روايات وقصص

بعد سبع سنين حكايات صافي هاني

بعد سبع سنين من طلاقنا لقيت نفسي واقف قدام بيت طليقتي ليلة العيد وأنا ناوي أعتذرلها عن الكذبة اللي هدمت حياتنا وأخيرًا أعترف إني كنت غلطان في حقها كان الجو ساقعة جدًا والمطر بينزل على كتافي وأنا لابس الجاكت القديم بتاع الجيش ولما جيسي فتحت الباب وقبل حتى ما أقول كلمة طلع ولد صغير من وراها لابس شراب أحمر بتاع العيد وماسك زينة معمولة من الكرتون ومعلقة فيها نجمة واقعة

قال لها
ماما النجمة وقعت تاني
وبعدين شافني
فضل باصصلي وهو مميل راسه بنفس النظرة اللي كنت بشوفها في صور طفولتي
لكن عينيه هما اللي خلو قلبي يقف مكانه
لونها أزرق مائل للرمادي
نفس لون عيني بالظبط
سألني
إنت مين
قلتله
أنا اسمي إيفان وكنت أعرف مامتك زمان
وكان كلامي صحيح بس كان ناقص منه حاجات كتير أوي
أنا كنت عارف جيسي بتحب قهوتها إزاي وكنت عارف الأغنية اللي كانت بتدندنها وهي بتطبخ وكنت عارف إنها كانت تسيب لمبة واحدة منورة طول الليل كل ما أسافر في مهمة مع الجيش
الولد خد باله من علامة الجيش اللي على الجاكت بتاعي وقال
إنت كنت عسكري
قلتله
أيوه
وشه نور من الفضول وبدأ يجهز يسألني أسئلة كتير لكن جيسي بسرعة قالتله يروح يشوف الكعك في المطبخ
سمع كلامها ومشي وهو بيرجع يبصلي مرتين قبل ما يختفي جوا
أول ما بقينا لوحدنا سألتها
عنده كام سنة
جيسي ضمت دراعاتها على صدرها من شدة البرد وقالت
إيفان بلاش الكلام ده وإحنا واقفين على الباب
قلت
عنده كام سنة يا جيسي
سكتت لحظة وبعدين قالت بصوت واطي
سبع سنين
الكلمة نزلت عليا أتقل من برد الدنيا كلها
طلاقنا بقى رسمي من سبع سنين بالظبط قبل ما أسافر بمهمة عسكرية بره البلد بحوالي تلات أسابيع والمهمة دي خلتني بعيد عن مصر تقريبًا سنة وشهرين
بصيت من فتحة الباب على الصالة الدافية
زينة العيد كانت مالية الحيطان وصورة الولد في المدرسة كانت محطوطة جنب صاروخ صغير معمول للزينة
ابتسامته كانت شبه ابتسامة أبويا الله يرحمه بشكل يخوف
بصيت لجيسي وقلت بصوت واطي
هو ابني
جيسي ما أنكرتش
بدل كده طلعت على السلم اللي قدام الباب وقفلته وراها تقريبًا وهي بتقول
اسمه ليو
سكتت شوية وبعدين قالت
وهو ما يعرفش إنت مين
كنت عايز أسألها عن كل حاجة
كنت عايز أعرف ليه خبت عني سبع سنين وليه ما حاولتش توصلني وليه أنا عمري ما عرفت إن عندي ابن
لكن الحقيقة إن الغضب الأعمى اللي سيطر عليا من سبع سنين كان السبب في إني أخسر كل حاجة كانت مهمة في حياتي
عشان كده سألتها بهدوء
إنتِ حاولتي تقوليلي
الألم ظهر في عينيها وقالت
كتبتلك مرتين
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
اتنفض قلبي
قالت
الجواب الأول رجعلي ومكتوب عليه العنوان غير صحيح والمرسل إليه غير معروف
قلت
والتاني
بصت في الأرض وقالت
وصل لبيت أمك
سكتت لحظة وبعدين قالت
واختفى
في اللحظة دي الباب اتفتح تاني
ليو كان واقف قدامي وماسك تلات قطع كعك بالزنجبيل شكلهم كان معوج بطريقة تضحك
قال
دوق دول
ابتسمت غصب عني
وأخدت واحدة منه
كانت أول مرة ألمس فيها إيد ابني من غير ما أعرف حتى إزاي أقول كلمة أب
بعد وقت قصير دخلنا البيت وقعدنا في المدخل
جيسي قامت وجابت صندوق خشب صغير وحطته قدامي
فتحته
جواه كانت موجودة أسورة المستشفى الصغيرة اللي كانت على إيد ليو وهو مولود
وخصلة صغيرة من شعره وهو لسه رضيع
وفوقهم جواب مقفول مكتوب عليه اسمي
إيفان
مسكت الظرف وإيدي بدأت ترتعش
وتحت اسمي كانت جيسي كاتبة بخط إيدها
تعالى بنفسك يا إيفان
ما تخليش أمك ترد عليك
قلبت الظرف
وفي اللحظة دي شفت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي
كان على ضهر الظرف ختم البريد الرسمي اللي بيرجع الخطابات
وتحته مباشرة كان فيه خط إيد أنا عارفه كويس جدًا
خط أمي ويندي
وكان مكتوب بخطها الواضح
هو اختار الجيش ومش عايز يكون له علاقة بالولد
فضلت باصص للجملة دي وقت طويل
حسيت إن كل حاجة حصلت في حياتي خلال السبع سنين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدامي مرة واحدة
بصيت لجيسي وسألتها
أمي كانت عارفة
قالت
أيوه
قلت
من إمتى
ردت وهي بتبص في عيني
من قبل ما ليو يتولد
سألتها
وإنتِ ليه ما جيتيش بنفسك
ابتسمت ابتسامة كلها وجع وقالت
أنا جيت
سكتت لحظة
وبعدين كملت
بس أمك وقفتني على الباب وقالتلي إنك رافض تشوفني وإنك قلتلها لو حاولت أوصل لك تاني هتقطع علاقتك بيا للأبد
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي
لأني كنت فعلًا قلت لأمي وقتها إني مش عايز أسمع اسم جيسي تاني
لكن عمري ما قلتلها تمنعها عني
وعمري ما قلتلها إني مش عايز أشوف ابني
لأنني وقتها ما كنتش أعرف أصلًا إن عندي ابن
رفعت عيني ناحية ليو
كان قاعد على الأرض وبيحاول يصلح النجمة الكرتون اللي وقعت من الزينة
وفي لحظة رفع عينه وبصلي
نفس النظرة
نفس العينين
ونفس الشامة الصغيرة اللي كانت موجودة جنب ودني وأنا طفل
همست لنفسي
يا رب سامحني
جيسي سمعتني وقالت
إنت ما كنتش تعرف
بصيتلها وقلت
بس كان لازم أعرف
سكتنا الاتنين
وبعدين ليو قرب مني وقال
إنت هتمشي
ما عرفتش أرد
قال
عشان كل الناس اللي بتيجي عندنا بتمشي بسرعة
حسيت بغصة في حلقي
نزلت لمستواه وقلت
مش عارف
سألني
يعني ممكن تيجي تاني
بصيت في عينيه
وقلت
لو ربنا كتبلي عمر هفضل أجيلك كل يوم
جيسي بصتلي وسكتت
لكن قبل ما أقوم لقيت ليو بيحط إيده الصغيرة في إيدي
وفي اللحظة دي فهمت إن أكبر صدمة في الليلة دي ما كانتش إني اكتشفت إن عندي ابن عنده سبع سنين
الصدمة الحقيقية كانت إني اكتشفت إن فيه طفل قضى سبع سنين من عمره مستني أب ما كانش يعرف أصلًا إنه موجود
والأسوأ من كده
إن أمي كانت عارفة الحقيقة كلها
وكان عندها سبع سنين كاملة تخبيها عني
المشهد الأول: الحقيقة اللي اتدفنت سبع سنين
فضلت إيد ليو الصغيرة جوه إيدي وأنا مش قادر أقول أي كلمة
كنت طول عمري فاكر إن أصعب لحظة في حياتي كانت يوم ما وقفت قدام المأذون وأنا بطلق جيسي
كنت فاكر إن أصعب لحظة كانت يوم ما رجعت من المهمة العسكرية وسمعت إن كل حاجة بينا انتهت
وكنت فاكر إن أصعب حاجة هي الوحدة اللي عشت فيها بعد الطلاق
لكن وأنا قاعد قدام طفل عنده سبع سنين وعينيه نفس عيني كنت عارف إن كل اللي فات كان مجرد تمهيد للحظة دي
ليو بصلي وقال
إنت زعلان؟
هزيت راسي وقلت
شوية
سألني ببراءة
من ماما؟
بصيت لجيسي
كانت واقفة بعيد شوية وبتبص لنا وهي حاضنة نفسها بإيديها
قلت
لا يا ليو مش من ماما
قال
أمال من مين؟
اترددت
وبعدين قلت
من نفسي
ليو ما فهمش
وطبيعي إنه ما يفهمش
إزاي طفل عنده سبع سنين يفهم إن راجل قدامه بيحاول يستوعب سبع سنين ضاعوا من عمره؟
قمت من مكاني ووقفت قدام جيسي
قلت
عايز أعرف كل حاجة
قالت
مش الليلة
قلت
جيسي أنا استنيت سبع سنين وأنا مش عارف حتى إن ابني موجود
قالت
وأنا كمان استنيت سبع سنين
قلت بعصبية مكتومة
بس إنتِ كنتِ عارفة
قالت
وأنا كنت عارفة إنك مش عارف
سكت
قالت
والفرق كبير
الكلمة وجعتني
لأني عارف إنها صح
قعدت تاني وفتحت الظرف اللي عليه اسمي
طلعت الورقة اللي جواه
إيدي كانت بتترعش
وكان مكتوب:
“إيفان
أنا مش عارفة الجواب ده هيوصلك ولا لأ
ومش عارفة لما تقراه هتكون شايفني إزاي
بس لازم تعرف إن فيه طفل منك جاي للدنيا
أنا مش بكتبلك عشان أرجعك
ومش بكتبلك عشان أطلب منك تتجوزني تاني
أنا بس بكتبلك عشان لما يكبر ما أسألكش ليه أبوه ما كانش موجود
لو لسه شايف إنك مش عايزني أنا هتقبل ده
لكن ابني مالوش ذنب في اللي حصل بينا
تعالى وشوفه مرة واحدة
وبعدها القرار قرارك”
وقفت عن القراءة
حسيت نفسي مش قادر أكمل
رفعت عيني لجيسي
قلت
إنتِ كتبتي ده قبل ما ليو يتولد؟
قالت
بأسبوعين
قلت
وإنتِ كنتِ حامل وقتها؟
هزت راسها
قلت
وأنا كنت فاكر إنك سبتيني بسبب الراجل التاني
غمضت عيني
الذكرى رجعت قدامي
قبل الطلاق بأسابيع كنت لقيت رسالة على تليفون جيسي من رقم غريب
كانت الرسالة قصيرة
“أنا مستنيكي، ومش هسيبك ترجعي له.”
وكان فيه صورة لجيسي واقفة مع راجل قدام مستشفى
أنا وقتها ما سألتش
ما واجهتهاش
روحت لأمي
وأمي قالتلي الجملة اللي غيرت حياتي
قالتلي
“جيسي بتخونك يا ابني.”
كنت وقتها في حالة غضب عمياء
رجعت البيت وواجهتها
جيسي حاولت تشرح
قالت إن الراجل ده قريب لها وإن الموضوع له علاقة بالحمل وأنها كانت خايفة
لكن أنا ما سمعتش
اتهمتها
جرحتها
وقلتلها كلام عمري ما قدرت أسامح نفسي عليه
وفي النهاية مشيت
بعدها بأيام أمي قالتلي إن جيسي باعتة جواب بتقول فيه إنها حامل
أنا فاكر إني سألتها
“حامل من مين؟”
قالتلي
“هي بتقول منك طبعًا، بس مين يضمن؟”
الكلمة دي كانت كفاية عشان أقطع آخر خيط بيني وبين جيسي
أنا صدقت أمي
وما صدقتش مراتي
دلوقتي وأنا ماسك جوابها بعد سبع سنين كنت شايف الحقيقة بشكل مختلف
قلت
الراجل اللي في الصورة
جيسي قالت
كنت رايحة أعمل فحوصات عشان الحمل كان فيه مشكلة
قلت
وأمي كانت تعرف؟
قالت
كانت تعرف إني حامل
وكانت تعرف إني كنت بحاول أوصلك
لكنها ما كانتش تعرف كل التفاصيل
قلت
يعني ليه عملت كده؟
جيسي نزلت عينيها

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى