منوعات

زهرة الربيع

سكت.

 

قالت:

 

“أنا يومها كنت فاكرة إني بدافع عن ابني. بس لما رجعت البيت وقعدت لوحدي، افتكرت كلامي عن بنتك، وحسيت إني ظلمت بنت مالهاش ذنب.”

 

قلت:

 

“المهم إنك عرفتي.”

 

قالت:

 

“وعرفت كمان حاجة.”

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“إن الأم لما ابنها يغلط، المفروض توقفه، مش تداري عليه.”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“أنا كنت خايفة على ابني من الفضيحة، لكن جوزي فهمني إن السكوت هو اللي كان ممكن يضيع ابني.”

 

هزيت راسي.

 

وقلت:

 

“يمكن دي كانت أكتر حاجة كويسة حصلت بعد الموقف.”

 

قالت:

 

“يمكن.”

 

وبعدين قالت:

 

“مريم عاملة إيه؟”

 

قلت:

 

“الحمد لله.”

 

قالت:

 

“سلميلي عليها.”

 

قلت:

 

“حاضر.”

 

ورجعت البيت.

 

لما قلت لمريم، قالت:

 

“حاضر يا ماما.”

 

وبس.

 

ما كانش عندها كره.

 

ولا رغبة في الانتقام.

 

ولا حتى رغبة في فتح الموضوع.

 

وده بالنسبة لي كان معناه إنها فعلًا عدت المرحلة.

 

وفي يوم من الأيام، كانت مريم قاعدة قدامي بتجهز ورق الكلية.

 

فجأة قالت:

 

“ماما.”

 

“نعم؟”

 

“لو في يوم أنا بقيت أم، هعمل زيك؟”

 

ضحكت.

 

“في إيه؟”

 

قالت:

 

“هخاف على بنتي زيادة؟”

 

قلت:

 

“غالبًا.”

 

ضحكت.

 

وقالت:

 

“وأقفل عليها المنور؟”

 

ضحكت من قلبي.

 

قلت:

 

“لأ، هتعملي لها نظام أمان أحسن.”

 

قالت:

 

“وأفضل أخاف؟”

 

قلت:

 

“الخوف عمره ما بيروح.”

 

سكتت.

 

قلت:

 

“بس المهم إنك ما تخليش خوفك يمنعها تعيش.”

 

هزت راسها.

 

وقالت:

 

“اتعلمت.”

 

وبعدين قامت حضنتني.

 

في اللحظة دي حسيت إن كل حاجة حصلت كان ليها نهاية.

 

مش نهاية الحكاية بس.

 

نهاية الخوف.

 

نهاية الشك.

 

نهاية الأيام اللي كنت كل ما أسمع فيها صوت فوق السطح قلبي يخبط.

 

نهاية نظراتي للمنور.

 

نهاية السؤال اللي كان بيطاردني:

 

“ماذا لو حصل تاني؟”

 

ما حصلش تاني.

 

لأننا ما اكتفناش إننا نقول “مش هيحصل”.

 

عملنا اللي نقدر عليه عشان ما يحصلش.

 

أمّنا البيت.

 

حطينا حدود.

 

اتكلمنا مع أهل الولد.

 

وخليّنا البنت تعرف إنها تقدر تتكلم.

 

والأهم من كل ده، إننا ما خليناش بنتنا تدفع تمن غلط شخص تاني.

 

وبعد سنين، لما مريم بقت شابة مستقلة، كنت أحيانًا أقعد لوحدي على السطح بعد المغرب.

 

أبص على البيوت.

 

وأفتكر الليلة القديمة.

 

كنت أفتكر نفسي وأنا طالعة السلم بالكشاف، ورجلي بتترعش.

 

وأفتكر صوتي وأنا بزعق.

 

وأفتكر أم الولد وهي بتتهم بنتي.

 

وأفتكر انتظاري لجوزي.

 

وأفتكر اللحظة اللي دخل فيها حسن البيت، وأنا كنت متخيلة إن أول حاجة هيعملها إنه ينزل يعمل مشكلة.

 

لكنه عمل حاجة أهم.

 

حط بنته في أمان.

 

وحط حدود.

 

وحط الحق في مكانه.

 

وفي يوم، سألته:

 

“لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل نفس اللي عملته؟”

 

قال:

 

“أيوه.”

