Uncategorized

بعد. الحادثه

مازن حاول ينهي العلاقة أيام النيابة. وقتها منّة مرت بأزمة نفسية شديدة وانتهى بيها المطاف في المستشفى. أمها اتدخلت، ومازن رجع يقرب منهم بسبب الذنب، وبعدين أخد جنبه وتاني لما عرفني.
​فجأة افتكرت كل المكالمات المتأخرة بالليل طوال فترة جوازنا. مازن كان دايماً يقول إن في حالة حرجة، أو نائب محتاج مساعدة، أو طالبة عندها ظروف. كان دايماً بيجري ويسبني.
​كتير من الطوارئ دي كانت منّة.
​مرضها ظهر قبل حادثتي بحوالي سنة. ومن ساعتها المكالمات زادت، والمصاريف زادت، والليالي اللي بيباتها برة البيت كثرت.
​في يوم بعد الضهر مازن دخل الشقة اللي جنب المستشفى وأنا بعمل قهوة. قرب من ضهري وسند راسه على كتفي: — وحشني الوقت اللي كنتِ بتبصيلي فيه من غير خوف.
صدري اتخنق: — هو أنت بتقول الكلام ده لكل بنات عمك؟
جسمه اتشد، ورجع لورا: — مقصدش…

— ولا يهمك، أنا أصلاً مش فاكرة كويس.
​الكدب عليه كان بيجيبلي قرف، بس كمان علمني قد إيه الكدبة بتبقى سهلة لما البني آدم يقنع نفسه إن عنده سبب مجبر عليه.
​بعدها بكام يوم رحت لوحدي مركز التلقيح والخصوبة. أنا ومازن كان عندنا أجنة مجمدة. بقالنا شهور مستنيين تقييم أخير قبل ما نحدد ميعاد عملية نقل الأجنة. الدكتورة كشفت عليا وقالت: — طبياً نقدر نحدد الميعاد في أي وقت تحبيه.
​طوال تلت سنين كنت بحلم أسمع الجملة دي.
دلوقتي بقيت بفكّر بس: هل أنا عايزة أجيب عيل في علاقة جوزي فيها ممكن يحولني لـ “بنت عمه” لمجرد إن الحقيقة مش جاية على هواه؟
​ما حددتوش أي ميعاد.
طلبت إن أي استخدام للأجنة يتطلب إقرار وموافقة كتابية من الطرفين، ووقفت الإجراءات لأجل غير مسمى.
​في نفس الليلة، منّة أعلنت على العشا إنها هتوقف العلاجات الثقيلة: — أنا تعبت، ومش عايزة اللي فاضل لي في الدنيا يبقى كله ريحة مستشفيات.
مازن اتسمر مكانه. هي مسكت إيده: — أنا طالبة حاجة واحدة بس.
​وأنا كنت لسة بلعب دور بنت العم المتلخبطة.
​— عايزة فرح قبل ما أبقى مش قادرة أمشي.
مازن وشه أصفر: — منّة…
— مش كتب كتاب ورسميات، أنا عارفة إن ده ماينفعش. مجرد حفلة وخلاص. فستان وركود وصور. عايزة أحس إن أمي شايفاني ومطمئنة إنك وفيت بوعدك.
​مازن ماشالش إيده من إيدها.
​على مدار أسبوعين كان بيلف معاها يختار الورد والفستان وقاعة صغيرة في المعادي. وأنا كملت في شغلي، وقابلت محامية أحوال شخصية، وراجعت كل الحسابات والأصول والعقود اللي باسمي.
​ماكنتش عايزة أهد كل حاجة لمجرد الانتقام.
كنت عايزة أتأكد إنه مش هيعرف يقرر حاجة نيابة عني تاني.
​يوم الحفلة، منّة نزلت صور على الفيس. كانت لابسة أبيض، ومازن كان لابس البدلة الرمادي اللي حضر بيها عيد جوازنا. في صورة منهم كان بيبوس جبهتها قدام قوس ورد.
وكانت كاتبة: “في وعود بتتأخر، بس بتتحقق.”
​احتفظت بالصورة.

​بعدها بيومين مازن عدى عليا في الشغل عشان ياخدني. شافني طالعة من مكتب ميرفت: — أنتِ شغالّة؟
— أيوة.
— من إمتى؟
— من أسابيع.
— وليه ماقولتيليش؟
​بصيت له: — افتكرتك ابن عمي، ماكنتش أعرف إني لازم أستأذنك.
​إيده اتشدت على الدركسيون.
طلعت ملف مركز الخصوبة: — أنا كمان رحت للدكتورة.
​ملامحه اتغيرت: — افتكرتي موضوع الأجنة؟
— أيوة.
​ابتسم لأول مرة من أيام: — يعني نقدر نرجع للعلاج أول ما تحسي إنك أحسن؟
— لأ.
​الابتسامة اختفت: — يعني إيه لأ؟
— أنا وقفت الموضوع.
— يا ندى إحنا بقالنا تلت سنين بنستنى اللحظة دي!

— وأنت بقالك أسابيع بتقولي إنك ابن عمي.
— ده موضوع تاني خالص!
— فهمهولي طيب.
— مش هعرف.
— يبقى مش من حقك تاخد قرار معايا إننا نجيب طفل للدنيا دي.
​ضرب الدركسيون بإيده بغل: — عشان أنا جوزك!
​السكوت جوة العربية بقى مرعب.
​بصيت له.
تنفسه كان سريع جداً.
​— أنت قلت إيه؟
غمض عينيه.
كان الفأس وقعت في الرأس وخلاص.
​— أنا جوزك يا ندى. أنتِ مراتي.
​سندت ضهري على الكرسي: — غريبة أوي.. دي منّة بقالها أسابيع بتقول عليك خطيبها وأنت عمرك ما صلحتهالها.
— أنتِ مش فاهمة حاجة.
— فهماني أنت.
​مازن لف وشّه ناحيتي.
ولأول مرة من يوم الحادثة، ما بقاش في دور ابن العم، ولا المريضة المتلخبطة، ولا الحجج المريحة.
ما فاضلش غير جوزي.
واللي كان لسة هادد الكدبة اللي بناها بإيده.
— أنا عمر ما فقدت الذاكرة — قلتها.
​مازن قطع النفس لثانية.
— إيه؟
— أنا فاكرة كل حاجة من أول ما فتحت عيني في الطوارئ.
​وشه بدأ يتغير بالبطيء.
— ندى…
— أنا سمعت كل كدبة.

​عديت له كل حاجة بالواحدة: الشقة، الـ ٢٨٠ ألف جنيه اللي اتأخدوا من تحويشة علاج الخصوبة، المكالمات المتأخرة بالليل، ميزانية الحفلة، الصور، وكل مرة يقدمني فيها على إني حد تاني غير مراته.
​— أنا كنت عايز أحميكي!
— أنت مسحت وجودي!
— منّة بتموت!
— وأنا عايشة.. وده كان الإذن اللي إدته لنفسك عشان تجرحني.
​ساق العربية لحد بيتنا. دخل ورايا وشاور على صورة فرحنا اللي في الصالة:
— بصي لها.. دي حياتنا! أنتِ مراتي، منّة مش مراتي.
— طب قولي ليه كان لازم تقنعني بالكسر ده؟
​اترمى على الكرسي وغطى وشه:
— لما صحيتي متلخبطة، فكرت إني ممكن أديها كام يوم أمل من غير ما أهدك أنتِ.
— أنت مكنتش بتحميني من الهدم.. أنت كنت بتحمي نفسك من إنك تشوف رد فعلي.
— أمها إديتني كل حاجة لما مكنش حيلتي أي حاجة!
— إنك ترد الجميل مش معناه إنك تحول جوازنا لدَين بتدفعه من حسابي!
​مسك وشه بإيديه:
— لما حاولت أسيب منّة زمان، دخلت المستشفى.. أمها خليتني أوعدها إني عمر ما أسيبها أو أتخلى عنها.
— أنت وعدت بحاجة مكنش عندك أي حق تدفع ثمنها من حياتي أنا.
​رفع عينيه ليا:

— أنا بحبك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى