روايات وقصص

بقلم ميرا ابوا الخير

مريم صرخت صرخة هزت أركان المبنى أول ما شافتني طالع، وأشرف لف بسرعة في إيده وهو مبهوت.

— «عـ… علي؟!» مريم اتلجلجت وشها بقى أبيض زي القماش، «أنت.. أنت كنت هنا؟»

مشيت ناحيتها وأنا مش شايف قدامي. مسكتها من شعرها بقوة خلتها تصرخ وتوقع على ركبيها قدامي:

— «يا واطية! يا خاينة! يا اللي من دمي! أختي تفعل في أبويا كدة؟! تسيبيه في الزبالة وقرح الفراش واكلاه وتخدعي أخوكي وتسرقي شقى عمرنا علشان حتة هربان؟!»

أشرف هجم عليا بالمطواة وهو بيصرخ: «اوعى يا علي بدل ما أقتلك مع المتردية دي!»

لكن قبل ما المطواة توصل لصدري، باب المكتب الخارجي اتكسر وانفتح بالقوة!

دخل أربعة رجال أجسادهم ضخمة، لابس بدلات سوداء وشكلهم يرعب، يقودهم راجل كبير في السن، شعره أبيض، ويمشي على عصا بوقار شديد، وعينيه فيها قسوة الصعيد كلها.

الراجل الكبير بص لأشرف المصدوم، وهز عصايته في الأرض بقوة خلت الرخام يرن:

— «أهلاً يا أحمد يا عبد التواب.. بقالك أربع سنين هربان بفلوس اليتامى والأرامل بتوع أسيوط وفاكر إنك استخبيت في دمياط؟»

أشرف المطواة وقعت من إيده على الأرض، ورجليه اتسحبت منها القوة ووقع على الأرض وهو بيرتعش برعب حقيقي:

— «الحاج متولي؟!.. أنتم.. أنتم وصلتم لي إزاي؟!»

الراجل الكبير (الحاج متولي) بص لندى وهز رأسه بامتنان واعتزاز:

— «وصلنا لك بفضل الست الأصيلة دي.. الست اللي جابت لنا حقنا وحقك، وجابت لنا مكانك بالظبط عشان ناخد تارنا ونرجع فلوس الناس اللي أنت سرقتها!»

مريم كانت بتصرخ وتعيط على الأرض، ومسكت في رجلي وأنا بزقها بجزمتي بكل قسوة وشمئزاز:

— «علي! أرجوك يا علي سامحني! هو اللي غواني! هو اللي ضحك عليا وقال لي هنعمل ملايين ونهرب! أرجوك يا علي أنا أختك!»

— «أنتِ مش أختي..» قلتها وصوتي طالع من قاع جهنم، «أنتِ وحدة خاينة مالكيش أصل ولا دين.. وأبويا اللي رميتيه في الزبالة هو اللي يحكم عليكي، مش أنا!»

الحاج متولي شاورت لرجالتهم، وفي ثواني كانوا ماسكين أشرف من رقابته زي الكلب، وبدأت أصوات سيارات الشرطة ترن في الشارع برة المعرض.. ندى كانت مبلّغة النيابة العامة ومباحث الأموال العامة بالتنسيق مع أهالي أسيوط، وكل حاجة كانت متخطط لها بالمسطرة!

الشرطة دخلت المكتب، وكلبشوا أشرف ومريم اللي كانت بتصرخ وتستغيث، وأخدوا أوراق العقود المزورة والملفات كلها.

لما المكتب فضي، وما بقاش فيه غيري أنا وندى..

قعدت على الأرض، حطيت وشي بين إيديا وبكيت.. بكيت بكسرة قلب وندم ما يعلم بيه إلا ربنا.

رفعت رأسي بصيت لندى اللي كانت واقفة جنب الشباك بتبص على سيارات الشرطة وهي ماشية.

— «ندى..» قلتها ونبرة صوتي راجية ومكسورة، «كل حاجة رجعت.. الحقيقة ظهرت، والمعارض وأملاكي كلها تحت رجليكي.. أرجوكي يا ندى، تعالي نرجع، تعالي نعوض أبويا عن اللي شافه، ونبدأ من جديد.. أنا مستعد أكتب لك نص المعارض دي باسمك النهار ده قبل بكرة!»

ندى لفت بصت لي.. النظرة دي هي اللي قطعت أملي الأخير.

ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد تحرر من كل قيد وكل وجع، وقالت بصوت رايق وثابت:

— «أنا عملت كدة عشان حق الحاج فاروق، وعشان أثبت لنفسي وللقاهرة كلها إن بنت الشوارع اللي أنت رديت عليها المتين جنيه، أنضف وأشرف من كل ملايينك.. لكن نرجع؟ لا يا علي.»

قربت خطوات من الباب، ولفت بصت لي للمرة الأخيرة:

— «اللي اتكسر بيننا ما يتصلحش بملايين ولا بأسهم.. الفلوس تقلك وتكبرك في عين الناس، بس ما تعملكش كرامة يا علي. أنا راجعة عند الحاج فاروق، هاخده وأعيش بيه في بيت صغير من شقيا الحلال.. وأنت.. خلي الملايين بتاعتك تنفعك وتشتري لك راحة البال والنوم اللي حرمت نفسك منهم.»

وسابتني ومشيت..

فضلت قاعد في المكتب الفخم الواسع، بين الموبيليا الغالية والأفخم في مصر، بس حسيت إن المكان أفضى وأبرد من الأوضة الصاج اللي تحت الكوبري. حسيت لأول مرة إن المتين جنيه اللي كانت في جايبي، فعلاً ما قدرتش تشتري لي ولا ذرة واحدة من راحة البال.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

قفزت من مكاني وزقيت محامي الشركة بقوة، عينيا كانت هتطلع من مكانها وأنا بشوف اسم أشرف متسجل على التنازلات، والشهود اتنين من محامي المباحث اللي كانوا واقفين تحت المعرض! — «تزوير! التنازل ده باطل! ندى ضحكت عليا وعليكم كلكم!» صرخت بصوت هيستيري وأنا بضرب على سطح المكتب الزجاجي لحد ما اتكسر ميت حتة وتحت إيديا

 

الظابط بص لي بجمود، وطلع كلبشات تانية من جيبه:

— «التنازل مخدوم بختم الشهر العقاري وبصمة الحارس القضائي اللي عينه المحكمة على المعارض بناءً على القضية القديمة اللي رفعها والدك من سنة! أنت مضحوك عليك من زمان يا علي بيه.. بس مش من ندى، من أختك وجوزها، وندى كانت بس الوكيل القانوني اللي بيتنفذ من خلاله حكم المحكمة لرد الحقوق لأصحابها!»

ـ «أصحابها؟!» صرخت وأنا مذهول، «أنا صاحب الحق! أنا اللي بنيت المعارض دي بدمي!»

رد الظابط وهو بيزقني بالراحة ناحية الكرسي:

— «المعارض دي كلها كانت مقتطعة من أموال طائلة مسروقة من أهالي الصعيد ومن حسابات والدك الشخصية قبل ما يجيله الشلل، والأوراق بتقول إن ندى تنازلت عن كل حصتها لإعادة بناء المصحة الحكومية اللي كان أبوك مرمي فيها، وعن إنشاء مؤسسة لرعاية كبار السن المجهولين.. أنت ما بقاش لك حيلة حاجة هنا يا علي.»

في اللحظة دي، سمعت صوت حركة برة المكتب..

باب الصالة الخارجية اتفتح ببطء، ودخلت ندى، كانت لابسة عباية كحلي بسيطة جداً، وفي إيدها شنطة أوراق بيضاء. وراها كان فيه كرسي متحرك بيزقه شاب صغير من أهل الحارة..

على الكرسي كان راقد أبويا، الحاج فاروق!

كان متغطي ببطانية نضيفة، وشه رايق، وعينيه اللي كانت زمان مكسورة ومملوءة برعب، النهار ده كانت بتلمع بنور غريب وصافي.

— «يابا!..» صرخت وأنا بحاول أقرب منه، بس الظابط حط إيده على صدري ومنعني.

أبويا رفع إيده المرتعشة ببطء شديد، وشاور لي بصباعه.. مش عشان أقرب ولا عشان يحضنني، شاور لي بـ “لا”.. هز رأسه بأسى ودمعة واحدة نزلت من عينه على خده المجعد.

ندى قربت من الكرسي، وحطت إيدها على كتف أبويا، وبصت لي بنظرة ما كانش فيها أي غل ولا تشفي.. كانت نظرة شفقة، شفقة على راجل ضيع كل حاجة في لحظة غرور.

— «أبوك جاي يودع المكان يا علي..» ندى قالتها بصوت هادي يقطع القلب، «جاي يشوف شقى عمره وهو بيرجع للغلاظ والمظلومين اللي اتسرقت فلوسهم عشان المعارض دي تتفتح وتكبر. جاي يشوف النهاية.»

— «ندى.. أرجوكي!» وقعت على ركبتي قدام أبويا ونظام الدم نازل من إيدي المجرورحة، ومسكت في طرف الكرسي المتحرك: «يابا سامحني! أنا ابنك يا علي! أنا اللي اتعميت واستغلتني أختي الخاينة! أرجوك يا حاج، قولهم يسبوني معاكم.. أنا مستعد أشتغل تحت رجليكي يا ندى! ألم معاكم البلاستيك والكرتون بس ما تسيبونيش لوحدي في الضياع ده!»

أبويا فتح بؤه بالعافية، وطلع منه صوت مبحوح ومكسور، لكن كلماته كانت أوضح من صوت الرعد في الأوضة:

— «ا… الـ… الفلوس… يا… علي… ما… بتعملش… رُجالـة…»

أبويا غمض عينيه وأخد نفس عميق، ودار وجهه الناحية الثانية بعيد عني، كأنه بيقفل الصفحة الأخيرة من حياته معايا.

ندى شالت إيدي بالراحة من على الكرسي المتحرك، وبصت في عيني للمرة الأخيرة:

— «الـ ٢٠٠ جنيه اللي رميتها لي في البركة يا علي.. أنا ما أخدتهاش لنفسي. أنا اشتريت بيها الدوا اللي مسكن لأبوك وجعه في أول ليلة، والباقي حطيته في صندوق التبرعات بتاع المستشفى باسمك.. عشان يمكن ربنا يخفف عنك الوجع اللي هتعيش فيه بقية حياتك.»

ندى لفت الكرسي المتحرك، وبدأت تزق أبويا لبرة المكتب..

صوت عجل الكرسي وهو بيتكركر على الرخام الفاخر بتاع المعرض كان زي صوت سكاكين بتقطع في قلبي. فضلت باصص عليهم وهم بيبعدوا، والمطر برة الشباك كان نازل بغزارة، كأنه بيغسل المكان من كل التاريخ المليان كدب وزور.

الظابط حط إيده على كتفي وقعدني على الأرض:

— «اتفضل معانا يا علي بيه على النيابة.. فيه تحقيقات طويلة مستنياك في قضايا التستر والتوقيعات المشبوهة مع أختك وأشرف.»

طلعت من المعرض وكلبش الحديد في إيدي، والناس واقفة في الشارع بتتفرج على “صاحب أكبر معارض موبيليا” وهو مكلبش ومسحوب زي المجرمين. بصيت بعيد.. شفت العربية الصغيرة اللي ندى وأبويا ركبوا فيها وهي بتبعد وتختفي وسط زحمة دمياط والمطرة.

قعدت في البوكس الخلفي للشرطة، وسندت رأسي على الحديد البارد.. افتكرت اليوم اللي طلقت فيه ندى، وافتكرت غروري وأنا راكب العربية الفارهة وبشتمها تحت الكوبري. حسيت ببرودة شديدة بتدخل عظمي، وعرفت إن السرقة الحقيقية ما كانتش الملايين ولا المعارض.. السرقة الحقيقية كانت عمري وأصلي وكرامتي اللي ضاعوا مني للابد، وإني بقيت أفقر راجل في الدنيا، حتى المتين جنيه ما بقتش حيلتي.

سحبتني الشرطة من الممر الخلفي للمعرض، والحديد في إيدي بياكل في جلدي، بس الوجع اللي في جسمي كله ما كانش ييجي حاجة جنب السكينة اللي اتغرست في قلبي. أختي مريم كانت مرمية في صالة العرض وهي بتبكي بصوت هستيري، وحوالي أربع أمناء شرطة ماسكين “أشرف” اللي كان بيصرخ وبيحاول يملص منهم بكل قوته، بس رجالة الحاج متولي الصعيدي كانوا واقفين زي السد، بيتابعوا كل خطوة بعيون مليانة تار وشماتة.

في النيابة، قعدت على كرسي خشب مكسور قدام وكيل النائب العام. ساعات طويلة من التحقيق، أوراق بتتقلب، وأختي مريم بترميني بالتهم وأنا برميها، كل واحد فينا بيحاول ينجو بنفسه من غسيل الأموال والتزوير والإهمال الجسيم في حق أبويا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى