
ابتسمت ابتسامة باردة وقلت له: “وهو يملك إيه يا أستاذ مصطفى؟”
رد المحامي بضحكة مكتومة: “هو بالورق والقانون لا يملك ملبس جسمه! العمارة بتاعتك، العربية اتباعت في المزاد العلني لحسابك وفاءً للتحويلات البنكية، وهو دلوقتي مفلس تماماً. أهله يحاولوا يجمعوا فلوس عشان يفتدوه من قضايا الشيكات، بس المبالغ كبيرة جداً”.
في اللحظة دي، جالي اتصال من رقم أم إبراهيم.. حماتي السابقة، المرأة اللي كانت بتكلمني في دبي وتقولي: “ربنا يخليكي لينا يا شيماء يا بنت الأصول، أنتِ اللي شايلة البيت وست العرايس”.
فتحت الخط وسكت.
جاني صوتها يعلى بالبكاء والنحيب: “شيماء! الحقيني يا بنتي! إبراهيم ابنك وابن أخوكي محبوس في القسم، المقاولين عاوزين يحبسوه ثلاث سنين! ارحميه يا شيماء وتنازلي عن قضايا خيانة الأمانة، خليه يخرج يلم نفسه! والله هو ندمان وبيموت في السجن!”
رديت عليها بصوت هادي وجاف زي الصخر: “ندمان؟ ندمان علشان اتكشف وأتفضحت نذالته ولا ندمان علشان خاني؟ فاكرة يا خالة يوم ما كلمتك من المطار وأنا راجعة، وقلت لك أنا عاملة مفاجأة لإبراهيم، قفلتي السكة في وشي وقلت لي أنتِ في السوق؟ كنتم كلكم عارفين! كلكم كنتم متآمرين عليا وبتشجعوه وياكل شقايا ويعيش بوسي في عز دمي! دلوقتي افتكرتي إن إبراهيم ابني وأخويا؟”
قالت وهي بتشهق: “الشيطان يا بنتي! بوسي وأهلها هما اللي زنوا على دماغه وقالوا له اكتب كل حاجة باسمك عشان تضمن حقك، وهو كان عبيط ومشي وراهم!”
قلت لها بكل حسم: “اللي يمشي ورا شيطانه يتحمل جحيمه يا خالة. ابنك كتب العمارة باسمه والعربية باسمه وقفل الباب في وشي ورمى شنطي على السلم. أنا مش هتنازل عن قضية واحدة.. والقرش اللي أخده مني هيدفعه سنين من عمره جوة السجن. مع السلامة”.
قفلت الخط في وشها، وحسيت إن كل خطوة باخدها بتبني جدار بيني وبين الماضي الخسيس ده.
لكن الأحداث أخذت منحنى أشد وأقسى. بوسي، اللي كانت فاكرة إنها كسبت المولد وركبت العز، اتفاجأت إن أهلها بيمارسوا عليها ضغط رهيب عشان تتطلق من إبراهيم بعد ما بقى محبوس ومفلس. بوسي راحت للنيابة وقدمت شهادة ضد إبراهيم، أكدت فيها إن إبراهيم قال لها بعظمة لسانه إنه استغل غياب شيماء واستولى على التحويلات البنكية عشان يبني العمارة ويتجوزها بيها، وإنها مكنتش تعرف إن الفلوس دي فلوس حرام ونصب!
الشهادة دي كانت المسمار الأخير في نعش إبراهيم. النيابة حولت قضية خيانة الأمانة والنصب والاستيلاء على أموال الغير إلى محكمة الجنايات.
مرت شهرين، وجاء موعد جلسة الجنايات.
القاعة كانت مليانة على أخرها. أهل إبراهيم قاعدين في الصالة يبكوا، وبوسي قاعدة مع أخيها بعيد مش راضية تبص ناحية عائلته. وأنا كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة رسمية أنيقة، واثقة في نفسي، وحوليا أخويا ومحاميّ.
دخل إبراهيم قفص الاتهام. كان شكله يكسر القلب لو كان يستحق الشفقة.. جسمه نزل النصف، شعره شاب، والكلابشات في إيده. أول ما عينه جت في عيني، خفض رأسه للأرض في خزي غير طبيعي. مكنش قادر يرفع عينيه في عين المرأة اللي حافى عشان يسرقها، ورجع يدور على رحمة مش سيجدها.
وقف ممثل النيابة العامة وألقى خطبة تزلزل القاعة، وصف فيها إبراهيم بـ “الخائن للأمانة، المستغل لزوجته المكافحة التي غربت نفسها وأكلت العيش الناشف لتبني بيتاً، فاستغل طيبتها وغيابها وسرق جهود سنين عمرها ليُرضي طمعه وأهواءه”.
وبعد مداولة استمرت ساعتين، خرج رئيس المحكمة ونطق بالبند القاسي:
“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، بمعاقبة المتهم إبراهيم عبد الحميد الزيني بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية النصب وخيانة الأمانة. ثانياً، إلزامه برد كافة المبالغ المتبقية للزوجة المدعية وشطب كافة حقوقه. ثالثاً، إحالة القضايا الفرعية للنيابة العامة”.
القاعة اتصدمت.. صراخ أمه وأخواته ملأ المكان، وإبراهيم وقع على ركبتيه جوة القفص وهو بيصرخ: “شيماء! سامحيني يا شيماء! والله مظلوم! سامحيني!”
بصيت له بكل ثبات، وما تهزتش فيا شعرة واحدة. مشيت ناحية القفص، وقفت قدامه والحديد بيني وبينه، وقلت له بصوت واطي ومسموع له وحده:
“فاكر يا إبراهيم يوم ما رمت الشنط على السلم وقلت لي: (أنا ما ضربتكيش على إيدك عشان تسافري.. وأنا سددت لك خدماتك)؟ أديني أنا النهاردة بسدد لك خدماتك.. الخمس سنين دول هتقضيهم جوة عشان تفكر في كل درهم أكلته حرام، وفي كل ليلة نمت فيها مرتاح وأنا بطحن نفسي في الغربة. البداية مكنتش عندك.. والنهاردة أنت بتشوف نهايتك بإيدك”.
لفيت ضهري ومشيت، وسائقي الحراسة بياخدوه للترحيلات وهو بيصرخ باسمي.
خرجت من المحكمة للهواء الطلق.. الشمس كانت ساطعة، وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. رجعت العمارة، بس المرة دي مش عشان أقعد أبكي.. كان معايا مهندس ديكور وعمال. بدأت أهد الشقة اللي كانت قاعدة فيها بوسي، أغير كل قطعة عفش، أغير الدهانات، وأحول العمارة بالكامل لمشروع استثماري راقي؛ أأجر الشقق لشركات ومكاتب كبيرة، وأخلي اسمها “عمارة شيماء”.
لكن القصة مكنتش لسة انتهت.. إبراهيم جوة السجن مكنش يسكت، وبوسي برة كانت بتدبر لمكيدة جديدة عشان تطلع بأي قرش من المولد، وأهل إبراهيم بدأوا يخططوا للانتقام مني بطريقة قذرة.. طريقة كانوا فاكرين إنها هتهدني وتكسر سميعتي قدام الناس والمدرسة اللي بشتغل فيها.
وقفت في بلكونة شقتي الجديدة، باصة للشارع وللعمارة اللي بقت ملكي الخالص، وأنا عارفة إن الحرب لسة مخلصتش.. لكن شيماء بتاعة زمان اللي كانت بتبكي وتسلم أمرها، ماتت واندفنت يوم السلم.. وشيماء الجديدة جاهزة لكل ضربة تجيلها، وستردها الصاع صاعين.
الجزء الخامس والأخير
وقفت في بلكونة العمارة، بطلّ على الشارع اللي شهد انكساري يوم ما رجعت من السفر، بس المرة دي كنت باصة له وأنا مالكة المكان ومالكة أمري. العمارة اتقفلت بالكامل، الدهانات اتغيرت، واللوحة الرخام الجديدة على البوابة اتركبت بصريح الخط: “عمارة شيماء”.
لكن أهل إبراهيم، ومعاهم بوسي، كانوا وصلوا لمرحلة من الفلس والغل تخلي العقل يطير. بعد ما إبراهيم اتسجن خمس سنين وبقت أحكامه نفاذ، حسّوا إن كل حاجة راحت من إيديهم. بوسي كانت اتطلقت منه بحكم محكمة بعد ما أتأكدت إنه مش هينفعها بنص جنيه، وأهله بقوا مطرودين من المنطقة هرباً من ديون المقاولين وشيكات إبراهيم اللي ملهاش رصيد.



