
“يا أحمد… فيه حاجة أنا مخبيها عنك من سنين، وكنت فاكر إن عمري ما هضطر أحكيهالك.”
سكت لحظات طويلة، ثم مد إيده ناحية الظرف البني اللي كان على الترابيزة.
“افتح الجيب الصغير اللي جوه الظرف.”
فتحته، ولقيت مفتاح صغير مربوط بخيط، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان مخزن قديم في المنصورة.
بصيت لأبويا وسألته:
“المفتاح ده بتاع إيه؟”
غمض عينيه، وقال:
“المكان ده فيه أصل الحكاية كلها… بس لو رحت هناك، هتعرف إن اللي حصل في البيت مش أول مرة حد يحاول ياخد مني حقي.”
وفي اللحظة دي، دخلت الممرضة تبلغنا إن فيه زائر وصل وعايز يشوف الحاج محمود.
سألتها:
“مين؟”
قالت:
“واحد اسمه كريم، وبيقول إنه ابنه.”
بصيت لأبويا، فلقيته بيحاول يقوم من السرير رغم تعبه.
مسكت كتفه برفق وقلت:
“استنى يا بابا. إنت مش هتقوم لحد ما الدكتور يسمحلك.”
بصلي برجاء وقال:
“بس يا أحمد… المرة دي لازم أتكلم.”
خرجت للممر، ولقيت كريم واقف قدام باب الغرفة، وشه متغير، وفي إيده ملف أزرق.
أول ما شافني قال:
“أنا مش جاي أتصالح معاك يا أحمد. أنا جاي أقولك الحقيقة قبل ما أبوك يقولها بطريقته.”
وقبل ما أقدر أرد، فتح الملف وطلع منه صورة قديمة لأبويا وهو شاب، واقف قدام بيت ريفي، وبجانبه ست ماعرفتهاش.
وتحت الصورة كان فيه تاريخ مكتوب من أكتر من تلاتين سنة.
كريم بصلي وقال:
“إنت فاكر إنك تعرف كل حاجة عن أبوك؟ الحقيقة إن فيه سر قديم هو مخبيه عنك وعنّي، والسر ده هو اللي خلّى كل واحد فينا يشك في التاني.”
وفي اللحظة دي، خرج أبويا من الغرفة مستندًا على الممرضة، وأول ما وقعت عينه على الصورة، وشه اتغير تمامًا.
قال بصوت مرتعش:
“إنت جبت الصورة دي منين يا كريم؟”
كريم رد:
“من المكان اللي إنت قلتلي عمري ما هعرف أوصله.”
أبويا ساب إيد الممرضة للحظة، وبصلي نظرة عمرها ما هتروح من ذاكرتي.
وقال:
“يا أحمد… قبل ما تسمع أي حاجة من أخوك، لازم تعرف إن فيه ورق قديم ممكن يغير فهمك لكل اللي حصل. لكن مهما كان اللي هتعرفه، أوعى تنسى إن الحقيقة مش مبرر إن حد يأذي حد.”
وبعدها بص لكريم وقال:
“هات الملف يا ابني.”
كريم ضم الملف لصدره ورفض يسلمه.
“لأ يا بابا. المرة دي مش هتخليني أمشي من غير ما أعرف حقي.”
وقفنا التلاتة في الممر، وكل واحد فينا ماسك طرف من حكاية عمرها سنين.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها إن الورقة اللي جوه الملف الأزرق مش هتكشف بس سر الأرض والفلوس، دي هتكشف كمان مين اللي كان بيحاول يوقعني في مشكلة، وليه نهى كانت مستعدة تخاطر بجوازنا كله علشان تمنع الورق ده من إنه يوصل ليا.
وفي اللحظة اللي مد فيها كريم إيده وفتح الملف، وقعت منه ورقة صغيرة على الأرض.
انحنيت أجيبها، لكن قبل ما ألمسها، كريم صرخ:
“سيب الورقة يا أحمد!”
بصيتله، وبعدها بصيت لأبويا.
أبويا غمض عينيه وقال بصوت مبحوح:
“خلاص يا كريم… مفيش فايدة من إخفاء الحقيقة أكتر من كده.”
وبعدها فتح عينيه وبصلي مباشرة.
“الست اللي في الصورة دي يا أحمد… مش مجرد واحدة كنت أعرفها زمان. دي صاحبة حق في الأرض اللي أخوك بيطالب بيها، والورق اللي إنت شايفه ممكن يثبت إن حقها ضاع من سنين بسبب قرار أنا أخدته بنفسي.”
سكت الممر كله.
حتى كريم، اللي كان داخل يطالب بحقه، بان عليه إنه اتفاجئ من الكلام.
أما أنا، فبصيت لأبويا وسألته:
“يعني إيه يا بابا؟ إنت أخدت حق مين؟”
أبويا مد إيده ناحية الورقة اللي وقعت، لكن إيده كانت بتترعش، فساعدته الممرضة يقعد على الكرسي.
وبصوت متقطع قال:
“الست دي اسمها أمينة… وأبوها كان شريك جدك في الأرض. وبعد وفاة أبوها، حصل خلاف على الملكية، وأنا كنت الشاهد الوحيد على الاتفاق اللي بينهم.”
كريم قال بسرعة:
“وإنت طول السنين دي كنت عارف إن ليها حق، ومع ذلك رفضت تبيع الأرض؟”
أبويا بصله بحزن.
“أنا ماكنتش رافض أديها حقها. أنا كنت بحاول أوصل لها، لكن العنوان اتغير، والناس اللي كانت تعرفها اختفت من البلد. وبعدها حصلت ظروف كتير خلتني أأجل الموضوع لحد ما بقى كل يوم أصعب من اللي قبله.”
سألته:
“طب والورق اللي فيه توقيعي؟”
أبويا بصلي وقال:
“أنا ماطلبتش منك تمضي أي حاجة، ولا كنت عايز أكتب تنازل باسمك. لكن كريم كان فاكر إنك بتحاول تستولي على الأرض، ونهى كانت بتقول لي إنك عايز تنهي كل حاجة بسرعة.”
كريم هز رأسه بعصبية.
“أنا كنت بحاول أحمي حقي!”
قلت له:
“حماية حقك مش معناها إنك تتهمني من غير دليل، ولا تضغط على أبويا علشان يمضي على ورق مش فاهمه.”
كريم سكت، لكن ملامحه كانت بتقول إنه لسه مش مقتنع.
في اللحظة دي، وصل الضابط المسؤول عن الواقعة، وطلب مننا كلنا نهدى، وأكد إن أي مستندات تخص ملكية الأرض لازم تتراجع من خلال الجهات المختصة، وإن وجود صورة أو توقيع على ورقة مش كفاية لوحده لإثبات صحة أي ادعاء.
وبعد ما استأذن أبويا، أخد صورة من المستندات وسجل أقوالنا الأولية.
نهى ماكانتش موجودة في المستشفى وقتها، ولما اتصلت بيها، ماردتش.
أما كريم، فطلب يقعد مع أبويا لوحده، لكن أبويا رفض.
قال له:
“لو عندك كلام تقوله، قوله قدام أخوك. إحنا مش هنرجع تاني للسرية اللي خلت كل واحد فينا يشك في التاني.”
كريم نزل عينيه للأرض.
وبعد لحظة طويلة، قال:
“أنا كنت بروح لأبويا علشان أعرف موضوع الأرض. نهى قالتلي إن فيه ورق يثبت إن أحمد هيبقى صاحب القرار بعد وفاة أبويا، وإن لو ماخلصتش الموضوع بسرعة مش هاخد حاجة.”
بصيت له بغضب.
“وإنت صدقتها؟”
رد:
“كنت خايف حقي يضيع. كل مرة كنت أكلم أبويا، كان يقول لي لسه بدور على الورق، ولسه لازم نراجع الحسابات. وأنا كنت فاكر إنك إنت اللي معطله.”
قلت له:
“كان ممكن تسألني بدل ما تبني كل حاجة على كلامها.”
سكت كريم، وبعدها طلع موبايله وفتح محادثة قديمة.
قال:
“أنا معايا رسايل بيني وبين نهى. كنت محتفظ بيها علشان لو حصل خلاف على الفلوس، أعرف أثبت إني ماكنتش بتصرف لوحدي.”
ماخدتش منه الموبايل، وقلت له يسلمه للشرطة لو كان شايف إن فيه معلومات مهمة، من غير ما يمسح أو يعدل أي حاجة.
الضابط طلب منه يحتفظ بالمحادثات كما هي، ويتعاون في تقديمها رسميًا.
وبعدها بساعات، خرج أبويا من المستشفى بعد ما حالته استقرت، لكن الدكتور شدد على ضرورة المتابعة الطبية والراحة، وأكد إن أي إصابات لازم تتوثق في التقرير الطبي.
ماخدتوش على البيت اللي كنت عايش فيه مع نهى.
رجعناه لشقته القديمة، بعد ما اتأكدنا إنها مناسبة ليه، واتفقت معاه إنه يختار بنفسه إذا كان عايز يقعد هناك أو ينتقل لمكان تاني يكون مرتاح فيه. وجبت له ممرضة تساعده في الأدوية والحركة خلال فترة التعافي، واتفقنا إن أي زيارة لازم تكون برغبته ومن غير ضغط عليه.
أما نهى، ففضلت تبعتلي رسايل متناقضة.
مرة تقول إنها مظلومة، ومرة تقول إن كريم هو اللي ورطها، ومرة تطلب مني أرجع البيت علشان نتكلم بعيد عن الناس.
وفي آخر رسالة، كتبت:
“أنا عارفة إنك مش هتصدقني، بس فيه حاجة واحدة لازم تعرفها. أنا ماكنتش خايفة من الورق نفسه، أنا كنت خايفة من اللي هيحصل لو أبوك عرف مين اللي كان بيغير في حساباته.”
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
اتصلت بيها وقلت:
“لو عندك دليل، قدميه للشرطة. أنا مش هحكم على حد من رسالة.”
ردت بصوت باكي:
“أنا عارفة إنك بتكرهني دلوقتي.”
قلت:
“أنا مش بتكلم عن الكره. أنا بتكلم عن حق أبويا، وعن الحقيقة اللي لسه ماكملتش.”
سألتها:
“مين اللي كان بيغير في حساباته؟”
سكتت طويلًا، وبعدها قالت:
“أنا مش هقدر أقولك في التليفون.”
قلت:
“يبقى قولي للجهات المختصة.”
قفلت المكالمة.
بعد يومين، قدمت نهى أقوالها رسميًا، وسلمت بعض المستندات اللي قالت إنها بتوضح إن كريم طلب منها تساعده في تجهيز أوراق تخص الأرض. وفي المقابل، كريم قدم المحادثات اللي كانت بينه وبينها، والشرطة بدأت تراجع كل المستندات والمعاملات البنكية بشكل منفصل.
ماكانش فيه حكم سريع، ولا اعتراف مفاجئ يفسر كل حاجة. كان فيه تحقيق طويل، وأوراق لازم تتراجع، وأقوال لازم تتقارن، وحق لازم يرجع لصاحبه لو ثبت إنه اتاخد منه.
وخلال الفترة دي، كنت بزور أبويا كل يوم.
في أول أسبوع، كان بيتكلم قليل، وبيصحى من النوم مفزوع أحيانًا، لكنه بدأ يستعيد هدوءه لما حس إنه مش مضطر يخبي تعبه عني.
وفي يوم، وأنا قاعد معاه في البلكونة، قال لي:
“يا أحمد، أنا مش عايزك تفضل عايش في الغضب ده.”
قلت:
“أنا مش قادر أنسى اللي حصل لك.”
رد:
“مش مطلوب منك تنسى. المطلوب إنك ما تخليش اللي حصل يحولك لواحد قاسي. خليك عادل، حتى مع اللي غلط في حقك.”
بصيتله وقلت:
“طب وكريم؟”
تنهد.
“كريم غلط لما شك فيك، وغلط لما حاول يخليني أمضي على ورق من غير ما أفهمه. لكن لو اعترف بغلطه، وقرر يصلحه، يبقى سيب باب للكلام. مش لازم ترجعوا زي الأول، بس مش لازم تفضلوا أعداء طول العمر.”
سكت شوية، ثم أضاف:
“أما نهى، فدي حكاية تانية. أنا مش هطلب منك تسامحها، ولا هطلب منك تطلقها. ده قرارك إنت، بعد ما تعرف الحقيقة كاملة.”
كلامه خلاني أفكر لأول مرة من غير ما الغضب يعميني.
أنا كنت عايز أعرف مين السبب، ومين استغل ثقة أبويا، ومين حاول يخليني أشك في أخويا.
لكن مع مرور الأيام، بدأت أفهم إن الحقيقة مش دايمًا بتظهر في لحظة واحدة، وإن كل ورقة لازم تتراجع، وكل اتهام لازم يكون وراه دليل.
وبعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت نتيجة مراجعة الحسابات.
اتضح إن جزءًا من المبالغ اللي اتسحبت من حساب أبويا اتصرف فعلًا في فواتير وأدوية ومصاريف تخصه، لكن فيه معاملات تانية ماكانش ليها مستندات واضحة، وكان لازم يتحدد مين نفذها، وبأي تفويض، وفين راحت الفلوس.
كمان تقرير فحص المستندات أشار إلى إن الورقة اللي عليها توقيع منسوب ليا محتاجة تحقيق إضافي، لأن التوقيع ماكانش مطابقًا بشكل مبدئي لنماذج توقيعي المعتمدة.
أما ورقة التنازل عن الأرض، فثبت إن أبويا ماكانش قدامنا أي دليل قاطع على إنه وافق على نقل الملكية، وإن الموضوع لازم يتحسم قانونيًا، مع الرجوع للأوراق القديمة وشهادة الشهود.
ولما واجهوا كريم بالمحادثات، اعترف إنه كان بيضغط على أبويا علشان يسرع في موضوع الأرض، وإنه صدق كلام نهى عن إني بحاول أحرمه من حقه، لكنه أنكر إنه زور توقيعي أو إنه كان عارف إن فيه معاملات مالية غير سليمة.
أما نهى، فاعترفت إنها كانت بتساعد كريم في بعض الإجراءات، لكنها قالت إنها ماكنتش تعرف إن أي ورقة ممكن تكون غير صحيحة، وإنها كانت بتحاول تحافظ على بيتها وعلاقتها بجوزها.
لكنها ماقدرتش تقدم تفسيرًا واضحًا لكل الإصابات اللي ظهرت على دراع أبويا، وفضلت مسألة الاعتداء محل تحقيق، لحد ما كل الأدلة الطبية والشهادات تتراجع.
بالنسبة لي، كان أهم شيء إن أبويا بقى في مكان آمن، وإنه بقى قادر يتكلم من غير ما يبص ناحية الباب كل شوية.
أما جوازي، فكان محتاج قرار مختلف.
طلبت من نهى نقعد في وجود محامينا، وقلت لها إننا مش هنقدر نرجع نعيش سوا وكأن حاجة ماحصلتش. الثقة اللي بينا اتكسرت، ولازم كل واحد فينا يتحمل نتيجة قراراته.
هي عيطت، وقالت إنها بتحبني، وإنها ماكنتش تتخيل إن الأمور هتوصل لكده.
لكن أنا قلت لها:
“الحب مش كلام بيتقال وقت الخوف من الخسارة. الحب بيبان لما يكون قدامك إنسان ضعيف ومحتاج مساعدتك، فتختاري تحافظي عليه بدل ما تستغلي ضعفه.”
ماقدرتش ترد.
اتفقنا إننا هنفصل حياتنا مؤقتًا، وإن أي قرار نهائي يخص الجواز هيتاخد بعد ما الإجراءات القانونية تخلص، ومن غير تهديد أو ضغط من أي طرف.
وبعد شهر تقريبًا، رجعت مع أبويا للمخزن القديم اللي كان عنوانه مكتوب على الورقة البنية، بعد ما تأكدنا من ملكيته وإمكانية دخوله.
كان المخزن صغيرًا، في شارع جانبي هادي في المنصورة، وبابه الحديدي عليه صدأ من السنين.
دخلنا ومعانا محامي أبويا، وبعد ما فتحنا الباب بالمفتاح، لقينا صناديق قديمة، وأوراق ملفوفة في أكياس بلاستيك، وصور عائلية من أيام ما كنت طفلًا.
أبويا مشي ببطء بين الصناديق، لحد ما وقف قدام صندوق خشب صغير.
فتح الصندوق وطلع منه ملفًا قديمًا.
جواه عقد شراكة الأرض الأصلي، وإيصالات قديمة، وخطابات متبادلة بين أبويا وراجل اسمه الحاج عبد الرحمن، والد الست أمينة اللي كانت في الصورة.
الورق وضح إن فيه اتفاق شراكة قديم فعلًا، وإن جزءًا من الأرض كان مرتبطًا بحقوق أسرة أمينة، لكن نقل الملكية أو تحديد الأنصبة كان محتاج مراجعة قانونية دقيقة.
قعد أبويا على كرسي قديم، وحط الملف على رجله.
وقال:
“أنا فضلت سنين أقول لنفسي إني هصلح الموضوع لما أفضى، ولما كبرت بقيت أخاف أفتحه، علشان كنت عارف إن فيه ناس ممكن تزعل.”
قلت له:
“بس التأجيل خلّى كل واحد يفسر الحكاية بطريقته.”
هز راسه.
“عندك حق يا ابني.”
سألته:
“طب ليه ماقلتليش من زمان؟”
بصلي بحزن.
“علشان كنت فاكر إني بحميك من المشاكل. لكن الحقيقة إني لما سكت، خليتك تدخل في مشاكل أكبر من اللي كنت خايف منها.”
حطيت إيدي على كتفه.
“المهم إننا هنصلح اللي نقدر عليه دلوقتي.”
سلمنا المستندات للمحامي، وبدأ يتواصل مع الجهات المختصة علشان يتحدد حق كل طرف بناءً على العقود الصحيحة، من غير ما حد يستفيد من جهل التاني أو خوفه.
وبعد فترة، تم التواصل مع أمينة وأسرتها عن طريق العناوين الموجودة في الأوراق القديمة، وبدأت إجراءات مراجعة الملكية وتسوية النزاع بالطرق القانونية.
أما كريم، فجه بنفسه لشقة أبويا بعد أسابيع.
كان واقف عند الباب، ومعاه علبة حلوى صغيرة.
لما شافني، قال:
“أنا عارف إنك مش عايز تشوفني.”
قلت:
“أنا مش همنعك تشوف أبويا لو هو عايز يشوفك، لكن لازم تبقى فاهم إن الثقة مش بترجع بكلمتين.”
هز راسه.
“أنا عارف.”
دخل، وقعد قدام أبويا، وفضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال:
“أنا آسف يا بابا. أنا كنت خايف أضيع حقي، وخلّيت الخوف يعميني عن إنك ممكن تكون إنت كمان محتاج حد يسمعك.”
أبويا بصله وقال:
“حقك إنك تسأل وتفهم، مش حقك إنك تضغط عليا أو تشكك في أخوك من غير دليل.”
كريم نزل رأسه.
“أنا فاهم.”
أبويا مد إيده، وكريم مسكها.
ماكانش فيه حضن كبير ولا دموع مبالغ فيها، لكن كان فيه بداية صغيرة لصلح محتاج وقت طويل علشان يكبر.
وبالنسبة لنهى، فمع انتهاء الجزء الأكبر من مراجعة الأوراق، اتضح إن فيه تصرفات مالية وإجراءات كانت محتاجة مساءلة، لكن ماكانش من حقي أعتبر أي اتهام حقيقة قبل ما يصدر قرار رسمي. استمرت الإجراءات المتعلقة بالواقعة، وكل طرف قدم ما عنده، وأنا التزمت إني أسيب القانون يحدد المسؤولية.
وفي النهاية، قررت أنهي جوازي منها، لأن اللي حصل بينا ماكانش مجرد خلاف عابر، ولأن وجود أبويا في أمان ماينفعش يكون محل تفاوض أو مساومة.
ماعملتش ده انتقامًا، ولا علشان أكسرها، لكن لأن الحياة اللي كنت فاكر إننا بنبنيها سوا بقت محتاجة ثقة واحترام مش موجودين.
عدت شهور، وأبويا بدأ يستعيد صحته بالتدريج. رجع يقعد في البلكونة، ويشرب الشاي الصبح، ويحكيلي عن أيام زمان. وبقى يطلب اللي محتاجه من غير ما يعتذر، ولما كنت أزوره، كان يستقبلني بابتسامة حقيقية بدل النظرة القلقة اللي كانت بتسبق كلامه.
وفي يوم، وأنا بساعده يرتب مكتبته، لقيت ورقة صغيرة بين صفحات كتاب قديم.
كانت مكتوبة بخط إيده:
“يا أحمد، لو في يوم حسيت إنك اتأخرت عليا، افتكر إن الأب عمره ما بيحسب حب ابنه بعدد الزيارات، لكنه بيفرح لما يحس إن ابنه لسه شايفه، ولسه سامع صوته، ولسه معتبره جزء من حياته.”
قريت الورقة مرتين، وبعدها قعدت جنبه.
قلت له:
“أنا آسف يا بابا.”
بصلي باستغراب.
“على إيه يا ابني؟”
قلت:
“على كل مرة قلت لنفسي إنك كويس، علشان كنت مشغول. وعلى كل مرة صدقت إن سكوتك معناه إن مفيش حاجة بتحصل.”
أبويا ابتسم ومسح على إيدي.
“إنت جيت يا أحمد. وده أهم من أي حاجة.”
في اللحظة دي فهمت إن حماية الأب مش بس إنك تدافع عنه لما تشوفه بيتأذى، لكن كمان إنك تسمع صوته قبل ما يوصل لمرحلة إنه يخاف يتكلم.
وإن السكوت مش دايمًا رضا، وإن الإنسان الكبير اللي بيقول لك “أنا كويس” ممكن يكون محتاج منك سؤال تاني، ونظرة أعمق، ووقت تسمع فيه الإجابة من غير ما تستعجل.
أما الحقيقة اللي بدأت بكدمات على دراع أبويا، فما انتهتش باعتراف واحد ولا بخصم واحد يتحمل كل الذنب. انتهت بأن الأوراق اتراجعت، والحقوق بدأت ترجع لأصحابها، وكل شخص بقى مسؤول عن أفعاله قدام القانون، وأبويا استعاد حقه في إنه يعيش بأمان وكرامة.
وفي آخر ليلة من السنة، كنت قاعد معاه على مائدة صغيرة في شقته، بناكل عشا بسيط، فبصلي فجأة وقال:
“أحمد، فاكر لما سألتك أول مرة مين اللي ظلمني؟”
قلت:
“أيوه يا بابا.”
قال:
“أنا وقتها ماكنتش عايزك تنتقملي. كنت عايزك تصدق إن فيه حاجة غلط، وتفضل جنبي لحد ما نعرفها.”
مسكت إيده وقلت:
“وأنا وعدتك إني مش هسيبك.”
ابتسم وقال:
“خليك فاكر وعدك ده طول عمرك. مش معايا أنا بس، مع أي حد ضعيف أو كبير في السن أو مش قادر يدافع عن نفسه.”
هزيت رأسي، وبصيت لوشه اللي بدأ يرجع له لونه وهدوءه.
وعرفت إن الليلة اللي دخلت فيها قسم الشرطة وأنا فاكر إني هحل خناقة بين مراتي وأبويا، كانت في الحقيقة الليلة اللي اتعلمت فيها درس عمري كله.
إن أقرب الناس لينا ممكن يخفوا عننا حاجات، وإن الخوف ممكن يخلي الإنسان يسكت عن حقه، لكن مفيش سر يستاهل إن إنسان يعيش مكسور علشان يحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
ومن يومها، بقيت لما أسأل أبويا عامل إيه، ماكتفيش بكلمة “الحمد لله”.
بستنى، وبسمع، وبسيبه يحكي.
لأن ساعات، أغلى حاجة ممكن تقدمها لحد بتحبه، مش فلوس ولا بيت ولا حتى وعد بالحماية.
أغلى حاجة هي إنك تخليه يحس إنه مش مضطر يخاف منك، ولا يخاف من زعلك، ولا يخبي وجعه علشان يرضيك.
وإنه مهما كبر، ومهما ضعفت صحته، ومهما احتاج مساعدة، هيفضل صاحب كرامة وحق، مش عبء على حد.
وده كان العهد اللي قطعته على نفسي قدام أبويا الحاج محمود، عهد إني أفضل جنبه، وأحافظ على كرامته، وأفتكر طول عمري إن بر الوالدين مش كلام بيتقال في المناسبات، لكنه أفعال بتظهر وقت الشدة، لما يكون الإنسان اللي ربّاك محتاجك بجد.
ومن يومها، كل ما أشوفه قاعد في البلكونة، رافع راسه وبيشرب الشاي في هدوء، بحمد ربنا إننا لحقنا نصلح اللي نقدر عليه، وإنه عرف قبل ما العمر يعدي إن ابنه سامعه ومصدقه ومش هيسمح لحد إنه يحسسه إنه لوحده.
تمت النهاية




