
ربطوا زميلتهم الفقيرة في يخت وجرّوها وسط البحر بالليل وهما بيضحكوا وبيصوّروها، لكن لما الحبل فَضِي من إيديهم واختفت تحت الميه، اكتشفوا إنهم ارتكبوا غلطة هتدمّر حياتهم للأبد! — إيه، عاجبك مشوار اليخت بتاع الأغنيا؟! دي كانت آخر جملة سمعتها مريم بوضوح قبل ما موجة خفيفة تضرب وشّها، وتبعدها عن سطح اليخت. كانت رجليها مربوطتين بحبل سميك، وجسمها بيتسحب برفق ورا يخت فاخر بيشقّ عتمة البحر، بينما شابين من أغنى طلاب الجامعة واقفين على سطحه، بيضحكوا وبيصوّروها بالموبايل كأنهم بيتفرجوا على موقف مسلي!
— بُصّ على وشّها! دي ملامحها متغيرة بجد!
— ارفع راسك يا مريم! خليكي معانا، لسه الجولة مخلصتش!
كانت بتحاول ترفع راسها علشان تاخد نفس، لكن الميه كانت قريبة منها، وكل موجة كانت بتحسسها بالإجهاد وبرودة الأجواء.
صرخت وهي بتقاوم:
— الحقوني! والنبي أنا مش قادرة! طلّعوني من الميه!
لكن محدش مدّ لها إيده بالجدية المطلوبة، وواحد منهم قرّب الموبايل أكتر من سطح البحر، وهو بيضحك ويقول:
— يا جماعة، بصّوا على الرحلة المجانية اللي عاملينها لبنت الغلابة!
كانوا فاكرين إنهم بيعملوا مقلب خفيف هيضحكوا عليه تاني يوم مع أصحابهم، وإن فلوس أهلهم ونفوذهم كفاية علشان يخرجوا من أي موقف مهما كان.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن اللحظات اللي كانوا بيسجلوها بإيديهم، واللي افتكروها دليل على قوتهم، هتتحول بعد ساعات إلى أدلة واضحة ضدهم.
والأخطر من كده؟
إن مريم ماكنتش أول ضحية لتصرفاتهم، وإن فيه سلسلة من المواقف السابقة المستخبية ورا شهور من الإهانات والتهديدات، سرّ ماكانش حد في الجامعة يجرؤ يتكلم عنه بصوت عالي.
لكن علشان نفهم إزاي بنت هادية فقيرة وصلت للحظة اللي بقت فيها على بُعد ثواني من الخطر الحقيقي، لازم نرجع لبداية الحكاية لليوم اللي دخلت فيه الجامعة وهي فاكرة إن تفوقها هيكون طريقها لحياة أفضل، من غير ما تعرف إن فيه ناس هتعتبر نجاحها إهانة لطريقتهم في الحياة!
الفصل الأول: البنت اللي دخلت عالم الأغنيا من غير ما يكون معاها فلوس
مريم كانت عندها تسعتاشر سنة، بنت بسيطة اتربّت في بيت صغير في حي شعبي، مع أمها سعاد، الست اللي قضت عمرها كله بتشتغل في الخياطة علشان تقدر تصرف على بنتها وتوفّر لها حياة أحسن من الحياة اللي عاشتها.
أبو مريم مات وهي لسه صغيرة، وساب لهم شقة متواضعة وذكريات كتير وديون ماكانوش عارفين يخلصوا منها. ومن وقتها، سعاد قررت إنها هتعمل المستحيل علشان بنتها ماتحسش إنها أقل من أي حد.
كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر، تفتح ماكينة الخياطة القديمة، وتفضل شغالة لحد نص الليل. وساعات كانت بتنام على الكنبة من التعب، وإبر الخياطة لسه جنب إيديها، علشان تخلّص طلبات الزباين قبل مواعيدها.
ومريم كانت شايفة كل ده.
علشان كده، من وهي صغيرة، قررت إنها مش هتضيّع تعب أمها.
كانت من أشطر الطالبات في المدرسة، بتذاكر تحت نور لمبة ضعيفة، وتستعير الكتب اللي مش قادرة تشتريها، وتحلّ امتحانات السنين اللي فاتت بدل ما تضيّع فلوس في الدروس الخصوصية.
ولما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، جابت مجموع أهلها نفسهم ماكانوش متخيلين إنها تجيبه.
وبعد شهور من التقديم والاختبارات، جالها خطاب قبول من واحدة من أرقى الجامعات الخاصة في البلد، ومعاه منحة دراسية كاملة بسبب تفوقها.
يومها، أمها حضنتها وعيطت من الفرحة، وقالت لها:
— شايفا يا بنتي؟ التعب عمره ما بيروح هدر. إنتِ هتوصلي لمكان محدش يقدر يقولك فيه إنك أقل من حد.
مريم ابتسمت ومسحت دموع أمها:
— أنا مش عايزة أبقى أحسن من حد يا ماما. أنا بس عايزة أعيش من غير ما أحس إننا عبء على حد.
كانت فاكرة إن الجامعة هتكون بداية جديدة، وإنها أخيرًا هتقدر تثبت نفسها بعقلها واجتهادها.
لكن أول يوم دخلت فيه الحرم الجامعي، اكتشفت إنها دخلت عالم مختلف تمامًا.
عربيات فارهة قدام البوابة، ساعات غالية في إيد الطلبة، شنط ماركات عالمية، وكلام عن سفر ومطاعم ومنتجعات، كأن كل ده حاجات عادية موجودة في حياة أي إنسان.
أما هي، فكانت بتيجي الجامعة بأتوبيسين، شايلة شنطتها القديمة، ولابسة هدوم نظيفة وبسيطة، اختارتها بعناية علشان تفضل محافظة على شكلها رغم إمكانياتها المحدودة.
في البداية، حاولت تتعامل مع الكل باحترام.
كانت بتساعد زملاءها في المحاضرات، وتشرح للّي مش فاهم، وتشارك في المشروعات الجماعية، من غير ما تطلب مقابل.
لكنها اكتشفت بسرعة إن فيه ناس مش بتقيس قيمة الإنسان بأخلاقه أو علمه، لكنها بتقيسها باسم عيلته وسعر عربيته.
وكان أول شخص قرر يحوّل حياتها لجحيم هو آدم الشناوي.
آدم كان ابن رجل أعمال معروف عنده شركات وعقارات واستثمارات ضخمة. شاب عنده عشرين سنة، وسيم، واثق في نفسه لدرجة الغرور، ومتعود إن الناس تضحك على كلامه حتى لو ماكانش مضحك.
كان بيعتقد إن الفلوس بتديله الحق إنه يتحكم في اللي حواليه، وإن أي شخص مش من مستواه الاجتماعي موجود علشان يتسلى عليه.
أما صاحبه كريم، فكان نسخة أضعف منه، لكنه أشد خطورة في حاجة واحدة: كان مستعد يعمل أي حاجة علشان يفضل قريب من آدم، حتى لو ده معناه إنه يشارك في مواقف محرجة لإنسان بريء.
في أول أسبوع دراسي، لاحظ آدم إن مريم قاعدة لوحدها في الكافيتيريا، بتاكل ساندوتش جبنة جايباه من البيت، وبتراجع محاضراتها.
قرب منها، وبصّ على أكلها، وسألها بصوت عالي:
— هو إنتِ مش بتاكلي من الكافيتيريا ليه؟
مريم رفعت عينيها وقالت بهدوء:
— بحب أكل البيت.
ضحك آدم:
— آه، أصل الأكل هنا غالي، صح؟
كريم ضحك معاه، وبعض الطلبة بصّوا ناحيتهم.
مريم لمّت حاجتها وقالت:
— لو سمحت، أنا عايزة أكمل مذاكرتي.
لكن آدم ماكانش متعود إن حد ينهي كلامه بالشكل ده، فقال لها:
— إنتِ عارفة أنا بسألك ليه؟ علشان غريبة أوي. أول مرة أشوف حد داخل جامعة بالشكل ده.
مريم ما ردتش، وقامت ومشيت.
ومن اليوم ده، قرر آدم إنها هتبقى وسيلة تسليته المفضلة في الدفعة.
الفصل الثاني: شهور من الضغط والصمت
في البداية، كانت الحكاية مجرد تعليقات سخيفة ومواقف محرجة.
آدم يسألها إذا كانت ركبت عربية فخمة قبل كده، وكريم يقلّد طريقتها في الكلام، أو يسألها إذا كانت أمها بتخيط لهم هدومهم في البيت.
لكن بعد فترة، الموضوع اتطور بشكل مزعج.
في يوم، دخلت مريم المحاضرة، واكتشفت إن صورتها وهي نايمة على الكتاب في المكتبة اتنشرت في جروب الدفعة، وتحتها تعليق ساخر: “لما تكون المنحة آخر أمل ليك علشان تدخل عالم الكبار.”
الصورة كانت متاخدة من غير علمها ولا إذنها.
وفي يوم تاني، لقت شنطتها مستخبية في مكان تاني، ولما سألت زملاءها عنها، كريم طلعها من ورا ضهره وهو بيضحك:
— إحنا كنا بنشوف هتعملي إيه لو ضاعت منك أغلى حاجة عندك.
مريم أخدت الشنطة ومشيت من غير ما تقول كلمة.
لكنها رجعت البيت اليوم ده وعيطت بصمت قدام أمها.
سعاد قلقت عليها وسألتها:
— مالك يا حبيبتي؟ حد ضايقك؟
مريم حاولت تبتسم وتخبي:
— مفيش يا ماما، أنا بس تعبانة شوية من المذاكرة.
ماكانتش عايزة تحكي لها، لأنها عارفة إن أمها هتتوجع، وإنها مش هتقدر تعمل حاجة غير إنها تزعل. وكمان كانت خايفة من حاجة تانية؛ المنحة كانت مشروطة بتفوقها والتزامها، وكانت الجامعة بالنسبة لها الفرصة الوحيدة علشان تتخرج وتشتغل في وظيفة محترمة وتغيّر حياتها وحياة أمها. ماكانتش عايزة أي مشكلة تضيّع منها التعب ده كله.
لكن آدم وكريم فهموا سكوتها بطريقة مختلفة؛ افتكروا إنها ضعيفة ومش هتقدر ترد، وإنهم يقدروا يستمروا في مضايقتها من غير حساب.
وفي مرة، أثناء مشروع جماعي، آدم رفض يسمع رأيها، ولما الدكتور اختار فكرتها لأنها كانت الأفضل والأدق، خرج من المحاضرة وهو غضبان.
كريم سأله:
— إنت مضايق ليه؟ ما إحنا خدنا الدرجة كاملة.
رد آدم بعصبية:
— علشان مش معقول واحدة زي دي تبقى أشطر مني قدام الدكتور! فاكرة نفسها مين؟
كريم ضحك وقال:
— كبر دماغك، دي كام شهر وهتزهق وتمشي.
لكن آدم ماكانش عايزها تمشي وخلاص؛ كان عايز يفرض سيطرته ويخليها تحس إنها دايماً في وضع أقل.
وفي مساء يوم خميس، وهو قاعد مع كريم في أحد الأماكن، جت له فكرة اعتبرها وقتها مقلب هيخلّي الكل يتكلم عنه.
بصّ لصاحبه وقال:
— إيه رأيك نعزم مريم على اليخت؟
كريم رفع حاجبه:
— مريم؟ وإيه اللي هيجيبها معانا؟
آدم ابتسم وقال:
— هنقول لها إننا آسفين، وإننا عايزين نصلّح اللي حصل. هنخليها تصدق إننا اتغيرنا، ولما نبعد عن الشاطئ، هنعمل فيديو ضحك عليها.


