
مسحت دمعتها بطرف طرحتها، وضمت العيال وقالت بصوت واطي بس يرن في الحيطان:
“اشبع ببيتك وعزك يا ابن الأصول.. الأيام لسه طويلة والدنيا بتلف، وبكرة هتدور على ضفر عيل من دول ومش هتلاقيه، وساعتها اللي بعت ولادك عشانها.. هتبيعك بتراب الفلوس.”
وقفت على حيلها براحة، شدت الشنطة المتبهدلة بإيد، ومسكت في عيالها بالتانية، ونزلت درجات السلم بخطوة ثابتة وسط ضلمة الشارع، سايبة وراها باب اتقفل في وشها، بس فتح ألف سكة لحساب جاي لا محالة.
نزلت رجلها على أول بلاطة في الشارع، وكانت الهوا الساقع يلطش وشوش العيال الباكية، وأغاني العيد طالعة من المحلات والبيوت حواليهم كأنها سكاكين بتدبح في قلبها. الناس في الشارع بتجري تشتري لبس العيد وحلوياته، وهي بتجرجر شقاها في شنط مقطعة وعيالها مشبوكين في هدومها من الرعب.
ابنها الصغير رفع عينه بدموع بريئة وسألها بصوت بيترجف: “ماما.. إحنا رايحين فين؟ وبابا ليه مش نازل ورانا؟”
بلعت ريقها المر، وحبست غصة في حلقها كانت كفيلة تهد جبال، ونزلت لمستواه، مسحت وشه بكم عبايتها وقالتله بنبرة مليانة قوة معرفتش منين طلعت: “بابا اختار طريقه يا حبيبي.. وإحنا رايحين نبني بيتنا من أول وجديد، بيت مفيش فيه خيانة، ولا فيه مكان لحد يبيعنا.”
مدت إيدها في جيب العباية، مكنش حيلتها غير كام جنيه فكة باقين من مشوار الصبح، وتليفون قديم مكسور شاشته. وقفت تحت عمود النور، سحبت نفس طويل بطعم القهر والعزيمة في نفس الوقت، وطلعت التليفون ورنت على النمرة الوحيدة اللي باقية ليها في الدنيا وسندها الحقيقي.
الخط فتح على صوت دافي ولهفان، مكنتش محتاجة تشرح كتير، أول ما قالت: “أنا في الشارع بولادي يا فلان.. طردنا وباع كل حاجة”، جه الرد اللي رد الروح في عروقها: “اثبتي مكانك ومتنزليش دمعة واحدة.. ربع ساعة وأكون عندك، وحقك وحق عيالك هيرجعلك تالت ومتلت بالقانون ومن عينه.”
قفلت السكة، بصت لمدخل العمارة اللي خرجت منها لآخر مرة، رفعت راسها للسما، وابتسامة تحدي اترسمت وسط ملامحها الحزينة، عارفة إن الليلة دي مش نهاية الحكاية.. دي بداية معركة مش هتخرج منها غير وهي كاسرة اللي استقوى عليها وظلم عيالها.
عربيات النقل مشيت، والشارع هدي شوية، ووقفت هي تحت نور العمود الأصفر، حاضنة العيلين اللي دفيوا من قربها وبطلوا عياط، كأنهم حسوا إن حضن أمهم هو الحيطة الوحيدة اللي مش هتميل عليهم أبداً.
مرت الدقايق تقيلة زي سنين، لحد ما وقفت قدامها عربية مألوفة، نزل منها الشخص اللي كلمته.. نزل بخطوة سريعة وعينه بتدور عليها، وأول ما شاف القعدة والشنط، عروق وشه اتشدت بغضب، بس أول ما قرب منها حسس على راس العيال وقال بصوت هادي يطمن: “قومي يا غالية.. طول ما فينا نفس بتتنفس، ولا إنتي ولا ولادك تتداس لكم طرف ولا تباتوا في الشارع.”
شال الشنط والكراتين في شنطة العربية، وفتح الباب الخلفي عشان تركب هي وولادها. قبل ما تحط رجلها في العربية، لفت وبصت لشباك الشقة في الدور التالت؛ كان النور عالي، والست التانية واقفة في البلكونة بطرحتها السواريه بتبص بشماتة ومستنية تشوفها مكسورة وبتستعطف أو بتصرخ.
بس هي مبكتش، بصت لها بثبات غريب، وعدلت طرحتها، وركبت العربية ورزعت الباب، حركة كأنها بتقفل بيها دفتر الذكريات كله بالمفتاح.
وهي في طريقها، سحبت شنطة إيدها الصغيرة وفتحت سوستة داخلية كان فيها فايل بلاستيك قديم؛ مكنش هو يعرف عنه حاجة. طلعت منه وصولات أمانة قديمة، وفواتير الذهب اللي باعته عشانه، وعقود شراكة كان ماضي عليها بإيده في أول ما فتح شركته، وشهادة حق الجيران على كل قرش دخل البيت من شقاها.
بصت للورق وقالت في سرها: “فاكر إنك طردتني بالورقة اللي زورتها مع محاميك؟ بكرة المحاكم تفتح يا ابن الناس، وحق الشقى والسنين اللي اتسرق هيرجع، بس المرة دي.. مش بالساهل، وبشروطي أنا.”
عدت أيام العيد تقيلة، بس كنت بخطت كل ثانية فيها كانت خطوة محسوبة على رقعة شطرنج. أول ما الإجازات خلصت والنيابات فتحت، كانت واقفة على باب مجمع المحاكم، دايسة برجل ثابتة على البلاط الرخام، وشايلة في إيدها الدوسيه اللي فيه حبل المشنقة لكل اللي افتكروا إن مال اليتيم والست الأصيلة مالوش صاحب.
في نفس الوقت، كان هو قاعد في مكتب شركته الجديد، نافخ ريشه ومبسوط بالحياة اللي افتكر إنه اشتراها برخص التراب، والهانم مراته الجديدة جنبه بتطلب وتتأمر.. وفجأة، الباب خبط بقوة ودخل معاون التنفيذ ومعاه قوة أمنية وورقة إعلان بالحجز التحفظي على حسابات الشركة ومحتوياتها، ودعوى جنائية بتهمة التبديد والتزوير في عقود الملكية الرسمية، مع تمكين عاجل للزوجة الأولى بصفتها حاضنة لأطفال قُصّر.
وقف مصدوم، وشه جاب مية لون، والتليفون في إيده مبطلش رن من البنك بيبلغه بتجميد الأرصدة بناءً على مستندات شراكة رسمية وفواتير إيداع قديمة تثبت إن أكتر من تلتين رأس مال الشركة ملك لطليقته، وإن العقد اللي كتبه للشقة عليه طعن رسمي بالتزوير والاستيلاء على مسكن الحضانة.
التفت لمراته الجديدة مستني منها كلمة تسنده زي ما كانت بتوعده بالدعم والفلوس وتتباهى بعيلتها ومعارفها، لقى نظرة تانية خالص.. نظرة باردة وواحدة بتجمع شنطتها ودهبها وبتقوله من غير رمشة عين: “أنا ماليش دعوة بمشاكلك وبلاويك القديمة.. أنا ست متجوزاك على سعة واسم ونضافة، مش جاية أشيل شيلتك ولا أتبهدل في محاكم وقضايا علشان شقة عليها حجز وشريك مهدد بالحبس.. المحامي بتاعي هيتواصل معاك عشان ننهي كل حاجة بهدوء ومن غير دوشة.”
خرجت ورزعت الباب وراها بكعب جزمتها العالي، وهو قاعد على الكرسي مذهول، باصص للورق الرسمي اللي بيثبت حجز الشقة والشركة ومش مستوعب السرعة اللي الدنيا اتقلبت بيها عليه وخسر فيها كل حاجة في لحظة.




