
الخاتمة
عدت سنة كاملة.
أنا بدأت شغلي من جديد، واشتريت شقة صغيرة باسمي، وبقيت أنا وأولادي عيلة كاملة من غير ما أحتاج موافقة حد.
أما حازم، فخسر كل حاجة بسبب الطمع والخداع، واضطر يواجه تبعات أفعاله أمام القانون.
ونانسي اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الطفل مش إكسسوار يتشال في حفلة، وإن الأم مش هي اللي تختار اسم الطفل أو تلبس أحسن فستان…
الأم هي اللي بتسهر، وتتعب، وتخاف، وتحارب الدنيا كلها عشان ولادها.
وفي يوم، وأنا شايلة الولدين قدام شباك البيت، واحد في إيدي والتاني بيضحك جنبي، سمعت ابني الأول يقول:
— ماما…
بصيت له ودموعي نزلت.
ضحكت وضمّيته.
وقلت لنفسي:
— كانوا عايزين ياخدوا مني كل حاجة… بس ربنا عوضني بحياة كاملة.
الخاتمة الكبيرة
مرت الأيام، والشهور، وأنا كل يوم كنت بصحى الصبح وأبص على ولادي وأحمد ربنا إنّي خرجت من الحكاية دي وأنا لسه واقفة على رجلي.
في البداية، كانت حياتي صعبة جدًا.
كنت بصحى بالليل على صوت عياطهم، وأجري عليهم وأنا مرهقة، أغير لهم، وأرضعهم، وأهديهم، وأرجع أنام ساعتين بالعافية.
بس الغريب إن التعب ده كان أحلى تعب في حياتي.
كل مرة كنت أشيل واحد فيهم بين إيديا، كنت أفتكر كلام نانسي:
“الولاد دول هينسوا ملامحك وهيقولولي أنا مامي.”
وأبتسم.
لأنها ما كانتش تعرف إن الأمومة مش كلمة الطفل بيقولها… الأمومة روح بتتزرع في قلبه كل يوم.
أنا اللي كنت موجودة لما كانوا بيعيطوا.
أنا اللي كنت بصحى على سخونتهم.
أنا اللي كنت بخاف عليهم من أبسط حاجة.
أنا اللي كنت أول ما أسمع ضحكتهم أحس إن الدنيا كلها رجعت لي.
ومع الوقت، بدأت أرجع لنفسي.
رجعت أشتغل، واشتغلت على نفسي، وقررت إن الست اللي اتكسرت مرة مش لازم تفضل مكسورة طول عمرها.
بالعكس…
أنا بقيت أقوى من الأول.
أما حازم، فكان بيحاول يرجع يدخل حياتي بأي طريقة.
مرة يبعث لي رسالة يقول:
“أنا ندمان.”
ومرة:
“الأولاد محتاجين أبوهم.”
ومرة:
“إديني فرصة أصلح اللي عملته.”
كنت بقرأ الرسائل وأسكت.
لحد ما في يوم جه قدام باب شقتي.
فتحت الباب، لقيته واقف قدامي وملامحه اتغيرت تمامًا.
ما بقاش الراجل اللي كان داخل عليّ زمان وهو بيتكلم عني كأني مجرد وسيلة لتحقيق حلمه.
كان واقف مكسور.
قال:
— أنا عارف إني ما استحقش فرصة منك… بس أنا عايز أكون أب لأولادي.
بصيت له بهدوء وقلت:
— الأب مش اللي ييجي وقت ما يحب ويختفي وقت ما يحب.
سكت.
كملت:
— الأب هو اللي كان لازم يحمي أم ولاده، مش يبيعها.
نزل رأسه وقال:
— أنا عارف.
قلت:
— لو عايز تشوفهم، مش همنعك… لأنهم مش ذنبهم إن أبوهم غلط.
رفع عينيه باستغراب.
— يعني هتسمحي لي أشوفهم؟
قلت:
— بشرط واحد… إنك ما تستخدمش ولادي عشان ترجعني.
هز رأسه.
ومن يومها، بدأ يشوفهم في مواعيد محددة، من غير ما يتدخل في حياتي.
أما نانسي…
فبعد كل اللي حصل، اختفت من حياتنا فترة طويلة.
وبعدها عرفت إنها كانت بتواجه مشاكل كبيرة بسبب الأوراق والتلاعب اللي حصل.
وفي يوم، وصلتني منها رسالة قصيرة:
“كنت فاكرة إنك أقل مني… لكن طلعتِ أقوى واحدة فينا كلنا. أنا آسفة.”
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
ولأول مرة ما حسيتش بغضب.
لأن الزمن كان كفيل إنه يعلّم كل واحد فينا درسه.
قفلت الموبايل، وروحت لأولادي.
كانوا بيلعبوا في الصالة، واحد منهم بيضحك والتاني بيجري وراه.
قعدت على الأرض وسطهم.
واحد منهم رمى نفسه في حضني وقال:
— ماما!
ضمّيته بقوة.
والتاني جه حضني وقال:
— وأنا كمان!
ضحكت وضمّيت الاتنين.
وفي اللحظة دي، افتكرت أول يوم دخلت فيه بيت حازم.
كنت داخلة وأنا فاكرة إني رايحة أعيش مع راجل بيحبني.
ما كنتش أعرف إني داخلة على أكبر امتحان في حياتي.
افتكرت كلام نانسي، وإهانتها، ونظراتها، وكل مرة حاولوا يقنعوني إني مجرد رحم.
لكن كل ده بقى من الماضي.
بصيت لأولادي وقلت:
— عارفين إيه؟
بصوا لي باستغراب.
ابتسمت وقلت:
— ماما كانت فاكرة إنكم هتكونوا سبب وجعي… طلعتوا أنتم سبب نجاتي.
ضحكوا، وأنا دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا ما كسبتش حازم.
وما كنتش عايزة أكسب نانسي.
أنا كسبت نفسي.
وده كان أعظم انتصار.
لأن أوقات ربنا بيحطك في موقف تحسي فيه إن حياتك انتهت، بينما هو في الحقيقة بيجهزك لحياة أحسن بكتير.
وأنا اللي كنت فاكرة إنهم أخدوا مني كرامتي…
اكتشفت إن كرامتي عمرها ما كانت في إيدهم.
كرامتي كانت في قراري إني أقف من جديد.
وإني ما أسمحش لأي حد يحولني لشيء.
ولا رحم.
ولا خادمة.
ولا مجرد زوجة.
أنا إنسانة… وليا حق أعيش وأتحب وأتقدر.
ومن يومها، كل ما حد يسألني:
— إيه أكتر حاجة ندمتي عليها؟
أبتسم وأقول:
— إني صدقت للحظة إن قيمتي مرتبطة برأي حد فيا.
وأكمل:
— لأن الإنسان ممكن يخسر بيت… ويخسر زوج… ويخسر ناس كان فاكرهم أهم حاجة في الدنيا، لكن طول ما ما خسرش نفسه، يقدر يبدأ من جديد.
وبصيت لأولادي، وقلت في سري:
“ربنا ما كانش بياخد مني… ربنا كان بينقذني.”
ومن يومها بدأت حياتي الحقيقية.
حياة ما فيهاش نانسي.
ولا تهديدات حازم.
ولا خوف من بكرة.
فيها أنا…
وفيها ولادي…
وفيها قلب اتوجع كتير، لكنه أخيرًا اتعلم إن بعد كل وجع كبير، ممكن تيجي بداية أجمل مما كنا نتخيل.
وهنا انتهت حكايتي… لكن بدأت حياتي.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