 

قلت:

 

“حتى لو كنت قادر تضرب الولد؟”

 

قال:

 

“الضرب مش هو الحل الوحيد.”

 

قلت:

 

“ولو كان الموضوع اتكرر؟”

 

قال:

 

“كنت هصعّد أكتر، لكن برضه مش هخلي غضبي ياخد القرار.”

 

وبعدين قال:

 

“إحنا مش بنربي ولادنا عشان نعيش مكانهم. إحنا بنربيهم عشان يعرفوا يعيشوا بعدنا.”

 

الجملة دي ما نسيتهاش.

 

وبصراحة، يمكن دي كانت أهم حاجة خرجت بيها من كل اللي حصل.

 

لأن بنتي دلوقتي بقت تعرف تحط حدود.

 

وتعرف تقول لأ.

 

وتعرف تحكي.

 

وتعرف إن بيت أهلها مفتوح لها مهما كبرت.

 

وتعرف إن اللي يضايقها مش لازم تسكت عليه خوفًا من كلام الناس.

 

وفي نفس الوقت، عرفت إن الدنيا مش كلها شر، وإن مش كل شخص هتقابله هيكون مؤذي، وإنها مش لازم تعيش طول عمرها متحفزة وخايفة.

 

أما أنا، فبقيت أهدى.

 

ما بقيتش كل ما بنتي تقف عند الشباك أنده عليها.

 

ما بقيتش أمنعها من النزول.

 

ما بقيتش أفسر كل صوت وكل حركة إنها خطر.

 

لأني عرفت إن الحماية مش معناها إنك تمنعي الحياة.

 

الحماية معناها إنك تدي اللي بتحبيه الأدوات اللي تخليه يعرف يتصرف لو حصل أي موقف.

 

ومريم كبرت.

 

واتخرجت.

 

وفي يوم تخرجها، كان حسن واقف جنبها، لابس أحسن جلابية عنده، وعمال يصور فيها.

 

قال لها:

 

“ارفعي راسك.”

 

قالت:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“عشان أنا فخور بيكي.”

 

بصيت لهم.

 

وابتسمت.

 

افتكرت أول مرة شفت فيها بنتي وهي مرعوبة من اللي حصل.

 

وقارنتها بالبنت اللي واقفة قدامي دلوقتي، واثقة في نفسها، بتضحك، ومش شايلة فوق كتفها ذنب مش ذنبها.

 

وعرفت إننا كنا صح لما اخترنا نحميها من غير ما نخليها تخاف من الدنيا.

 

وفي آخر اليوم، لما رجعنا البيت، مريم طلعت السطح.

 

نادَت:

 

“ماما!”

 

طلعت لها.

 

قالت:

 

“تعالي شوفي.”

 

بصيت.

 

كانت واقفة عند المنور.

 

قالت:

 

“فاكرة ده؟”

 

قلت:

 

“أنساه إزاي؟”

 

قالت:

 

“أنا زمان كنت ببص له وأخاف.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين قالت:

 

“دلوقتي ببص له وأفتكر إني عديت.”

 

حضنتها.

 

وقلت:

 

“الحمد لله.”

 

قالت:

 

“بابا فين؟”

 

قلت:

 

“جوه.”

 

قالت:

 

“ناديه.”

 

ناديت عليه.

 

طلع.

 

وقفت أنا ومريم ناحية، وحسن الناحية التانية.

 

مريم قالت:

 

“عايزة أقول لكم حاجة.”

 

حسن قال:

 

“قولي.”

 

قالت:

 

“أنا عارفة إن اللي حصل زمان كان صعب عليكم.”

 

سكتت.

 

“بس أنا مش عايزة أفتكره كحاجة كسرتني.”

 

بصت لنا.

 

“عايزة أفتكره كحاجة خلتني أعرف قيمتي.”

 

حسن ابتسم.

 

وقال:

 

“وده أهم حاجة.”

 

مريم ضحكت.

 

وقالت:

 

“وبعدين عايزة أقول لماما حاجة.”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“المنور ده هنفضل سايبينه مقفول.”

 

ضحكت.

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“عشان مش ناقصة مغامرات تانية.”

 

ضحكنا كلنا.

 

ونزلنا البيت.

 

ومن يومها، المنور فضل زي ما هو.

 

غطاء ثابت.

 

وشبك قوي.

 

وهواء يدخل.

 

ونور يدخل.

 

لكن مفيش عين غريبة تقدر تدخل حياتنا منه.

 

ومع الوقت، بقى المنور بالنسبة لي مش رمز للخوف.

 

بقى رمز لحاجة تانية.

 

رمز لليلة اتعلمنا فيها إننا نقدر نقفل باب على الأذى، من غير ما نقفل أبواب الحياة.

 

ومريم كملت حياتها.

 

وحسن فضل يسافر ويرجع.

 

وأنا فضلت أم.

 

أخاف.

 

وأطمن.

 

وأتعلم.

 

وأغلط وأصلح.

 

لكن الحاجة الوحيدة اللي ما اتغيرتش أبدًا، إن بنتي كانت عارفة إن عندها بيت ترجع له.

 

بيت محدش فيه هيقول لها:

 

“إنتِ السبب.”

 

بل هيقول لها:

 

“إحنا جنبك.”

 

وده كان أعظم انتصار في الحكاية كلها.

 

مش إن الولد اتعاقب.

 

ولا إن أمه اعتذرت.

 

ولا إن أهل البيت عرفوا الحقيقة.

 

أكبر انتصار إن بنتي خرجت من الحكاية وهي عارفة إنها مش مذنبة.

 

وإن صوتها مسموع.

 

وإن أهلها مصدقينها.

 

وإن أي حد يحاول يكسر ثقتها في نفسها، مش هيقدر.

 

لأن أبوها في اليوم اللي رجع فيه من السفر، ما قالش لها:

 

“إنتِ كنتِ فين؟”

 

ولا قال:

 

“ليه المنور مفتوح؟”

 

ولا قال:

 

“الناس هتقول علينا إيه؟”

 

قال لها جملة واحدة:

 

“إنتِ مالكيش ذنب.”

 

وأحيانًا، كلمة واحدة من أب أو أم ممكن تنقذ طفل من سنين كاملة من الإحساس بالذنب.

 

وده اللي حصل مع بنتي.

 

كبرت.

 

وكملت.

 

وعاشت.

 

وأنا كل ما أفتكر الليلة دي، أحمد ربنا إننا عرفنا نتصرف قبل ما الخوف يتحول لسجن.

 

وأحمده أكتر إن بنتي، رغم كل اللي حصل، ما فقدتش ثقتها في نفسها.

 

وفي آخر مرة اتكلمنا فيها عن الموضوع، سألتها:

 

“لو رجع بيكي الزمن، تحبي الليلة دي ما تحصلش؟”

 

فكرت شوية.

 

وبعدين قالت:

 

“أكيد ما كنتش أحبها تحصل.”

 

سكتت.

 

ثم ابتسمت وقالت:

 

“بس طالما حصلت، أنا مبسوطة إن نهايتها كانت كده.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“عشان عرفت إن مهما حصل، في ناس هتقف جنبي من غير ما تلومني.”

 

وقتها ما قدرتش أقول حاجة.

 

حضنتها بس.

 

لأن دي كانت الإجابة اللي كنت محتاجة أسمعها من بنتي من سنين.

 

وانتهت الحكاية.

 

لكن درسها فضل معانا.

 

إن البنت لما تتعرض لموقف يضايقها، أول حاجة محتاجاها مش الاتهام.

 

محتاجة الأمان.

 

مش محتاجة حد يسألها:

 

“إنتِ عملتي إيه؟”

 

قد ما محتاجة حد يقول لها:

 

“احكي.”

 

مش محتاجة حد يخوفها من كلام الناس.

 

محتاجة حد يعلمها إزاي تواجه الدنيا.

 

وإحنا يمكن ما كناش أهل كاملين.

 

لكن في اللحظة اللي بنتنا احتاجتنا فيها، حاولنا نكون أهلها فعلًا.

 

وده كان كفاية.

 

ومن يومها، كل ما مريم تدخل البيت وتنادي:

 

“ماما!”

 

أرد عليها:

 

“نعم يا قلب ماما؟”

 

حتى لو بقت كبيرة.

 

حتى لو بقت مسؤولة.

 

حتى لو بقى عندها بيتها وحياتها يوم من الأيام.

 

هتفضل بالنسبة لي البنت اللي كانت واقفة في أوضتها، وأنا واقفة على بابها، وبقول لها:

 

“متخافيش… إنتِ ما عملتيش حاجة.”

 

لأن بعض الجمل بتتقال مرة واحدة.

 

لكن بتفضل عايشة جوانا العمر كله.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى