
عصام اتأخر جدا بره البيت، ورجع في نص الليل. أنا من كثر القلق والتعب، كنت نايمة على الكرسي في الصالة ومستنياه. أول ما فتح الباب ودخل، صحاني بصوت غريب.. صوت هادي زيادة عن اللزوم، بس هدوء يرعب.
بصلي وقال بقسوة وبرود ممرتش عليا قبل كده: “البنت دي خلاص.. وجودها في البيت ده بقى يخنقني وما بقتش قادر أتحمله، وأنا لقيت الحل المناسب لموضوعها”.
أنا اتعدلت في قعدتي وقلبي اتنفض من الخوف، سألته بذهول: “حل إيه يا عصام؟ تقصد إيه؟”.
واللي قالهولي وقتها.. مستحيل يخطر على بال أي أب، ولا أي بني آدم فيه ذرة رحمة على وش الأرض!!!!
#زهرة_الربيع
وقف عصام قدامي، ملامحه كانت جامدة زي الصخر، مفيش في وشه ولا نقطة دم ولا حتى دمعة واحدة من اللي كان بينزلها على يوسف. كان فيه نظرة شر غريبة، نظرة واحد عقله خلاص طار من كتر الغل والانتقام.
بصيت له ورجلي مش شيلاني، قولتله برعشة بتهز عضمي: “حل إيه يا عصام؟ وقعت قلبي.. في إيه؟ قصدك إيه بالحل المناسب؟”
رد عليا ببرود يجمّد المية المغليّة، وهو بيعدل ياقة قميصه وبيقول بكل هدوء:
“البنت دي هتمشي من هنا.. مش هتقعد في البيت ده دقيقة واحدة زيادة. أنا سألت ودورت وعرفت ملجأ أيتام ومؤسسة رعاية بعيدة، في أطراف المحافظة، هنوديها هناك ونسيبها.. ونقول للناس كلها إنها تعبت وماتت ورا أخوها من الحزن، أو تاهت ومش لاقينها. المهم وشها ده مالمحوش تاني، ريحتها في الشقة دي بتخنقني، كل ما أشوفها بشوف دم يوسف سايح على الأرض ومغرق الرصيف!”
أنا الكلمة نزلت عليا زي جبل اتهد فوق نفوخي. حسيت إن وداني بتصفر والأنفاس اتسحبت من صدري مرة واحدة. فضلت فاتحة بوقي وببصله ومبرقة، مش مستوعبة إن الراجل اللي واقف قدامي ده هو هو عصام، جوزي، الأب الحنين اللي كان بيشيلها على كتافه ويدللها ويقول دي “نور عيني”.
صرخت بصوت مكتوم عشان نور متصحاش، مسكت في دراعه وهزيته بكل قوتي:
“إنت اتجننت يا عصام؟! إنت واعي للكلمة اللي بتنطقها دي؟! ملجأ إيه اللي بنتك تروحه وإحنا عايشين على وش الدنيا؟! بنتك لحمك ودمك، بنتك اللي مكملتش عشر سنين عايز ترميها في الشارع؟! ده إنت لو بتنتقم من عدوك مش هتعمل فيه كده.. استغفر ربنا، استغفر ربنا وفوق، ده الشيطان عمى عينيك خلاص!”
زق إيدي بقسوة من على دراعه، وصوته علي بهستيريا وغضب مكتوم:
“شيطان إيه وبتاع إيه؟! هي دي بنتي؟! دي القاتلة اللي حرقت قلبي على ابني وسندي! يوسف ضهري اللي انكسر راح في غمضة عين بسبب غبائها، بسبب إيديها المشؤومة! أنا كل ما أسمع صوت رجلها في الطرقة ببقى عايز أهجم عليها وأطبق في رقبتها، أنا كل ما أعدي على أوضتها بفتكر يوسف وهو بيطير في الهوا وبسمع صوت ارتطامه بالأسفلت! لو قعدت هنا يوم كمان.. قسماً برب العزة يا إما أنا هقتلها بإيدي وهضيع نفسي، يا إما هسيبلك البيت ده وأمشي وأسيبكم تغوروا في ستين داهية!”
دموعي نزلت شلالات على وشي، وطيت على إيديه وبوستها بذل وعمري ما كنت أتخيل إني أذل نفسي لحد كده:
“أبوس إيدك يا عصام.. علشان خاطر الأيام اللي عشناها سوا، علشان خاطر يوسف في تربته، يوسف لو كان عايش مكنش هيرضى بأخته تترمي كده! دي طفلة يا ناس، والله العظيم طفلة متقصدش، ده قضاء ربنا وقدره، البنت أصلاً بتموت بالبطيء وكل ليلة بتصحى تصرخ وتستخبي في حضني من كوابيسها.. هترميها تضيع وتتشرد؟! طب اعتبرني أنا موتها معاك، طلقني وسيبني أخدها وأمشي بيها بعيد عن عينك، بس متعملش في لحمك كده!”
بصلي باحتقار، وضحك ضحكة باردة تقطع في المصارين:
“تطلقي وتاخديها وتمشي؟ عشان الناس تقول رمى مراته وبنته بعد موت ابنه؟! عشان تصرفي عليها من فلوسي ونفقتي وتكبريها قدام عيني وأنا شايفها بتكبر ويوسف بيتحلل تحت التراب؟! لأ يا هانم.. اللي عندي قلته. بكرة الصبح الساعة تسعة، تجهزي شنطة هدومها وتجهزيها بالذوق، يا إما وعزة جلال الله هاخدها بالجلابية اللي عليها وأرميها قدام باب الملجأ، وخلينا نخلص من الكابوس ده!”
سابني ودخل قفل باب أوضة النوم وراه بالترباس، وسابني واقعة في الصالة في الأرض، بضرب على صدري وبكتم صريخي بكلتا إيديا عشان نور متصحاش على الفضيحة.
فضلت قاعدة مكاني الساعات بتمر، عقارب الساعة كانت بتمشي زي السكاكين بتدبح في قلبي. تلاتة الفجر.. أربعة الفجر.. النور بدأ يشقشق في الشباك، نفس الشباك المشؤوم اللي كان بداية الخراب.
قمت وقفت على حيلي بالعافية، الدموع نشفت في عيني وحل مكانها بركان من القوة اللي بتيجي للأم لما تحس إن ضناها في خطر مميت. دخلت أوضة نور بالراحة. لقيت البنت نايمة ومكمشة في نفسها في ركن السرير، حاضنة دبدوب قديم كان يوسف جايبهولها في عيد ميلادها، والدموع منشفة على خدودها وهي بتشهق في نومها كأنها حتى في الحلم خايفة وموجوعة.
قعدت جنبها ومسحت على شعرها بحنية، وحسيت بنار بتغلي جوايا. عصام مش الأب اللي عرفته، عصام اتحول لوحش مستعد يدوس على أي حاجة عشان غله يبرد. لو فضلت هنا، البنت دي يا هتتقتل، يا هيجيلها تخلف نفسي ومرض يدمرها، يا هيبيعها ويرميها زي ما قال.
في اللحظة دي، اتخذت قراري اللي مفيش فيه رجوع.
فتحت الدولاب من غير ما أعمل أي صوت، طلعت شنطة سفر متوسطة، لميت فيها شوية من هدوم نور، وشهادات ميلادنا، وبطاقتي الشخصية، وكل قرش دهب وفلوس كانت معايا ومتحوشة من مصروفي الخاص وشبكتي اللي كنت شيلاها على جنب. لبست عبايتي وطرحتي، وروحت لنور، هزتها بالراحة وهمست في ودنها:
“نور.. حبيبتي، اصحي، البسي هدومك بسرعة ومن غير صوت.”
البنت فتحت عيونها المفزوعة، وبصتلي بخوف وقالت بصوت واطي ومبحوح:
“في إيه يا ماما؟ بابا هيعمل فيا حاجة؟ بابا بيزعق تاني؟”
قلبي اتعصر، حضنتها جامد وبوست راسها:
“مفيش حاجة يا قلب أمك، إحنا خارجين نتفسح، إنتي وأنا بس، مشوار طويل شوية.. يالا قومي بسرعة.”
لبست البنت وهي بتترعش من البرد والرهبة، مسكت إيدها في إيدي، وشلت الشنطة على كتفي، وفتحت باب الشقة بتكة هادية خالص، ونزلنا على طراطيف صوابعنا على السلم، مش مستعملين الأسانسير عشان ميطلعش صوت يلفت نظره.
أول ما خرجت لباب العمارة ونسمة الصبح الباردة خبطت في وشي، حسيت إني بتنفس بعد شهور من الكتمة، بس كان في نفس الوقت رعب مالوش أول من آخر.. أنا ست مليش حد غير ربنا، أهلي متوفيين ومليش غير خال واحد عايش في بلد بعيدة في الصعيد ومقطوعين عن بعض من سنين، ومعيش غير ملاليم، رايحة فين ببنت مكسورة الظهر؟
وقفت تاكسي وركبنا، قولتله يوديني على محطة القطر. روحت هناك واشتريت تذكرتين لأبعد مكان حسيت إني أقدر أستخبى فيه، إسكندرية، وسط الزحمة والناس الكتير، هناك محدش هيعرفنا، وهناك هقدر أضيع وسط ملايين البشر وعصام ميوصلش لينا.
طول الطريق في القطر، نور كانت سانة راسها على كتفي وعينيها بتبص على السكة والزراعات بره، ومبتنطقش. فجأة بصتلي وقالت بصوت خافت:
“ماما.. هو يوسف راح فين؟ هو زعلان مني؟ أنا والله يا ماما كنت بهزر معاه وزقيته عشان زقني، مكنتش أعرف إن الشباك هيتفتح.. والله ما كنت أعرف إنه هيموت، أنا بحبه أوي يا ماما، نفسي يرجع يضربني بس ميموتش!”
الدموع نزلت من عيني وحضنتها بكل ما أوتيت من قوة وسط نظرات الناس اللي في القطر:
“عارفة يا حبيبتي، ربنا عارف إنك بتحبيه وإنك مكنتيش تقصدي.. ويوسف عند ربنا في الجنة يا نور، بيلعب ومبسوط، وهو مسامحك ومبيحبش يشوفك بتعيطي، وباباكي ربنا يهديه.”
وصلنا إسكندرية.. الهواء كان بيخبط فينا، والبحر صوته عالي. نزلت دورت على أوضة متواضعة في حارة شعبية، استأجرت أوضة بحمام صغير فوق سطوح بيت قديم، ودفعت إيجار شهرين مقدم من فلوس الدهب اللي بعته في أول محل صاغة قابلته. الأوضة مكنش فيها غير سرير حديد مكسور وطقطوقة وشوية بطاطين، بس كانت بالنسبة لي أحن من قصر عصام اللي مليان كره وسم.
مرت الأيام والشهور صعبة جداً.. اشتغلت في مشغل خياطة بالنهار، وبالليل كنت باخد شغل تطريز ومفارش أسهر عليه على لمبة سهارة عشان أصرف على أكلنا وشربنا وأوفر علاج نفسي لنور. البنت كانت كوابيسها بتزيد، وبتصحى تعرق وتصرخ وتقول “يوسف وقع!”.
أخدتها لدكتورة نفسية في مستشفى حكومي، الدكتورة قالتلي: “البنت دي عندها صدمة نفسية حادة وجلد ذات، لو محبتهاش وعوضتيها وحسستيها بالأمان، ممكن عقلها يضيع أو تدمر نفسها لما تكبر”. بقيت أشتغل الليل مع النهار، وأرجع أضحك في وشها وأحكي لها حكايات وأحفظها قرآن، وأفكرها دايماً إن يوسف روح في الجنة بتدعيلنا، وبدأت البنت واحدة واحدة تسترد عافيتها وضحكتها ترجع خطوة بخطوة، ورجعتها المدرسة بعد ما غيرت أوراقها بصعوبة بالغة.
عصام من ناحيته كان قالب الدنيا، بس مكنش بيدور عليا عشان يرجعني، كان بيدور عشان ياخد نور وينفذ انتقامه ويعاقبني إني كسرته وهربت بالبنت. كان بيبعت رسايل تهديد على أرقام قرايبي القدام، رسايل كلها سم: “هجيبك لو في بطن الأرض، ومش هسيبها تفلت من اللي في دماغي”. بس غيرت خط تليفوني وقطعت كل خيط ممكن يوصله ليا.
مرت تلات سنين كاملة.. نور كبرت وبقت في تالتة إعدادي، شاطرة ومتفوقة، ملامحها هديت وبقت حنينة عليا فوق ما أي أم تتمنى. كنا عايشين على الكفاف، ناكل الفول والجبنة وراضيين، بس الهدوء النفسي والأمان كانوا أحسن من كل كنوز الدنيا.
لحد ما جه اليوم اللي تليفوني القديم، اللي كنت فاتحاه بس عشان رسايل البنك أو الأوراق الرسمية، رن برقم غريب.
رديت بصوت حذر: “ألو؟”
جالي صوت ست بتعيط وبتشهق: “مدام منى؟ إنتي أم نور؟ أنا مروة، أخت عصام جوزك.. أبوس إيدك الحقينا!”
اتنفضت من مكاني وقولت برعب: “في إيه يا مروة؟! عصام عمل إيه؟ وصل لمكاني؟”
قالتلي بصوت متقطع: “عصام بيموت يا منى.. عصام في العناية المركزة في مستشفى القصر العيني بقاله أسبوعين، جاله ورم خبيث في المخ وفقد النطق والقدرة على الحركة تماماً، والدكاترة قالوا ساعاته معدودة في الدنيا.. والراجل مبيعملش أي حاجة غير إنه بيشاور على صورتك وصورة نور ويبكي بدموع دم.. أبوس إيدك تعالي خليه يشوف البنت قبل ما يقابل وجه كريم، الراجل بيتعذب عذاب القبر في الدنيا!”
قفلت الخط وإيدي متلجة. بصيت لنور اللي كانت بتذاكر على الطبلية، عيونها البريئة باصة ليا بتسأل: “في إيه يا ماما؟ مين دي؟”
قعدت قدامها وقولتلها الحقيقة.. قولتلها إن باباها مريض وبيموت وعايز يشوفها. توقعت إنها تترعب، ترفض، تصرخ وتقول “ده كان عايز يرميني ومبيحبنيش”.. لكن نور، بنتي اللي ربيتها بالحب والرحمة، نزلت دموعها وقالتلي بهدوء:
“ده بابا يا ماما.. حتى لو زعل مني، هو مكنش في وعيه، كان مقهور على يوسف.. لازم نروح له عشان ميموتش وهو زعلان، أنا مسمحاه والله.”
سافرنا القاهرة تاني، رجعنا لنفس المدينة اللي هربت منها بدموعي وخوفي. دخلت المستشفى، وريحة المطهرات والمرض في كل حتة. مشينا في الطرقة لحد ما وصلنا لأوضة العناية.
فتحت الباب ودخلت أنا ونور..
عصام.. مكنش عصام اللي أعرفه، كان هيكل عظمي نايم على السرير، وشه شاحب زي الكفن، خراطيم وأجهزة طالعة من كل حتة في جسمه، عيونه كانت غايرة جوه جمجمته وتايهة في السقف. أول ما حسي بفتح الباب وبص ناحيتنا، عيونه وسعت وشهقة طويلة طلعت من صدره وجهاز القلب صوته زاد.
شاف نور.. نور اللي كبرت وبقت عروسة صغيرة فيها من ملامحه وملامح أخوها يوسف الله يرحمه.
قربت منه بالراحة، والدموع مغرقة وشي. نور خطت خطواتها ببطء، وقفت جنب السرير، ومسكت إيده المتيبسة والناشفة زي الخشب وحطتها على خدها.
عصام حاول ينطق، صوته كان حشرجة مش مفهومة، دموعه نزلت بغزارة وسخونة على مخدته، كان بيحاول يضم صوابعه الضعيفة على إيدها، نظرته مكنتش كره، نظرته كانت ندم يهد جبال.. ندم وحسرة وتوسل، كان بيبوس إيدها بنظراته كأنه بيطلب الغفران عن كل لحظة قسوة، عن كل وجع سببهولها، وعن الفكرة المجنونة اللي كان عايز يدمر بيها حياتها.
نور مالت عليه، وباست جبينه وقالتله بصوت ملائكي صافي:
“أنا مسامحاك يا بابا.. مسامحاك على كل حاجة، ويوسف مسامحك ومسامحني عند ربنا، ارتاح يا حبيبي.. ارتاح.”
أول ما سمع الكلمة دي، ملامحه هديت، وشه اللي كان مشدود ومذعور بقى رايق وهادي.. أخد نفس عميق وطويل، وغمض عيونه، وجهاز القلب صفر بنغمة مستقيمة وطويلة.
عصام مات.. مات في نفس اللحظة اللي خد فيها عفو من البنت اللي كان عايز يرميها للمجهول، مات وهو مدرك إن الرحمة أقوى من الغل، وإن قضاء ربنا مكنش محتاج منه غير التسليم مش الانتقام والظلم.
خرجت من المستشفى وأنا ماسكة إيد نور، الشمس كانت طالعة والشارع مليان ناس وحياة. بصيت للسما وقولت: “الحمد لله يا رب على فضلك وقوتك”، وضميت نور لحضني وأنا عارفة إن الكابوس خلاص انتهى للأبد، وإن يوسف نايم في سلام، وعصام حسابه عند ربه، وإني قدرت أحمي بنتي وأطلع بيها لبر الأمان، نضيفة القلب من أي حقد، مليانة رحمة متتوصفش.
#زهرة_الربيع




