
وشه اتغير، وملامحه اتشنجت وقال: “يعني إيه؟ أنتِ عايزة تقطعي مساعدتك في البيت؟ أنتِ عارفة إن مصاريفي ومقاديري على قدها والأسعار غالية، وأنتِ كنتِ بتشيلي معايا في المصاريف!”
رديت ببرود قاتل: “والله يا حبيبي أنت لما أخدت دهبي وشقايا ما شاورتنيش، وأنا دلوقتي مش بقطع، أنا بس برجع حق أبى يرحمه.. ولا أنت خايف ربنا يحاسبك إنك حرمتني أعوض وصية أبى؟”
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. حاول يتكلم، حاول يزعق ويقول إن الست ملزمة تساعد جوزها في الظروف دي، بس أنا قفلت السكة في وشه بهدوء شديد، وقومت دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
مرت الأيام، وقرب موعد رجوع حماتي من الحج. الشقة تحت كانت بقت زي الفل، عفش جديد مودرن، دهانات أوف وايت، وستائر شيك، كله ممدود من دم شغلي وسهري بالليالي. وزوجي كان طاير من الفرحة ومستني اللحظة اللي أمه تدخل فيها وتشوف المفاجأة عشان تفتخر بيه قدام قرايبها وعيلتها.
يوم وصول حماتي، البيت كان مقلوب. العيلة كلها اتجمعت، أعمامه وعماته وأخواته، والكل واقف تحت مستني العربية اللي جاية من المطار. أنا كنت لابسة أشيك حاجة عندي، وواقفة متصنعة الفرحة والابتسامة، والجلابية الجديدة اللي فصلتهالها محطوطة في شنطة هدايا شيك جدًا فوق في الصالة.
نزلت العربية، وحماتي نزلت منها بالجلابيات البيضا والضحكة مالية وشها، والناس بتبارك وتهني: “حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا يا حاجّة!”.
زوجي جرى عليها، أخدها في حضنه، وباس إيدها ورأسها وهو عيونه مدمعة من الفخر، وقالها أمام الناس كلهم بصوت عالٍ يسمع الشارع: “نورتي بيتك يا أمي.. تعالي شوفي المفاجأة اللي عملتهالك، تعالي شوفي ابنك عمل إيه علشان ترتاحي وتفرحي!”.
مسك إيدها وطلع بيها على السلم، وكل العيلة طالعة وراه بالزغاريد والتكبير. أول ما فتح باب شقتها، الناس كلها انبهرت. الإضاءة، العفش الجديد، السجاد، كل حاجة بتلمع وتفتح النفس.
حماتي بصت للشقة وهي مش مصدقة، وحطت إيدها على بقها وبصت لابنها وقالت بصوت مذهول: “ايه ده يا ابني؟! إيه الخير ده كله؟! أنت جبت الفلوس دي كلها منين يا حبيب أمك؟ ده العفش ده يتكلف ألوفات وملايين!”
زوجي اتنفخ بغرور، وبصلي بنظرة تحدي واستعلاء قدام العيلة كلها، وقال بصوت جهوري: “تقشير وتعب الابن البار يا أمي! الفلوس فداكي، أنا بعت وقدمت كل ما حيلتي عشان أنفذلك أمنيتك تحجي وأرجعك على بيت يليق بيكي.. ابنك ضحى بكل حاجة عشان خاطر ضحكتك دي!”.
العيلة بدأت تصفق ويدعوا له: “ربنا يخليك ليها يا أصيل، يا بختك بيه يا حاجّة، نعم الابن والله!”.
أنا كنت واقفة في زاوية الصالة، متبسمة هادية جدًا. استنيت لما الحفلة والتهييل يوصلوا لأعلى نقطة، ولما حماتي قعدت على الصالون الجديد وهي طايرة من الفرحة، ولما جوزي كان واقف وسطهم زي الأبطال.
خطوت خطوتين للوسط، وقفت قدام العيلة كلها، وبصيت لحماتي وقولت بصوت ناعم ومسموع للكل: “حمد الله على سلامتك يا حاجّة، حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.. وعشان تكمل فرحتك بالمفاجأة دي، لازم تعرفي القصة الكاملة للبر العظيم ده”.
زوجي بصلّي فجأة، وعيونه اتسعت برعب، والابتسامة اختفت من وشه في ثانية…
إليك القصة بعد حذف وإعادة صياغة العبارات التي قد تتعارض مع معايير النشر الآمنة (مثل العبارات الحادة جداً التي تشير للتهديد بالعنف الصريح، مع الحفاظ الكامل على الدراما وقوة الحبكة الاجتماعية):
ساد الصمت الشديد في الصالة، والتفتت كل العيون ناحيتي. زوجي وشه اتربد بلون الرماد، وحاول يتدارك الموقف بسرعة، فخطى خطوتين ناحيتي ومسك دراعي بضغط مكتوم وقال بنبرة حادة محاولة الاستظراف: “جرى إيه يا روح قلبي؟ أنتِ جاية تتكلمي في تفاصيل ومشاوير الشراء والتعب دلوقتي؟ الناس جاية تبارك للحاجة، تأجلي كلامك ده بعدين لما العيلة تمشي!”.
سحبت دراعي من إيده بمنتهى الهدوء والثبات، وبصيت في عيونه مباشرة بثقة زلزلت حيله، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت بصوت واضح ورنان يسمع كل القرايب والأخوات اللي قاعدين: “لا يا حبيبي، الكلام ده لازم يتقال قدام العيلة كلها، عشان الحاجة تعرف قدر ابنها البار، وعشان الناس العارفة الأصول تحكم وتبص على ‘التضحية’ اللي بيتفشخر بيها قدامهم دي كانت من جيبه ولا من لحمي وشقايا!”.
حماتي بصتلي باستغراب، ونزلت نظارتها على مناخيرها وقالت بنبرة فيها توجس: “جرى إيه يا بنتي؟ في إيه؟ قصدك إيه بكلمتك دي؟ ابنك شقي وتعب وعمل ده كله عشان يفرحني، أنتِ جاية تنغصي علينا فرحة الحجة ولا إيه؟”.
رديت وأنا بطلع الشنطة الشيك اللي فيها الجلابية الجديدة وبحطها على الترابيزة الإستيل الجديدة اللي بفلوسي: “عاش من ينغص عليكي يا حجّة، دي حتى الجلابية البيتي اللي هتقعدي بيها تفصيل إيديا وجاية أهديهالك.. بس الحقيقة المرة اللي لازم الكل يعرفها، إن ‘التضحية’ العظيمة دي ما كانتش من جيب ابنك ولا من عرقه. ابنك ما دفعش مليم واحد في حجتك ولا في العفش الجديد ده من جيبه الخاص!”.
الهمهمات بدأت تعلى بين الأعمام والعمات، وعمتو الكبيرة بصت لجوزي وقالت: “إيه الكلام ده يا إبراهيم؟ التكلفة دي كلها اومال جت منين؟”.
إبراهيم (زوجي) وشه بقى يقلب ألوان، والعرق بدأ ينزل من قورته، وقال بعصبية وصوت عالي عشان يداري على خيبته: “أنتِ اتجننتي؟! قلة أدبك زادت! قومي ادخلي شقتك فوق بدل ما يكون لي تصرف تاني معاكي قدام الناس كلها!”.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيتله بتحدي وقلت: “وريني تصرفك كده يا إبراهيم؟ هتطردني من البيت اللي بتصرف عليه من شقا خياطتي وسبتني شايلة مصاريفه لوحدي؟ ولا خايف أطلع الأوراق والشبكة والأرقام قدام أهلك؟”.
حماتي وقفت على حيلها بغضب وقالت: “شبكة إيه وأرقام إيه؟! اخلصي وقولي في إيه بدل الزيطة دي!”.
وقفت في نص الصالة، ورصيت الكلام ببرود قاتل ومرتب، وكأني بقرا من دفتر حسابات: “ابنك العزيز يا حاجّة، لما حضرتك كنتِ بتتلحي عليه عشان يسفرك الحج وهو ما حيلتوش اللقمة، دخل عليا أوضة نومي، وفتح علبة دهبي من ورايا ومن غير ما يستأذنني، وأخد غوايشي وسلسلتي اللي بابا الله يرحمه جابهوملي.. وأخد معاهم كل حتة دهب اشتريتها من تعبي وسهري طول الليل على مكنة الخياطة، قرش على قرش، وحرمت نفسي عشان أحوشهم للمستقبل.. أخد الدهب كله وباعه بالكامل!”.
الصدمة نزلت على الوجوه، وعمتو حطت إيدها على بقها وقالت: “دهبك أنتِ يا بتي؟! باعه من غير علمك؟!”.
كملت وصوتي ثابت زي الجبل: “أيوه يا عمتي، باعه كله! ولما واجهته وقلتله هعمل محضر، قالي: ‘أمي كان نفسها تحج وأنا وعدتها’. ولما سألته عن باقي فلوس الدهب راحت فين، قالي بكل بساطة إنه قرر يجدد شقة أمه ويعملها مفاجأة بعفش جديد ودهانات حديثة بالباقي من فلوس دهبي وشقايا!”.
إبراهيم زقني بغضب وهو بيصرخ: “أنتِ كدابة! أنتِ بتتبلي عليا! أنتِ وافقتي واديتيهملي برضاكي عشان أمي تحج!”.
ضحكت ضحكة قصيرة وطلبت من الكل يسمعوا: “أنا كدابة؟ طب تمام يا إبراهيم.. طالما أنا كدابة، إيه رأيك نسمع ونشوف الفواتير؟”.
مسكت الموبايل بتاعي، وفتحت الصور اللي كنت مجهزة عليها فواتير الصاغة اللي هو باع عندهم الدهب، ومكتوب فيها تاريخ البيع بالضبط قبل سفر حماتي بـ 3 أيام، وأسماء قطع الدهب المبيعة، وأرقامها، والمبالغ المقبوضة!
وقلت لأخوه الكبير اللي كان واقف مذهول: “اتفضل يا أستاذ سامح، بص على التاريخ وبص على أسماء القطع، دي الفواتير اللي أخوك سابها في دراج مكتبه وهو براجع الفلوس اللي باقية معاه عشان يشتري بيها الصالون اللي قاعدين عليه ده!”.
سامح مسك التليفون، وبص في الفواتير وشاف المبالغ الضخمة، ورجع بصل لإبراهيم بنظرة احتقار وقاله: “إيه ده يا إبراهيم؟ الكلام ده بجد؟ أنت بايع دهب مراتك وشقاها عشان تجدد وتطلع أمك الحج من غير علمها؟! ده أنت كدة نصاب!”.
حماتي وبها اتغير، وبقت تبص لابنها وللعفش بخوف وذهول، وقالت بصوت متلجلج: “يعني… يعني الحجة دي كانت بفلوس دهب مراتك؟ والعفش ده من دهبها؟ عايز توديني النار يا إبراهيم؟! عايزني أحج بيت ربنا بفلوس مغصوبة ومسروقة من ست شقيانة في بيتها؟!”.
إبراهيم كان واقف مش عارف يدافع عن نفسه كلمة واحدة، الفواتير حاصرته والأدلة كشفت كل حاجة.
لكن خطتي ما كانتش مجرد فضيحة قدام العيلة.. سحبت من شنطتي ملف أوراق رسمي، وطلعت منه ورق مدموغ، وبصيت لإبراهيم ولحماتي وقولت: “طبعاً يا إبراهيم أنت كنت مراهن إن القضايا والمحاكم مش هتجيبلي حق، عشان الدهب ما فيش فواتير باسمي.. بس احب أقولك إنني مش ساكتة. أول حاجة، عملت قضية إثبات دخل ومروع تجاري من المنزل، ووثقت كل فواتير الخياطة، وأثبت رسمي إنك ما بتصرفش على البيت من سنتين. وثانياً، وعشان العفش ده والشقة دي اتعملت بفلوس دهبي المسروق بموجب فواتير الشراء وفواتير الصاغة.. أنا رفعت دعوى تحفظ وحجز قضائي على محتويات الشقة دي بالكامل!”.
حماتي صرخت: “تحفظ إيه يا مسخوطة؟! دي شقتي وعفشي!”.
رديت عليها بمنتهى الثبات: “لا يا حجّة، ده عفشي أنا ودهبي أنا! والعفش القديم بتاعك إبراهيم باعه روبابيكيا.. يعني الشقة دي دلوقتي كل قطعة خشب فيها متحفظ عليها قانوناً لصالحي بموجب محضر رسمي انفتح الصبح في النيابة!”.
وطلعت الورقة الأخيرة والضربة القاضية، وبصيت لحماتي وقولت: “أما بالنسبة للي جاي… فأنا رفعت دعوى تمكين من شقتي اللي فوق، وأخدت قرار بإلزام ابنك إبراهيم بدفع كافة مصاريف العدة والتمكين، وإلزامه برد قيمة الشبكة بالكامل بسعر السوق النهاردة!”.
إبراهيم وقع على الكرسي ومش قادر يشيل طوله، وأمه بقت تلطم على وشها وتقول: “يا فضيحتك يا إبراهيم! يا خراب بيتك يا ابني!”.



