
إبراهيم زعق وبدأ يهدد: “ورق إيه وطين إيه! الفلوس دي أنتِ كنتِ بتبعتيهالي بعطفك، وأنا راجل البيت والتراخيص باسمي! مش ه تطالي مني جنيه واحد، والبيت ده بيتي وبيت ابني اللي جاي!”
في اللحظة دي خرجت بوسي مراته من العمارة على صوت الزعيق، نازلة تجري بقميصها ومكياجها الصارخ: “في إيه يا إبراهيم؟ المدرسّة دي لسة بتطاردك؟ ما تمشيها يا جدع أنت!”
لفيت ليها وبصيت لها من فوق لتحت وابتسمت ابتسامة استهزاء:
* “يا حبيبتي وفّري صحتك عشان الحمل.. العمارة دي عليا حظر تصرف من النهاردة، يعني لو إبراهيم فكر يفكر يبيع شقة منها عشان يصرف عليكِ وعلى ولادتك، هيتسجن بتهمة التصرف في أموال متنازع عليها. يعني الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي ممكن تتشمع بالشيء الأحمر في أي لحظة.. قولي لجوزك بقى وريني هيصرف عليكِ منين لما البنك يجمد حسابه!”
بوسي بصت لإبراهيم بذهول وصدمة: “كلام إيه ده يا إبراهيم؟! مش قلت لي العمارة ملكك خالص ومفيش عليها مشاكل؟!”
إبراهيم اتلخبط وبدأ يتلعثم: “سيبك منها دي بتخوّفك! دي أوهام!”
بس الأوهام بدأت تتحول لحقيقة. خلال أسبوع واحد، الأستاذ مصطفى المحامي قدر يجيب أمر بمنع التعامل على العمارة والعربية، والبنوك جمدت الحساب المشترك لحد ما النيابة تفحص التحويلات اللي جاية من الإمارات.
إبراهيم بقى زي المجنون.. المقاولين اللي بيشطبوا في العمارة بدأوا يطالبوه بفلوسهم عشان يكملوا شغل، وهو مش عارف يسحب جنيه واحد من البنك لأن حسابه اتقفل بناءً على العريضة. والشركات اللي كان متفق معاها على توريد سيراميك ورخام بدأت تبعتله إنذارات دفع.
في يوم، كنت قاعدة في البيت، جالي تليفون من رقم غريب.. فتحت، لقيت صوت إبراهيم، بس المرة دي مكنش الصوت البجح بتاع السلم.. كان صوت مكسور، خايف، وفيه رعشة:
شيماء.. أنا إبراهيم.. ينفع أقبلك نص ساعة نتكلم فيها بعيد عن المحاكم والمحاميين؟”
قلت له بنبرة ثلجية: “نتكلم؟ نتكلم في إيه يا إبراهيم؟ مش أنت قلت لي مالكيش ولا طوبة ولا مسمار وركبتني السلم؟”
* “أنا غلطت يا شيماء.. الشيطان غواني، وبوسي وأهلها ضغطوا عليا وعشموني.. أنا مستعد أكتب لك نص العمارة ونرجع زي الأول، بس شيلي البلاغات دي البنك قفل حسابي والمقاولين مهدديني بالسجن!”
ضحكت ضحكة هادية وصلت له عبر السماعة، ضحكة حسسَته بأد إيه هو بقى صغير:
* “نص العمارة؟ أنت فاكرني بساومك يا إبراهيم؟ العمارة دي كلها بتاعتي.. شقايا كله. والعربية بتاعتي.. وأنت مالكش عندي غير الورقة اللي بتثبت إنك كنت مجرد وكيل خاين للأمانة. والصلح؟ الصلح ده لما تكون راجل وصنت البيت.. إنما أنت بعتني بأول قرشين مسكتهم في إيدك”.
* “شيماء ارحميني! بوسي عاوزة تسيب البيت وتروح لأهلها عشان الفلوس اتقطعت، والناس في المنطقة بقوا يبصوا لي على إني حرامي وأكل حق مراته!”
* “أحسن.. خليهم يعرفوا حقيقتك. ده أول كاس يا إبراهيم.. واللسه الجاي أحلى. اغلق الخط في وشك زي ما قفلت الباب في وشي”.
قفلت الخط وسندت ضهري لورا. حسيت لأول مرة من أربع سنين إن صدري بيتنفس هواء نظيف. الغربة أخدت من صحتي وشبابي، بس علمتني إن الحق مبيضيعش طالما وراه صاحب ما بيخافش.
بعد أسبوعين، كانت أول جلسة في قضية إثبات الملكية وحظر التصرف النهائي. دخلت القاعة وأنا ماسكة ملف أوراقي في إيدي، وأحمد أخويا جنبي، والأستاذ مصطفى جاهز بالمذكرات.
إبراهيم كان قاعد في آخر القاعة، هدومه مش هي هي اللي كان لابسها، وشه شاحن، ودقنه خفيفة كأنه مانامش بقاله أيام.. وبوسي مكنتش جنبه، سابته ورجعت بيت أهلها بعد ما عرفت إن الفلوس طارت وإن الشقة متهددة بالصادرة.




