منوعات

زهرة الربيع

مريم بصت ليه باستغراب.

 

ـ حصل إيه يا بابا؟

 

بص لي.

 

أنا كنت خايفة أحكيلها.

 

لكن حسن قال:

 

ـ أمك شافت ابن الجيران فوق السطح، وكان بيحاول يبص من المنور اللي في أوضتك.

 

وش مريم اتغير.

 

سكتت تمامًا.

 

ـ أنا… أنا ما شوفتش حاجة.

 

قال لها:

 

ـ عارف.

 

وبعدين كمل:

 

ـ ومحدش هيطلب منك تبرري حاجة إنتِ ما عملتيهاش.

 

عينيها دمعت.

 

قالت بصوت واطي:

 

ـ هي أمه قالت إيه؟

 

أنا حبيت أهرب من السؤال.

 

لكن حسن قال:

 

ـ قالت كلام غلط، وإحنا مش هنسمح لكلامها إنه يدخل جواكي.

 

مريم سكتت، وبعدين قالت:

 

ـ أنا خايفة.

 

حسن قرب منها وقال:

 

ـ من إيه؟

 

ـ من إن الولد يرجع يعملها تاني.

 

قال:

 

ـ مش هيرجع.

 

قالها بثقة خلتني أبص له.

 

وبعدين قام.

 

ـ هاتوا لي شال عشان أنزل.

 

قلت:

 

ـ هتنزل لهم؟

 

قال:

 

ـ لأ.

 

ـ أمال رايح فين؟

 

ـ رايح أجيب حاجة من عند عم محمود.

 

ـ ليه؟

 

بص للسقف وقال:

 

ـ عشان أقفل الموضوع من أساسه.

 

نزل حسن، وبعد حوالي ساعة رجع ومعاه نجار وحداد.

 

أنا استغربت.

 

دخلوا البيت وطلعوا السطح.

 

حسن فضل واقف يشرح لهم.

 

ـ المنور ده يتقفل من فوق بشبك حديد قوي، ويتعمل له غطاء ثابت، بس يدخل هوا ونور من غير ما حد يقدر يبص منه.

 

قلت:

 

ـ بس كده الأوضة هتفضل ضلمة.

 

قال:

 

ـ هنركب شباك عالي ناحية الحوش الداخلي، ونجيب لمبة قوية ومروحة.

 

مريم كانت واقفة على السلم بتسمع.

 

قالت:

 

ـ أنا مش عايزة الأوضة تتقفل بسببه.

 

حسن رد:

 

ـ وأنا مش هخلي حياتك تتقفل بسببه.

 

وبالفعل، قعدوا طول النهار يصلحوا السطح.

 

لكن حسن ما اكتفاش بده.

 

بعد ما خلصوا، دخل البيت وقال:

 

ـ في حاجة تانية.

 

ـ إيه؟

 

ـ بكرة الصبح هنروح لأبو الولد.

 

قلت:

 

ـ لوحدك؟

 

ـ لأ. هاخد عمي عبد الرحمن وعم محمود.

 

ـ وهتقول لهم إيه؟

 

ـ الحقيقة.

 

ـ ولو أنكر؟

 

ـ يبقى عندنا كلام تاني.

 

ـ إيه؟

 

ـ هطلب منه يخلي ابنه يبعد عن بيتنا تمامًا، ولو قرب من السطح أو الباب أو الشارع قدام البيت بطريقة تضايق البنت، هنمشي في الطريق الرسمي.

 

أنا ارتحت شوية.

 

لكن اللي حصل تاني يوم كان أكبر من مجرد خناقة جيران.

 

الصبح بدري، حسن لبس جلابيته وخرج.

 

أنا فضلت في البيت مع مريم.

 

بعد ساعة تقريبًا، رجع.

 

لكن وشه كان هادي بشكل غريب.

 

قلت:

 

ـ حصل إيه؟

 

قعد وقال:

 

ـ أبو الولد كان محرج.

 

ـ اعترف؟

 

ـ قال إن ابنه رجع البيت في الليلة دي متأخر.

 

قلبي دق.

 

ـ يعني كان عارف؟

 

ـ مش عارف كان فين، لكنه اعترف إن ابنه قال له إن حصلت مشكلة فوق السطح.

 

قلت:

 

ـ وأمه؟

 

ـ كانت موجودة.

 

ـ قالت إيه؟

 

ابتسم حسن ابتسامة قصيرة وقال:

 

ـ أول ما أبو الولد سمع التفاصيل، بص لها وقال: “إنتِ كنتِ بتقولي لها إيه امبارح؟”

 

سكت.

 

ـ قالت له: “أنا كنت بدافع عن ابني.”

 

قال:

 

ـ “الدفاع عن ابنك مش معناه ترمي كلام على بنت الناس.”

 

أنا حسيت براحة.

 

لكن حسن كمل:

 

ـ والأهم إن أبوه طلب مني أقعد معاه قدام ابنه.

 

ـ وابنه كان هناك؟

 

ـ أيوه.

 

أنا انتفضت.

 

ـ قال إيه؟

 

ـ في الأول أنكر.

 

ـ وبعدين؟

 

ـ لما أبوه ضغط عليه، اعترف إنه طلع السطح.

 

حطيت إيدي على صدري.

 

ـ وقال ليه؟

 

حسن بص لي.

 

ـ قال إنه كان فاكر إن المنور مفتوح ومفيش حد هياخد باله منه.

 

مريم كانت واقفة عند باب المطبخ، وسمعت الكلام.

 

رجعت بسرعة لأوضتها.

 

أنا بصيت لحسن.

 

ـ البنت سمعت؟

 

قال:

 

ـ سمعت.

 

قمت وراها.

 

لقيتها قاعدة على السرير ووشها في إيديها.

 

قعدت جنبها.

 

ـ يا مريم.

 

قالت:

 

ـ هو كان عارف إني موجودة؟

 

ـ أيوه.

 

دموعها نزلت.

 

ـ طب أنا عملت له إيه؟

 

حضنتها.

 

ـ ولا حاجة يا بنتي.

 

قالت:

 

ـ طب ليه عمل كده؟

 

قلت:

 

ـ لأنه غلطان.

 

ـ الناس هتقول عليا إيه؟

 

ـ الناس العاقلة هتعرف إن الغلط غلطه هو.

 

هزت راسها.

 

لكن واضح إن الكلام مش داخل قلبها.

 

بعد شوية دخل حسن.

 

قعد قدامها وقال:

 

ـ مريم، بصيلي.

 

رفعت عينيها.

 

ـ إنتِ مش مسؤولة عن تصرفات حد تاني.

 

ـ بس أنا خايفة الناس تتكلم.

 

ـ الناس بتتكلم في كل حاجة. لو الواحد عاش طول عمره على كلام الناس، مش هيعيش.

 

سكتت.

 

قال:

 

ـ عشان كده أنا مش هخلي الموضوع يتحول لحكاية في البلد. مش هنحكي لكل حد. هنحط حدود، واللي حصل ينتهي هنا.

 

بعدها وقف.

 

ـ وفي حاجة لازم تعرفيها.

 

ـ إيه؟

 

ـ لو أي حد قرب منك بطريقة تضايقك، أو حاول يكلمك، أو يراقبك، أو يطلب منك تسكتي على حاجة، تقولي لنا فورًا. مش تخافي، ومش تحاولي تحلي الموضوع لوحدك.

 

هزت راسها.

 

ومن اليوم ده، البيت كله اتغير.

 

مش تغيير يخوف.

 

لكن تغيير يخلي كل واحد يعرف حدوده.

 

حسن ركب قفل جديد للسطح.

 

وعمل باب حديد صغير على السلم.

 

وغير مكان بعض الشبابيك.

 

وجاب لمريم مروحة جديدة.

 

وقال لها:

 

ـ أنا مش همنعك من الحياة عشان واحد قليل الأدب.

 

وبالفعل، مريم رجعت تذاكر في الصالة، وتنزل معايا السوق، وتزور خالتها، وتعيش حياتها بشكل طبيعي.

 

لكن الولد اختفى تمامًا.

 

محدش شافه حوالين البيت.

 

وأمه كمان بقت ساكتة.

 

بعد حوالي أسبوع، وأنا قاعدة قدام البيت، لقيتها جاية ناحيتي.

 

في الأول فكرت أدخل.

 

لكنها وقفت قدامي وقالت:

 

ـ ممكن أتكلم معاكي؟

 

بصيت لها.

 

ـ اتفضلي.

 

قالت:

 

ـ أنا غلطت.

 

اتصدمت.

 

دي آخر جملة كنت متوقعة أسمعها منها.

 

كملت:

 

ـ يومها أنا خفت على ابني، فبدل ما أسأل وأفهم، هاجمتك.

 

ما رديتش.

 

قالت:

 

ـ بس لما جوزي عرف اللي حصل، وسمع ابني، فهمت إنك كنتِ بتقولي الحقيقة.

 

قلت:

 

ـ اللي يوجعني مش بس اللي عمله ابنك. اللي يوجعني إنك أول ما حكيت لك، بدل ما تخافي على بنتي، شككتي فيها.

 

وطيت راسها.

 

ـ عارفة.

 

ـ بنتي كانت بتبكي طول الأسبوع.

 

رفعت عينيها.

 

ـ أنا آسفة.

 

سكت شوية.

 

وبعدين قلت:

 

ـ أنا مش همنعك تعتذري، بس أهم حاجة ابنك يتعلم إن اللي عمله غلط.

 

قالت:

 

ـ اتعلم.

 

ـ إزاي؟

 

ـ أبوه أخده وراح اعتذر لجوزك.

 

ـ جوزي قال لي إنه اعتذر.

 

ـ لأ، أنا أقصد إن ابني نفسه اعتذر.

 

سكتت.

 

ـ بس مريم مش عايزة تشوفه.

 

قلت:

 

ـ ولا مطلوب منها.

 

هزت راسها ومشيت.

 

أنا دخلت البيت.

 

لقيت حسن قاعد مع مريم.

 

قال:

 

ـ أم الولد جت؟

 

ـ أيوه.

 

ـ قالت إيه؟

 

حكيت له.

 

ابتسم.

 

ـ كويس.

 

ـ إنت شايف كده؟

 

ـ أيوه. الاعتذار مش بيمسح اللي حصل، لكنه بيحط المسؤولية في مكانها.

 

قلت:

 

ـ بس أنا لسه خايفة.

 

ـ من إيه؟

 

ـ إن البنت تتأثر.

 

بص لمريم.

 

كانت بتذاكر.

 

قال:

 

ـ إحنا دورنا نعلمها إن الخوف مش معناه إنها غلطانة.

 

عدت الأيام.

 

وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها.

 

لكن بعد حوالي شهر، حصل موقف خلاني أفهم ليه حسن كان هادي من أول يوم.

 

كنت راجعة من السوق، ولقيت مريم واقفة عند الباب.

 

وشها متوتر.

 

قلت:

 

ـ مالك؟

 

قالت:

 

ـ ماما… في حاجة حصلت.

 

قلبي وقع.

 

ـ إيه؟

 

ـ لقيت ورقة متحطوطة عند بابنا.

 

ـ ورقة إيه؟

 

جابت لي ورقة صغيرة.

 

فتحتها.

 

كان مكتوب عليها:

 

“أنا آسف على اللي حصل.”

 

سكت.

 

ـ مين حطها؟

 

ـ مش عارفة.

 

طلعت بسرعة لجوزي.

 

حسن قرأ الورقة.

 

قال:

 

ـ متخافيش.

 

ـ مين اللي كتبها؟

 

ـ غالبًا الولد.

 

ـ نعمل إيه؟

 

قال:

 

ـ ولا حاجة.

 

ـ إزاي ولا حاجة؟

 

ـ الورقة اعتذار، ومفيهاش تهديد.

 

ـ بس ممكن يرجع.

 

ـ عشان كده هنحتفظ بيها.

 

وفعلًا احتفظ بالورقة.

 

لكن بعدها بيومين، جاء أبو الولد بنفسه.

 

قال:

 

ـ أنا اللي خليت ابني يكتب الاعتذار.

 

حسن قال:

 

ـ كويس.

 

رد:

 

ـ بس أنا جيت أقولك حاجة أهم.

 

سكت حسن.

 

قال الرجل:

 

ـ ابني اتغير من بعد اللي حصل.

 

ـ يعني؟

 

ـ بطل يمشي مع الشلة اللي كان بيخرج معاها، وبدأ يشتغل معايا في الورشة.

 

أنا كنت واقفة بعيد وبسمع.

 

قال:

 

ـ أنا مش بقولك ده عشان تدافع عنه. اللي عمله غلط، ولازم يعرف إن غلطه له عواقب. بس أنا أب، ومش عايز ابني يكمل في الطريق ده.

 

حسن قال:

 

ـ وأنا كمان أب.

 

وسكت شوية.

 

ـ وعشان كده، أنا مش عايز بنتي تخاف من بيتها، وفي نفس الوقت مش عايز ابنك يتحول لشخص الناس كلها بتخاف منه.

 

الرجل هز راسه.

 

ـ عندك حق.

 

وانتهى الكلام.

 

مرت شهور.

 

مريم كبرت سنة جديدة في حياتها.

 

بدأت تهتم بدراستها أكتر.

 

وكان نفسها تدخل كلية معينة.

 

حسن كان بيشجعها.

 

وفي كل مرة كان يسافر، كان يتصل بيها ويسألها عن مذاكرتها قبل ما يسألني أنا عن البيت.

 

وفي مرة سألها:

 

ـ نفسك تبقي إيه؟

 

قالت:

 

ـ مدرسة.

 

قال:

 

ـ ليه؟

 

ضحكت وقالت:

 

ـ عشان أعلم البنات اللي في سني إنهم ما يخافوش.

 

حسن سكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

ـ يبقى خلي اللي حصل يقويكي، مش يكسرك.

 

أنا سمعت الجملة دي، وحسيت إن بنتي فعلًا بدأت تتغير.

 

ما بقتش تخاف من كلام الناس.

 

ولا بقت كل ما تسمع صوت فوق السطح تترعب.

 

لكنها في نفس الوقت بقت أذكى في التعامل مع الناس.

 

وفي يوم من الأيام، كنت أنا وهي بننضف السطح، لقيتها واقفة قدام المنور الجديد.

 

قالت:

 

ـ ماما.

 

ـ نعم؟

 

ـ فاكرة أول يوم قفلتيه؟

 

ـ أيوه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى