جرى إيه يا رانيا؟ قلت لك أمي بتبكي، وأنا مش هبقى ابن عاق عشان يوم إجازة! اعتبريها ستي يا ستي، اعتبري نفسك بتعملي ثواب.. هي الكلمة همشيها وبكرة تخلص.”

رانيا بصت له وكأنها بتكتشف شخص تاني واقف قدامها، وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادئ بس قوي: “أنا مش هقطع عيشي يا أحمد، بس بحترم مامتك وبحبها، وبشيلها في عيني لما تكون تعبانة ومريضة، لكن تطلبني أروح أعمل شغل البيت وغسيل سجاجيد كأني عاملة جايباها بفلوسها عشان ولادها التانيين يسافروا ويتفسحوا؟ لأ يا أحمد، أنا مش هروح، ومش هقبل تيجوا عليا بالطريقة دي لمجرد إنك مش قادر تقف قدام مامتك وتفهمها الأصول!”

أحمد افتكر كلام أمه، فالدم غلي في عروقه وزعق وهو بيشاور بإيده: “لأ هتروحي يا رانيا! أنا قلت كلمة وعدت أمي بيها، ومش هصغر قدامها.. بكره هتصحي من النجمة، وتاخدي إجازتك، وتروحي لها!”

رانيا اتصدمت من أسلوبه وزعيقه، ودموعها نزلت من الصدمة، وبصت له وقالت: “بقى كدة يا أحمد؟ بتبيعني وبتيجي على كرامتي عشان تثبت لأمك وجهة نظرك؟”

قفلت الباب وراها ودخلت الأوضة، وقعدت على السرير وهي بتعيط من قهرتها.. بس فجأة، مسحت دموعها بسرعة وملامح وشها اتحولت من الكسرة للتفكير والهدوء.. كأنها لقت الفكرة اللي هترجع لها حقها من غير ما تخسر جوزها أو تبان هي اللي غلطانة.

أحمد كان واقف بره في الصالة، رايح جاي وعصبية، لسه هيقرب من باب الأوضة عشان يخبط، لقى الباب بيتفتح ورانيا خارجة وهي هادية تماماً، مافيش في عينيها غير نظرة ثبات غريبة.

بصت له وقالت بنبرة هادية ومستسلمة: “خلاص يا أحمد.. أنا فكرت في كلامك ولقيت إنك عندك حق.. زعلك بالدنيا، وأنا مش هكون السبب في إنك تخسر مامتك أو تعقها.. أنا بكره الصبح هاخد إجازة وهكون عندها من النجمة، وهعمل لها كل اللي هي عايزاه وزيادة كمان.. متزعلش مني.”

أحمد أول ما سمع كلامها، حس براحة رهيبة والضغط اللي على كتافه انزاح، واتنهد وقال بنبرة ممتنة: “ربنا يخليكي ليا يا رانيا.. أنا عارف إنك أصيلة وبنت ناس، والله ما هنسى لك الوقفة دي، وهعوضك عنها.”

رانيا ابتسمت له ابتسامة باهتة وقالت له: “مفيش جمايل بيننا يا حبيبي، ده بيت حماتي برضه.. ادخل أنت ارتاح بقى عقبال ما أجهز حاجتي.”

دخل أحمد الأوضة وهو فرحان إنه فرض كلمته، لكن رانيا أول ما قفلت باب المطبخ عليها، طلعت موبايلها والابتسامة الباهتة دي اتحولت لضحكة ثقة.. فتحت الموبايل، وبدأت تنفذ خطتها في السر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

فتحت رانيا الموبايل، وعين اللؤم والذكاء لمعت في عينيها. بدأت تدخل على جروب الواتساب اللي بيجمعها بإخوات أحمد وسلايفها، وبنبرة كلها ود وحب كتبت رسالة صوتية: “مساء الخير يا جماعة، عاملين إيه؟ أنا كلمت أحمد ولقينا إننا بقالنا كتير متلميناش، وبما إنكم كلكم مشغولين في توضيب الشقق وميزانية السفر للعيد ومزنوقين، أنا قولت لأحمد بكرة أنا واخدة إجازة ونازلة لماما أعملها أكلة محشيات وبط وفراخ بلدي، وعازماكم كلكم بكرة تتغدوا معانا هناك.. ريحوا نفسكم خالص من طبيخ بكرة ووفروا مصاريف الغدا، وتعالوا على الجاهز، اللمة مش هتكمل من غيركم!”

 

طبعاً سلايفها وإخوات جوزها أول ما شافوا الرسالة، عيونهم لمعت.. فكرة إنهم يريحوا نفسهم من وقفة المطبخ وتجهيز الأكل، وفي نفس الوقت يوفروا ميزانية يوم كامل من مصاريف العيد، كانت لقطة بالنسبة لهم! في ثواني كانت الردود نازلة ورا بعض: “تسلمي يا رانيا يا بنت الأصول، إحنا جايين طبعاً!”، “الله ينور عليكي، وفرتي علينا حيرة الغدا بكرة، إحنا هناك على الساعة 4.”

قفلت رانيا الموبايل وهي بتضحك وبتقول في سرها: “وريني بقى يا حماتي يا حبيبتي هتغسلي السجاجيد بيا إزاي قدام ولادك وعزوتك اللي جايين يتغدوا.”

[اليوم التالي – الصباح]
صحي أحمد الصبح على الساعة 10، بص في الساعة واتخض لما لقى رانيا لسه نايمة ومقامتش من النجمة زي ما اتفقوا. صحاها بسرعة وهو مخضوض: “رانيا! رانيا قومي، الساعة بقت 10 وإنتي لسه هنا؟ مش قولنا هتكوني عند أمي من النجمة عشان تلحقي الترويق وغسيل السجاجيد؟”

رانيا فتحت عينيها بكل هدوء وتمطعت، وقالتله بنبرة رايقة وناعمة: “جرى إيه يا حبيبي؟ صباح الخير الأول.. أنا صاحية وعارفة أنا بعمل إيه، بس قولت بدل ما أروح هناك مكركبة، هخلص شقتنا هنا الأول بسرعة، وأغسل المواعين، عشان لما أروح لماما أبقى قاعدة معاها براحتي وبالي رايق، ومستعجلش وأنا نازلة.. مش لازم أروح وأنا مستعجلة وأقصر معاها في حاجة.”

أحمد ارتاح لكلامها وحس إنها بتفكر في مصلحة أمه، فقالها: “ماشي يا حبيبي، تسلم إيدك.. أنا هكلم أمي دلوقتي أقولها إنك جاية في السكة بس بتخلصي كام حاجة ونازلة، عشان متفتكرش إنك رجعتي في كلامك.”

وبالفعل، مسك أحمد التليفون وطلب أمه: “ألو.. صباح الخير يا أمي.. رانيا صاحية من بدري وبتجهز نفسها وجايلك في السكة علطول، بس بتشطب وراها كام حاجة في الشقة عشان تفضالك وتعملك كل اللي نفسك فيه.”

الأم أول ما سمعت المكالمة، ملامح وشها اتهللت وابتسمت ابتسامة النصر، وقالت في بالها: “أهو كدة.. عرفت إن الله حق، وعرفت إن ملوش غير أمه، والواد مشي كلمته عليها ونزلها غصب عنها!”.. قفلت مع ابنها وقعدت في الصالة المكركبة مستنية رانيا تيجي عشان تبدأ تملي عليها الأوامر وتفرد سيطرتها.

مرت الساعات، وبقت الساعة حوالي 2 الضهر.. حماتها قاعدة مستنية على نار، ومستغربة رانيا اتأخرت ليه كدة.. وفجأة، جرس الباب رن رنات ورا بعضها، رنات فيها بهجة وزيطة!

الحما قامت بسرعة وهي بتقول: “أخيراً جيتي يا ست رانيا.. لما أشوف حجتك إيه في التأخير ده كله!”

فتحت الباب وهي عاقدة حاجبها ومستعدة للمواجهة.. لكن الصدمة لجمتها! لقت قدامها بناتها التلاتة، وأجوازهم وعيالهم مالين السلم.

الحما وقفت في نص الصالة، عينيها بتلف بين بناتها التلاتة وأجوازهم وعيالهم، والشقة حواليها مكركبة عالآخر والسجاجيد مليانة تراب.. والبنات داخلين يجروا عليها يبوسوا إيدها ورأسها وهم بيقولوا ببهجة: “كل سنة وإنتي طيبة يا أمي! ده إحنا مصدقنا رانيا كلمتنا وقالتلنا إنها عامة لمتنا عندك وعازمانا على محشي وبط.. وفرت علينا وقفة المطبخ وتجهيزات العيد، وجينا نغير جو معاكي!”

الحما لسانها اتعقد، وبقت تبص لبناتها التلاتة بصدمة، ومش عارفة تودي وشها فين من الكركبة والبهدلة اللي شقتها فيها قدام أجواز بناتها! وفي نفس الوقت، برستيجها كأم وحما ميعيبهاش إنها تظهر بالمنظر ده، ولا ينفع قدام أجواز بناتها تطلع رانيا سِـيدَتها وتكشف إنها كانت جايباها تنضف وتغسل سجاجيد!

وفي وسط الزيطة دي كلها، خبط جرس الباب تاني..

البنت الكبيرة راحت فتحت، فدخلت رانيا بكامل أناقتها، شياكة وريحة حلوة، ولابسة عباية استقبال شيك جداً، وفي إيدها أحمد جوزها وهو شايل الشنط والحلل الكبيرة اللي فيها الأكل والبط والمحشي سخن بيوحوح..

رانيا دخلت بابتسامة عريضة ملت وشها، وقربت من حماتها بكل ذوق ودلال، واستغلت الوجود المكثف للبنات وأجوازهم وقالت بصوت عالي وودود: “ألف سلامة عليكي يا ماما.. أحمد قالي إنك تعبانة والشقة متبهدلة ومش قادرة تعملي حاجة، ودموعك نزلت في التليفون.. فقولت لأحمد أبداً! بيت ماما لازم يتملي بالخير واللمة، وعزمتلك بناتك التلاتة وأجوازهم وعيالهم عشان يفرحوا قلبك، وجبت الأكل كله جاهز ومستوي معايا من بيتي عشان متقفيش في المطبخ ولا تتعبي في لقمة.. كل سنة وإنتي طيبة يا ست الكل!”

أول ما رانيا قالت جملتها الأخيرة، لفت وشها لبنات الحما التلاتة وبصت لهم بكل حماس ونشاط وقالت بصوت عالي وودود: “بصوا بقى يا جماعة.. إحنا هناكل لقمة حلوة وسخنة مع بعض أنا عملاها وجيباها معايا عشان ترم عضمنا الأول.. وبعد الغدا علطول، أنا وبناتك يا ماما هنقوم إيد واحدة ونقشملك الشقة دي ونخليها زي القشطة! هننضفها حتة حتة ونغسل السجاجيد كمان ونفرشها على نظافة عشان العيد، ومفيش واحدة فينا هتمشي إلا والشقة بتبرق!”

الحما بلعت ريقها وبصت لرانيا وعينيها بتطق شرار، وفي نفس اللحظة نظرات بنات الحما التلاتة اتحولت تماماً!

ملامح الضحك والانبساط اختفت من على وشوشهم، وبقوا يبصوا لبعض بصدمة وضيق مكتوم.. الفرحة بالأكل الجاهز والتوفير طارت في ثواني، وأول ما رانيا قالت “أنا وبناتك هنقشملك الشقة ونغسل السجاجيد”، البنات فهموا اللعبة علطول! عرفوا إن رانيا لفت الحبل حوالين رقابهم ودبستهم تدبيسة العمر في يوم إجازتها، وحطتهم في فخ قدام أجوازهم وأمهم.. ومبقاش ينفع واحدة فيهم تعترض أو تقول “مش قادرة” وإلا هتبان إنها بنت عاقة ومستخسرة تنضف بيت أمها، في حين إن الغريبة جاية بأكلها وشقاها وعايزة تساعد!

الكبيرة نفخت بضيق وبصت في الأرض، والوسطانية بدأت تفرك في إيدها وهي بتبص لرانيا بغيظ مكتوم، والصغيرة لفت وشها لجوزها اللي ابتسم وقالها: “والله كتر خيرها رانيا.. شجعتكم تيجوا تعملوا واجب مع أمكم، يلا شدوا حيلكم معاها بـقى!”

البنات سكتوا تماماً وما قدروا ينطقوا ولا بكلمة، بلعوا الإهانة والتدبيسة وهم هيموتوا من غيظهم، وعرفوا إن رانيا مش سهلة، وأنها بذكائها شيلتهم شيلة أمهم كلها ووفرت صحتها ومجهودها ليهم!

أحمد طبعاً مكنش فاهم أي حاجة من حرب العيون دي، وكان واقـف طاير بمراته وبأصلها وفخور بيها قدام أجواز إخواته، وبص لأمه وقالها بفخر: “شايفة يا أمي؟ رانيا اهي لمت البنات وشجعتهم يقسموا الشقة معاها عشان تخلص في ثواني وصحتهم متتهدش.. قولي لها تسلم إيدك بقى وبلاش زعل.”

الحما هزت راسها بكسرة وعينيها على بناتها اللي واقفين زي الأيتام مش قادرين يتكلموا، وبصت لرانيا وقالت بنبرة كلها مرار: “تسلم إيدك يا رانيا.. كتر خيرك يا بنتي، لعبتيها صح!”

رانيا ابتسمت بكل برود وثقة، وبدأت تغرف الأكل وهي بتقول بصوت عالي: “يلا يا جماعة سموا الله.. كلو لقمة حلوة عشان ورانا معركة سجاجيد وتنضيف متتأجلش!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى