
حكايات مني السيد حصري أمي جاتلي في عز الحر، شايلة شنط الخير وجايبة سكر وسمنة بلدي عشان تسندني أنا وعيالي … حماتي شافت السكر، أخدته، ولما طلبت حقي حصل ما لم يكن في الحسبان!
أمي كانت طالعة على السلم نَفَسها مقطوع، وشايلة في إيدها خير ربنا كله، شنط تقيلة متبهدلة بيها في المواصلات عشان تيجي تفرحني وتخفف عني وعن عيالي شوية من حمل الدنيا ومصاريفها. كان من ضمن الحاجة برطمان سمنة بلدي ريحته ترد الروح، ومعاه خمس أكياس سكر أبيض زي الفل.. دخلت رصيت الحاجة على الرخامة وبوست إيدها ودعيت لها إن ربنا يخليها لي ويبارك في عمرها هي وأبويا، ناس شقيانة عشان تسندنا، ومش عارفين إن الخير ده فيه عيون تانية مستنياه على الباب.
أمي لسه ما لحقتش توصل أول الشارع، ولقيت الباب بيخبط، حماتي دخلت، عينيها لفت في المطبخ لقطت الرخامة في ثانية:
ما شاء الله، أمك جايبة لك سمنة وسكر يفرّقوا على بلد، بس السكر كتير ده كله يا بطة!
رديت بنية صافية والله يشهد:
ربنا يخليها لي يا حماتي، برطمان السمنة هشيله للعيال، بس أنا أصلاً عندي سكر من الشهر اللي فات، فكنت بقول هاخد الخمس أكياس سكر أبدلهم من البقال بمكرونة عشان محتاجاها للغدا.
بصت لي بنظرة مفهمتهاش ساعتها وقالت:
وع وعلى إيه تروحي للبقال وتتعبي نفسك؟
قلت لها بحساب بسيط:
الكيس والمكرونة متقاربان في السعر، هزود المبلغ البسيط وأجيب اللي البيت محتاجه.
قامت لاقطة شنطة السكر في إيدها وسابت برطمان السمنة، وقالت:
خلاص ما تروحيش ولا تتعبي نفسك، أنا هاخد السكر ده وأجيب لك مكانه خمس أكياس مكرونة من عيني الاتنين.
فات أول أسبوع، والتاني، والتالت.. وأنا مستنية، وكل ما أسألها تقولي بكرة أجيب لك، بعده هبعت لك، لحد ما اتفاجئت بالصدمة الخمسة كيلو سكر طلعوا من بيتي وراحوا في حجر سلفتي عيني عينك! بلعتها وسكت، قلت يمكن مأزومة وحماتي هتتصرف وتجيب لي المكرونة، لحد ما جه يوم ما كانش عندي عشا للعيال، نزلت لها بإحراج:
يا حماتي معلش، المكرونة بس عشان أعمل للعيال حاجة ياكلوها.
طلعت لي كيسين اتنين بالعافية وقالت لي ببرود:
خدي دول وسلفتك أول الشهر مع التموين هتجيب لك التلاتة الباقيين.
عدت الأيام، وجه أول الشهر، نزلت أسألها بالراحة:
يا حماتي، المكرونة الباقية وصلت؟
لقيتها بتتبدي استغرابها:
مكرونة إيه؟
اتسمرت مكاني:
المكرونة اللي أخدتي قصادها خمس أكياس سكر بتوع أمي!
ردت والابتسامة باردة على وشها:
أنا؟ أنا ما أخدتش منك حاجة أصلاً، إنتي شكلك غلطانة في الاسم!
الدنيا لفت بيا، إزاي؟! واخدة السكر من شقتي قدام جوزي وعيالي! ولما قولت لها الكلام ده، نفت الموضوع تماماً.
طب اندهي ابني ووريني هيقول إني أخدت ولا لا!
من حرقة قلبي على شقى أهلي، رفعت إيدي لربنا وقولت بصوت بيترعش من القهر:
حسبي الله ونعم الوكيل، وكفى بالله حسيبًا!
ومن الكلمة دي، قامت القيامة وما قعدتش. الموضوع اتقلب عليا فجأة وبقيت أنا في مشكلة مع الكبار؛ الست خرجت تشتكي في الشارع والبيت إن مرات ابنها أساءت معاملتها، والكلام وصل لأبو جوزي وعمامه وإخواته الرجالة، وبقى سيرتي على كل لسان في الحارة، وأنا محبوسة في شقتي بدموعي، ماسكة نفسي بالعافية بس عشان خاطر جوزي اللي بيطيب خاطري وبيترجاني أعديها.
لحد ما قفلت معايا خلاص ومبقاش فيها سكوت.. بكرة الجمعة، وكل رجالة العيلة وبناتها متجمعين في الصالة الكبيرة تحت بعد الصلاة، وأنا واخدة قراري أنزل وسطهم وأفجر الموضوع وأكشف كل حاجة قدام الكل؛ هعرفهم مين اللي خد شقى أبويا ورمته لغيري، حتى لو فيها طلاقي!
بس وأنا باصة لجوزي وهو نايم مهدود الحيل في السرير ومش هاين عليا أكسره قدام أهله.. سمعت صوت خفيف ورِجل بتتسحب على عتبة باب شقتي في عز الليل.. قربت من العين السحرية وقلبي هيقف، ولقيت اللي عمري ما كنت أتخيله واقف قدام الباب!
الجزء الثاني
كنت واقفة ورا الباب، قلبي عمال يدق في ضلوعي زي الطبلة، ونفسي محبوس جوه صدري لدرجة حسيت إن الصوت طالع برة والواقف هيسمعه. بصيت في العين السحرية بالراحة، السلم كان شبه ضلمة، اللمبة الصفرا الميتة بين دوري ودور حماتي كانت بترعش وتعمل خيالات على الحيطان.
دققت النظر أوي.. اللي كان واقف على العتبة مش حماتي، ولا واحد من إخوات جوزي جاي يتخانق.. دي كانت سلفتي!
كانت واقفة متلفتة يمين وشمال، وشها أصفر، ولابسة عبايتها البيتي وطرحتها ملوية على شعرها بإهمال كأنها هربانة من مشكلة. إيدها كانت مخبية كيس أسود كبير تحت دراعها، وعمالة تبص وراها على السلم لتحت، خايفة حد يلمحها من شقة حماتي.
حطيت إيدي على أكّرة الباب وفضلت مترددة ثواني.. أفتح ولا أطنش؟ الدم كان بيغلي في راسي، الست دي هي اللي السكر راح في بطنها، هي اللي خلت حماتي تتبلى عليا وتطلعني كدابة قدام الشارع كله، جاية ليه في نص الليل والساعة داخلة على اتنين؟ جاية تشمت؟ ولا جاية تكمل المسرحية اللي حماتها بدأتها؟
فتحت الباب بالراحة، الباب طلع تزييقة خفيفة خلت سلفتي تتنطر مكانها وتشاور لي بوطي صوتها:
بسم الله الرحمن الرحيم!
بصيت لها من فوق لتحت بنظرة كلها تحفظ، وربعت إيدي على صدري:
خير يا ستي؟ في إيه في نص الليل؟ جاية تشوفي الحريقة اللي حماتك ولعتها لسه قايدة ولا طفيت؟
سلفتي عينيها دمعت في ثانية، ومدت إيدها تزقني لجوة الشقة بخوف:
ادخلي بس وطي صوتك الله يسترك، والله العظيم لو حد حس بيا تحت لتقوم مشكلة.. افتحي الباب شوية خليني أدخل دقيقة واحدة!
رجعت خطوة لورا بقرف وسبت الباب موارب، دخلت هي وقفلت الباب وراها بتكة ناعمة، وسندت ضهرها على الخشب وهي بتاخد نفسها بصعوبة. مدت إيدها بالكيس الأسود اللي كانت شايلاه، وحطته على طقطوقة الصالة جنب الباب.
إيه ده بقى إن شاء الله؟ – سألتها وأنا رافعة حاجبي.
فتحت الكيس بإيد بترتعش، وطلعت منه تلات أكياس مكرونة من بتوع التموين، ومعاهم كيسين سكر.. بس سكر غير السكر اللي أمي كانت جايباه، ده سكر تموين غامق وخشن. قالت بصوت واطي ومخنوق بالدموع:
حقك عليا يا أم العيال.. والله العظيم وحياة ولادي ما كنت أعرف حاجة، ولا دريت باللي حصل إلا المغرب لما لقيت حماتي قالباها زعل في الشارع وعمالة تقول إنك زعلتيها وطردتيها من بيتك!
ضحكت بمرارة وسخرية، وقربت منها:
لا والله؟ ما كنتيش تعرفي؟ والسكر الأبيض النضيف اللي دخل شقتك من شهر، دخل لوحده كده عفريت شاله وحطه في مطبخك؟ إنتي مش نزلتي لي كيسين مكرونة بإيدك وقايلة لي أول الشهر هجيب لك التلاتة الباقيين؟ جاية دلوقتي تمثلي عليا دور البريئة الشريفة؟!
سلفتي مسكت إيدي وحلفت بميت يمين:
اسمعيني بس يا أختي الله يخليكي وافهمي.. حماتي طلعت لي بالشهر اللي فات بالسكر الأبيض وقالت لي خدي السكر ده يا هبة وفري تموينك وبدلي بيه مكرونة، وسلفتك فوق مش محتاجة حاجه، وهي اللي قايلة لي اديهم لهبة عشان عيالها كتير.. والله العظيم ده اللي قالته لي بالحرف! ولما نزلتي لي طلبتي المكرونة، اتكسفت أقولك إني استعملت حاجتك، ادتلك الكيسين اللي كانوا في درجي وقلت لما أنزل التموين هعوضك.. ما كنتش أعرف إنها مساومة عليكي، ولا كنت أعرف إنها ناكرة أصلاً إنها خدت منك حاجة لحد ما لقيتها بتصوت تحت..
وقفت أسمعها ومخي عمال يودي ويجيب. الكلام داخل عقلي، بس قلبي مش طايق حد من ريحة البيت ده خلاص.. الوجع كان أكبر من كيسين سكر وشوية مكرونة، الوجع كان في كرامتي اللي اتبعترت على لسان الست الكبيرة في الحارة كلها، وفي نظرات أبو جوزي اللي شفته العصر بيبص لبلكونتي بقرف.
قلت لها وصوتي بيهتز من الغيظ:
الكلام ده حلو ولطيف يا هبة، وتؤجري عليه إنك جاية تبرأي ذمتك.. بس التلات أكياس مكرونة دول ولا حتى قنطار سكر هيردوا لي اعتباري قدام الناس؟ هيردوا كرامتي قدام الشارع اللي سمع حماتك؟ هيردوا وش جوزي اللي مكسور ومش قادر يبص في وش إخواته؟




