روايات وقصص

خطيبي سابني عشان امي حكايات صافي هاني

​بصيت له من فوق لتحت بقرَف وقلت له: “أنا فعلاً فهمت غلط لمدة تمن سنين، بس دلوقتي كبرت وفهمت كويس أوي. لم حاجتك واطلع برة بيتي”.

​أمي وقفت وهي بتعيط وبتزعق وتقول إني بنت عاقة وإني برميها في الشارع، بس أنا فكرتها بالجواب اللي بعتتهولي مع دعوة الفرح لما قالت لي “تعالي لو هتعرفي تلمي نفسك”، وقلت لها: “أنا لميت نفسي وجيت أخدت حقي، ودلوقتي دوركوا إنتوا الاتنين تلموا حاجتكم وتطلعوا برة”.

​طردتهم هما الاتنين في الشارع، ودانيال ملقاش قدامه غير إنه يرجع لشقتنا القديمة اللي كانت باسمه، بس من غير ولا مليم من ملايين بابا. وبعد أقل من شهر، عرفت من قرايبي إن الخناقات دبت بينهم، ودانيال ساب أمي بعد ما اكتشف إنها مبقاش حيلتها أي حاجة يصرف منها على طموحه وأحلامه.

​قعدت في مكتب بابا، مسكت ساعته القديمة اللي كان بيلبسها دايماً، وابتسمت وأنا عارفة إن العدل أخد مجراه، وإن اللعبة اللي لعبوها عليا اتقلبت عليهم ودفنتهم في طمعهم.

مرت شهور على اليوم ده، وبقت إمبراطورية بابا كلها تحت إدارتي. الشغل والمسؤولية أخدوا كل وقتي، بس كنت حاسة براحة ونصر عمري ما دوقتهم زمان وأنا عايشة في دور الضحية الحساسة زيادة عن اللزوم.

​في يوم وأنا في مكتبي بالشركة، السكرتيرة بلغتني إن فيه حد بره ومصمم يقابلني ورافض يمشي. أول ما سمحت له يدخل، لقيت دانيال واقف قدامي. المنظر كان يصدم؛ الهدوم الغالية والساعة الألماظ اللي كان واخدها من أمي اختفوا، ووشه كان باهت والكسرة باينة في عينيه.

​وقف بعيد عن مكتبي وبدأ يتكلم بصوت مرتعش: “كلير.. أنا عارف إني متستاهلش تسامحيني، بس أنا اضحك عليا. فيفيان هي اللي أغرتني وهي اللي خططت لكل حاجة من وراكي عشان تنتقم من ثقة أبوكي فيكي. أنا خسرت كل حاجة، شغلي، سمعتي، ومش باقي لي غيرك”.

​قرب خطوة كمان وهو بيحاول يمسك إيدي وقال: “إنتي لسه بتحبيني يا كلير، أنا عارف.. التمن سنين اللي بينا مش هيهونوا عليكي، إديني فرصة تانية وأنا هثبتلك إني اتغيرت، وهعيش خدام تحت رجليكي وفي شركتك”.

​سحبت إيدي منه ببرود، وقفت ورا مكتبي وبصيت له وبقيت مستغربة أنا إزاي كنت في يوم من الأيام بعيط وبموت عشان بني آدم بالرخص ده.

​قلت له بصوت هادي وثابت: “عارف يا دانيال.. زمان لما كنت بتقول عليا عاطفية وبفهمش في الطموح، كنت زعلانة أوي. بس بابا علمني إن الطموح الحقيقي مش إنك تسرق تعب غيرك، الطموح هو إنك تبني نفسك. إنت بعتني عشان كنت فاكر إنك بتشتري فرصة العمر، بس الحقيقة إنك بعت الحاجة الوحيدة الصادقة اللي كانت في حياتك”.

​شاوررت للأمن اللي واقفين على الباب وقلت: “خلوه يتفضل بره، وميدخلش المبنى ده تاني”.

​قبل ما يخرج، لف وبصلي بقلة حيلة، ففكرته بأخر رسالة بعتهالي وقلت له: “إمبراطورية أبويا بقت في إيد أمينة فعلاً.. بس الإيد دي هي إيدي أنا”.

​أما أمي، فجالي خبر إنها عايشة لوحدها في شقة إيجار صغيرة، بعد ما كل الناس اللي كانوا بيجاملوها عشان فلوسها ومنظرها المزيّف بعدوا عنها ومبقاش حد يسأل فيها.

​قفلت درج المكتب على ورق القض..ية كله، وأخدت شنتطي وخرجت وأنا باصة لمستقبلي، وعمري ما هبص ورايا تاني.

الحكاية مخلصتش عند طرده من مكتبي. بعد كام أسبوع، بدأت تجيلي مكالمات ورسايل كتير من أرقام غريبة، كلها من أمي. كانت بتبكي وبتترجاني أسامحها، وبتقول إنها عيانة ومحتاجة مصاريف للعلاج، وإن دانيال رفع عليها قض..ايا نفقة ومصمِّم ياخد منها آخر قرش حيلتها.

​مكانش عندي أي رغبة إني أنتقم منها أكتر من كده، بس في نفس الوقت مكنتش هسمح بإن فلوس بابا تروح لدانيال عن طريقها. بعتُّ لها محامي من طرفي، وخصصت لها مرتب شهري ثابت يكفي أكلها وعلاجها في شقتها الصغيره، بس بشرط قانوني واضح: المرتب ده ينزل في حساب مقفول باسمها هي بس، ولو دانيال شم خبر أو استفاد بمليم واحد منه، المرتب هيتقطع فوراً.

​دانيال لما عرف بالشرط ده وفهم إن أمي مبقاش ييجي من وراها أي مصلحة، طلقها رسمي ورمى لها ورقتها. حاول بعد كده يتقرب من كذا ست غنية في السوق عشان يعيد الكرَّة، بس سمعته في وسط رجال الأعمال بقت في الأرض؛ الكل بقى عارف إنه الشخص النصاب اللي غدر بمراته وخطيبته وطمع في حماته، فمبقاش فيه أي شركة محترمة ترضى تشغله أو تتعامل معاه.

​في الذكرى السنوية لوفاة بابا، رحت زرت قبره. وقفت هناك وأنا لابسة ألوان مبهجة لأول مرة، مكنتش لابسة أسود. حطيت ورد على قبره وقلت له: “خلاص يا بابا.. كلير الضعيفة العاطفية ماتت، وطلعت بنتك الشجاعة اللي بجد. القصر بقى هادي، والشركات بتكبر، وحقك وحقي رجعوا بالمليم”.

​وأنا راجعة على عربيتي، بصيت على شكل حياتي دلوقتي؛ بقيت سيدة أعمال ناجحة، محبوبة من كل اللي شغالين معايا، وعندي ثقة في نفسي تخترق الحيط الصوان. عرفت وقتها إن أكبر انتقام من اللي أذونا مش إننا نأذيهم، أكبر انتقام هو إننا ننجح ونعيش مبسوطين، ونسيبهم هما يتفرجوا علينا من بعيد وهم بيموتوا في غلهم وطمعهم.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى